ﯡﯢﯣ

كَلَّا ١إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى٢ ( ٦ ) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى٣( ٧ ) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى( ٨ ) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ( ٩ ) عَبْدًا إِذَا صَلَّى ( ١٠ ) أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَ( ١١ ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ٤( ١٢ ) أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ٥ ( ١٣ ) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ( ١٤ ) كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا ٦ بِالنَّاصِيَةِ ٧ ( ١٥ ) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ( ١٦ ) فَلْيَدْعُ نَادِيَه ٨ ( ١٧ ) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ٩ ( ١٨ ) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ ١٠ وَاقْتَرِبْ١١ ( ١٩ ) ( ٦-١٩ ).
تعليق على ما في الآيات
كلا إن الإنسان ليطغى( ٦ ) أن رآه استغنى( ٧ )
من تلقين ثم من مدى ومغزى
في صدد أهداف الرسالة الإسلامية
وهذه الآيات بخاصة محل لتعليق آخر، من حيث إنها تجعل الطغيان نتيجة لكثرة المال والغنى. ولقد احتوت سور كثيرة مبكرة في النزول حملة على شدة حب المال، والحرص عليه، والتباهي به، واعتباره عنواناً للكرامة، وتنديداً بذلك، مثل سور القلم والمزمل والمدثر والمسد والفجر والعاديات والتكاثر والهمزة والبلد ممّا لم نر إيراده لأنه سوف يأتي بعد قليل.
ولقد احتوت هذه السور وسور أخرى مبكرة في النزول أيضا مثل الليل والأعلى والنجم فضلاً عن سور كثيرة أخرى نزلت في مختلف أدوار التنزيل حضاً على إطعام المساكين، والتصدّق على الفقراء، وتزكية المال، والإنفاق في سبيل الله. واحتوت في الوقت نفسه صوراً عديدة من مواقف الأغنياء المناوئة لنبوة النبي، ودعوته إلى جانب الزعماء ؛ حيث يبدو أن الأغنياء بدورهم رأوا في هذه النبوة والدعوة تهديداً لثرواتهم، فتضامنوا مع الزعماء في المناوأة منذ عهد مبكر جداً، واستحقوا وصف الطغيان الذي احتوته الآيات.
وبالإضافة إلى ما في هذا من تلقين جليل سلبي وإيجابي للمسلم فإنه ينطوي على مدى ومغزى عظيمين في صدد الرسالة الإسلامية التي يمثلها القرآن في الدرجة الأولى، وهما كون هذه الرسالة قد جاءت في جملة ما جاءت به للحدّ من جشع الإنسان للمال وتكالبه عليه، والدعوة إلى مساعدة المحتاجين إليه. وورود هذا في السور المبكرة في النزول يسبغ على ذلك المدى والمغزى خطورة خاصة، وقد استمر ذلك بأساليب متنوعة في سور كثيرة أخرى مما يزيد في قوة هذه الخطورة.
وهناك أحاديث كثيرة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم مع كل ذلك أيضاً شأنها مع كل المبادئ والتلقينات القرآنية سنوردها في مناسبات آتية أكثر ملاءمة.

في هذه الآيات :


١-
تقرير حقيقة في أخلاق البشر بوجه عام. وهي أن كثيراً منهم يتجاوزون الحد كبراً وبغياً حينما يشعرون في أنفسهم بالقوة، ويخيل إليهم أنهم في غنى عن غيرهم بكثرة مالهم، وقوة أنصارهم، وعصبيتهم وشخصيتهم، وأسلوب الآية التي ودرت فيها أسلوب تنديدي بهذا الخلق.

٢-
تذكير وإنذار بأن الناس راجعون إلى الله ومعروضون عليه.

٣-
تنديد بالذي يتعرض لعبد من عباد الله فينهاه عن الصلاة له مع أنه يسير على طريق الحق والهدى. ويدعو إلى تقوى الله ويذكّر به. وتنديد كذلك بالذي يكذب دعوة الله ويعرض عنها، وتذكير له في معرض الإنذار، وبأسلوب الاستفهام الإنكاري عما إذا لم يكن يعلم أن الله يراقبه ويحصى عليه آثامه ومواقفه.

٤-
تهديد وتحدّ وإنذار لهذا المكذب المتعرض المعرض بأسلوب قارع قاصم. فإذا لم ينتهِ عن موقفه الباغي فلسوف يسفعه الله بناصيته الكاذبة الخاطئة. وإذا دعا ناديه لنصرته، فسوف يدعو الله الزبانية الموكلين بالعذاب ليتولوا أمرهم.

٥-
تثبيت للنبي عليه السلام في دعوته، فلا محل للخوف من هذا المتعرض والاستجابة لما يقول والاهتمام به. وعليه أن يسجد لله ويتقرب إليه.
والآيات الثلاث الأولى تمهيد لما بعدها على ما هو المتبادر مما هو مستفيض في الأسلوب القرآني. والآيات التالية لها تتضمن مشهداً من مشاهد الدعوة النبوية في الخطوات الأولى حيث تفيد أن زعيماً طاغية تعرّض للنبي عليه السلام حينما رآه يصلي صلاة جديدة، ويدعو إلى الله وتقواه، فضلاً عن تكذيبه للدعوة وإعراضه عنها.
ولقد رويت بعض الأحاديث الصحيحة في مناسبة نزول هذه الآيات. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال :" قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو فعل لاتخذته الملائكة عياناً " ١. ومنها حديث رواه مسلم عن ابن عباس أيضا قال :" وقال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم - يريد على ما يظهر هل يصلي ويسجد - قيل : نعم، فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فما فجئهم منه إلا وهو ينكُص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له : ما لك ؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهوْلاً وأجنحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فأنزل الله : كلا إن الإنسان ليطغى( ٦ ) إلى آخر السورة " ٢.
ومنها حديث رواه الترمذي عن ابن عباس قال :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ ألم أنهك عن هذا ؟ فزبره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل : إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله : فليدع ناديه ( ١٧ ) سندع الزبانية( ١٨ ) . قال ابن عباس :( فوالله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله )٣.
والحديث الأخير قد يفيد أن الآيات نزلت على دفعات. غير أن الذي نرجحه على ضوء الحديث الثاني أنها نزلت دفعة واحدة. ولا يمنع هذا أن يكون ما روي عن لسان أبي جهل مما ذكره الحديث الأخير صحيحاً من جملة ما قاله وفعله، وحاول أن يفعله فكان كل هذا مناسبة لنزول الآيات جميعها.
وتسمية ( أبي جهل ) تسمية إسلامية، واسم هذا الرجل هو عمرو بن هشام المخزومي وكنيته أبو الحكم. ولقد روى ابن هشام أن أبا سفيان وأبا جهل والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا لرسول الله وهو يصلي في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقالوا لبعضهم : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا غير أنهم عادوا ليلة ثانية، ثم ليلة ثالثة. وذهب الأخنس إلى أبي سفيان فقال له : ما رأيك يا أبا حنظلة فيما سمعت من محمد ؟ قال : والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها وما يراد بها، فقال له : وأنا الذي حلفت به كذلك. ثم خرج حتى أتى أبا جهل فقال : ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ما سمعت : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه ؟ و الله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه٤ ؛ حيث يفيد هذا أن موقف أبي جهل كان متأثرا بالاعتبارات الشخصية والأسرية.
تعليق على كلمة الصلاة
وبمناسبة ورود كلمة " صلى " لأول مرة نقول : إن الصلاة تعني في اللغة الدعاء والبركة، وقد جاءت بهذين المعنيين في القرآن كما يفهم من آيات سورة الأحزاب : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، و إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( ٥٦ ) ، ومن آية سورة التوبة هذه : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ، وتعني كذلك الشكل الخاص الذي يتعبد المتعبد به لمعبود، كما هي هذه السورة وغيرها، والمعنيان متقاربان، ولعلّ الأصل هو الأول، ولاسيما والعبادة هي الاتجاه للمعبود ودعاؤه.
وإطلاق كلمة الصلاة على الشكل الخاص من العبادة مطلقاً ليس إسلامياً، بل كان كذلك قبل البعثة كما تدل عليه آية الأنفال هذه : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ١( ٣٥ )، حيث عبرت عما كان يؤديه المشركون من الطقوس الدينية عند الكعبة بكلمة الصلاة.
ومع أن الروايات تذكر٢ أن شكل الصلاة الإسلامية المعروف هو الشكل الذي أدّى به النبي صلى الله عليه وسلم صلاته الأولى بتعليم المَلََك، فإن ورود تعابير الركوع والسجود والقيام في القرآن وتكليف المشركين بالسجود تارة، والركوع أخرى، كما جاء في آية سورة البقرة هذه : وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ( ١٢٥ ، وفي آية سورة الحج هذه : وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ( ٢٦ ) ، وفي آية سورة الفرقان هذه : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا( ٦٠ ) ، وفي آية سورة المرسلات هذه، وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون( ٤٨ ) ، يلهم أن هذه الأشكال كانت معروفة قبل البعثة وممارسة، كأشكال عبادة وصلاة، وكمظهر خضوع لله أو للمعبودات.
ولقد روى ابن هشام خبر أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عزواً إلى ابن إسحاق : " حدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله ينظر إليه ليريه كيف الطهور إلى الصلاة، ثم توضأ رسول الله كما رأى جبريل توضأ. ثم قام به جبريل فصلى به، فصلى رسول الله بصلاته ثم انصرف جبريل، فجاء رسول الله خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله، ثم صلى بها كما صلى به جبريل ". وقال كذلك عزواً إلى ابن اسحق : " وحدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير وكان كثير الرواية عن ابن عباس قال : لما افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام، فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الأخيرة حين ذهب الشفق. ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر. ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل الأول، ثم صلى به الصبح مسفراً غير مشرق، ثم قال : يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس " ٣.
ولقد روى الترمذي وصاحباه حديثاً عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه معظم ما في هذا الحديث، وهذا نصه : " أمّني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين، فصلّى الظهر في الأولى منهما حينما كان الفيء مثل الشِّراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطرَ الصائمُ، ثم صلّى العشاءَ حينَ غابَ الشفقُ، ثم صلى الفجر حين برقَ الفجرُ وحَرُمَ الطعامُ على الصائم. وصلّى المرة الثانية الظهرَ حين كان ظلُّ كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلّى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلّى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إلي جبريل فقال : يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقتُ فيما بين هذين الوقتين " ٤.
ولقد روى الخمسة إلاّ الترمذي عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نزل جبريل فأمَّني فصلّيت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسُبُ بأصابعه خمسَ صلوات. زادَ في رواية : ثم قال : بهذا أمرتُ " ٥.
وليس في هذه الأحاديث تعيين لوقت هذا التعليم والإمامة، ولكن ورود الإشارة إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة التي هي من أبكر ما نزل من القرآن قد يدل على أن ذلك كان عقب نزول أول وحي على النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يؤيد هذا ما جاء في حديث ابن إسحاق الأول من مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى بيته، وتعليمه ما علمه إياه الملك لخديجة رضي الله عنها التي كانت أول من آمن به، والتي لم يكن بعد على ما هو محتمل مؤمناً به غيرها. وقد يؤيد ذلك أيضا أن الإشارة إلى الصلاة والدعوة إليها وخبر ممارستها قد ذكرت في سور أخرى مبكرة جداً في النزول مثل سور المزمل والمدثر والأعلى والشرح والكوثر. هذا في حين أن البخاري ومسلم والنسائي والترمذي يروون حديثاً عن أنس جاء فيه : " فُرضَت على النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أُسريَ به الصلاة خمسين، ثم نُقصَتْ حتى جُعلَتْ خمساً، ثم نودي : يا محمد إنه لا يبدّل القولُ لديَّ، وإنّ لك بهذه الخمس خَمسينَ " ٦.
والإسراء ذكر في سورة الإسراء بأسلوب قد يلهم أنه ذكر عقب وقوعه، وسورة الإسراء ليست من السور المبكرة في النزول، بل يخمن أنها نزلت في أواخر الثلث الأول من العهد المكي، وهناك روايات تذكر أن الإسراء وقع في مثل هذا الظرف.
ولقد روى الترمذي ومسلم حديثاً عن عبد الله في سياق تفسير بعض الآيات الأولى من سورة النجم التي تروي بعض الأحاديث أنها في صدد مشاهد الإسراء والمعراج، جاء فيه : " إنه لما بلغ رسول الله سدرةَ المنتهى قال : انتهى إليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من فوق، فأعطاه الله عندها ثلاثا لم يعطهن نبيا قبله : فرضت عليه الصلاة خمساً، وأعطي خواتيمَ سورة البقرة، وغُفرَ لأمته المُقْحَمات ما لم يشركوا بالله شيئا " ٧.
وسورة النجم نزلت كذلك بعد عدة سور ذكرت فيها الصلاة، مثل المزمل والمدثر والأعلى والشرح والكوثر والماعون.
وعلى هذا فإن الصلاة إما أن تكون غير مفروضة فرضاً مستقراً، وكانت تؤدى كمظهر من مظاهر العبادة لله تعالى وحسب قبل نزول سورتي النجم والإسراء، أو قبل سورة النجم –لأن هناك احتمالاً أن يكون الإسراء وقع قبل نزول سورة الإسراء بمدة ما، وأن يكون ذكره في سورة الإسراء من قبيل التذكير به- إذا صح حديثا أنس وعبد الله رضي الله عنهما. وإما أن يتوقف في هذين الحديثين استئناسا بالآيات وبحديث ابن اسحق الأول. ويقال : إنها كانت تمارس كفرض محدود الأوقات في عهد مبكر من البعثة النبوية وقبل الإسراء النبوي، والله تعالى أعلم.
وليس في القرآن مما يتصل بشؤون الصلاة لها إلا إشارات في صدد الوضوء والاغتسال من الجنابة والتيمم بدلاً منهما، واستقبال القبلة، والأذان، وتطهير الثياب والبدن، وقصر الصلاة، وصلاة الخوف، وصلاة الجمعة، شاءت حكمة التنزيل أن تشير إليها مناسبات حادثة في بعض السور. أما كيفيات الصلاة وأوقاتها وأركانها وركعاتها والدخول فيها والخروج منها، وما يقرأ ويدعى ويسبح فيها، والنوافل المؤكدة، وما يفعل في السهو فيها، والعجز عن بعض كيفياتها وأركانها، وما يكره فيها... إلخ. فقد تكفلت ببيانها السنة النبوية القولية والفعلية - على اختلاف في أسانيدها ورتبها - حفلت بها وبشرحها كتب الحديث والفقه، وتعددت المذاهب بسبب ما بها من اختلاف في النصوص مما لا يدخل تفصيله في منهاج التفسير، وما صار متمماً لتشريعها القرآني وجزءاً منه، وصار العمل بالثابت منه واجباً كما هو الشأن في كل ما سكت عنه القرآن، أو جاء فيه غامضا، أو مطلقاً، أو غير مستوف لكل جانب في مسألة من المسائل، عملاً بالمبدأ القرآني المنطوي في آية سورة النساء هذه : من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وآية سورة الحشر هذه : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا . وقد أوردنا من قبل بعض هذه الأحاديث، ونورد فيما يلي طائفة منها وردت في الكتب الخمسة تحتوي صوراً وسنناً رئيسية مع التنبيه على أنها ليست كل ما ورد في هذه الكتب، فضلا ًعن أن هناك أحاديث كثيرة من بابها وردت في كتب الأحاديث الأخرى : من ذلك ما رواه الخمسة عن أبي هريرة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي فردّ النبي عليه السلام، فقال : ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ، فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبي، فقال : ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ، ثلاثاً. فقال : والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلّمني، فقال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلّها ". وزاد أبو داود : " فإذا فعلت هذا فقد تمتْ صلاتُك، وما انتقصت من هذا شيئا فإنما انتقصته من صلاتك " ٨.
وروى الخمسة أيضا عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ٩.
وروى الخمسة إلاّ البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صلى صلا ة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج - ثلاثاً - غيرُ تمام. فقيل لأبي هريرة : إنما نكون وراء الإمام، فقال : اقرأ بها في نفسك ".
وروى الخمسة عن عبد الله قال : " كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله : السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله ذات يوم : إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابَتْ كلًّ عبد لله صالح في السماء والأرض. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يَتخيَّرُ من المسألة ما يشاء ".
وروى الخمسة عن كعب بن عجرة قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
وروى الخمسة عن أن

١ - المكاء هو: التصفير، والتصدية هي: التصفيق على ما جاء في تفسير الزمخشري "الكشاف"..
٢ - ا بن هشام ج ١ ص ٢٢٩ وما بعدها، و"السيرة الحلبية" ج ١ ص ٢٦٣ وما بعدها..
٣ - ابن هشام جـ ١ ص ٢٤٤-٢٤٥..
٤ - "التاج الجامع"، جـ ١ ص ١٢٥ و١٢٦..
٥ - المصدر نفسه..
٦ - "التاج" جـ ١ ص ١١٧..
٧ - "التاج"، جـ ٤ ص ٢٢١، المقحمات: الذنوب العظيمة..
٨ - هذا الحديث وما نورده بعده من أحاديث منقولة من الجزء الأول من كتاب "التاج الجامع" انظر الصفحة ١١٧ وما بعدها..
٩ - هناك أحاديث' صحيحة عديدة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء قرآنا غير الفاتحة..

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير