طور سينين الجبل الذي كلم الله تعالى به موسى.
والتين والزيتون ( ١ ) وطور سنين ( ٢ ) وهذا البلد الأمين ( ٣ ) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( ٤ ) ثم رددناه أسفل سافلين ( ٥ )
أقسم الله تعالى بالفاكهة والثمرة المعروفتين، التين الذي نأكله غذاء وفاكهة ودواء، والزيتون الذي نتغذى بثمره، ونعتصر منه الزيت أدما ودواء وبركة، وكلتاهما مما يقتات به ويدخر ؛ وقيل : تجوز بالتين والزيتون عن منبتيهما اللذين عرفا قديما ؛ وهما- كما روى- جبلان قريبان من بيت المقدس ؛ وعلى هذا التجوز يمكن أن يشار بهما إلى كرامة موطن رسول الله عيسى –صلى الله عليه وسلم- ومحل مولده ؛ ثم القسم بالجبل الذي كلم الله تعالى به موسى عليه السلام جبل الطور الذي بسيناء ؛ ثم القسم بالبلد الأمين مكة الذي به المسجد الحرام، أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا.. ١.
والمقسم عليه : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم فما برأ الله جل علاه أقوم من بني البشر ؛ فتبارك الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك ٢، .. وصوركم فأحسن صوركم.. ٣ كما منحنا – هبة منه وإحسانا- رفعة القدر، وعلو الذكر، وامتن علينا بما وهبنا، لكيلا يغفل عن فيضه الغافلون، يقول – تبارك اسمه- : ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ٤ وملكنا وذلل لنا عوالم السماء والأرض : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ٥.
وهكذا سوى الله وقوم الآدمي أكرم تسوية حسا ومعنى ؛ ثم قد يتطاول بالبعض العمر، فيدركه خرف الهرم، وضعف المشيب حتى ليبلغ أن لا يعلم بعد علم شيئا ؛ والأكثرون على أن أسفل سافلين إنما هي دركات النار- أعاذنا منها العزيز الغفار- فمن لم يدرك من بني البشر كرامته، ومن كذب بآيات ربه وجحد نعمته، وانسلخ من عروة ربه الوثقى وهجر شريعته، فليس له إلا الهوان، والدرك الأسفل في السعير والنيران ؛ لقد وصفهم الله تعالى الحق وما ظلمهم : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ٦ ؛ ... ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ٧.
[ وفي أحسن تقويم في أحسن تعديل شكلا وانتصابا ؛ وقال الأصم : في أكمل عقل وفهم وبيان... وكان بعض الصالحين يقول : إلهنا أعطيتنا في الأول أحسن الأشكال، فأعطنا في الآخرة أحسن الخصال، وهو العفو عن الذنوب، والتجاوز عن العيوب ]٨- وقال أبو بكر بن طاهر : مزينا بالعقل، مؤديا للأمر، مهديا بالتمييز... ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما ؛ وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله :( إن الله خلق آدم على صورته ) يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها ؛ وفي رواية :( على صورة الرحمان ) ومن أين تكون للرحمان صورة متشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني-٩.
عن ابن عباس ثم رددناه أسفل سافلين يقول : يرد إلى أرذل العمر، كبر حتى ذهب عقله ؛ وهم نفر ردوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم.
عن عكرمة : ثم رددناه أسفل سافلين قال : الشيخ الهرم لم يضره كبره إن ختم الله بأحسن ما كان يعمل ؛ وقال آخرون : بل معنى ذلك رددناه إلى النار في أقبح صورة... وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب في ذلك لأن الله- تعالى ذكره- أخبر عن خلقه ابن آدم وتصريفه في الأحوال احتجاجا بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت، ألا ترى أنه يقول بعد : فما يكذبك بعد بالدين يعني بعد هذه الحجج ؛ ومحال أن يحتج على قوم كانوا منكري معنى من المعاني بما كانوا له منكرين ؛ إنما الحجة على كل قوم بما لا يقدرون على دفعه مما يعاينونه ويحسونه أو يقرون به وإن لم يكنوا له محسين، وإذ كان كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة منكرين، وكانوا لأهل الهرم والخرف من بعد الشباب والجلد شاهدين، علم أنه إنما احتج عليهم بما كانوا له معاينين، من تصريفه خلقه ونقله إياهم من حال التقويم الحسن، والشباب والجلد، إلى الهرم والضعف، وفناء العمر وحدوث الخرف. اهـ.
وخالفه صاحب تفسير القرآن العظيم وقال : ولو كان هذا هو الرد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك ؛ لأن الهرم قد يصيب بعضهم ؛ وإنما الرد ما ذكرناه، بقوله تعالى : والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ١٠. اهـ.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب