وقوله تعالى : رسول أي : عظيم جدّاً بدل من البينة بنفسه، أو بتقدير مضاف، أي : سنة رسول، أو مبتدأ وزاد عظمته بقوله تعالى واصفاً له : من الله أي : الذي له الجلال والإكرام وهو محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه في نفسه بينة وحجة، ولذلك سماه الله تعالى سراجاً منيراً، ولأنّ اللام في البينة للتعريف، أي : هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى عليهم السلام. وقد يكون التعريف للتفخيم ؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها، والبينة كل البينة، وكذا التنكير، وقد جمعها الله تعالى هاهنا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم.
ونظيره : قوله تعالى حين أثنى على نفسه : ذو العرش المجيد ١٥ فعال لما يريد [ البروج، الآيتان : ١٥ ١٦ ] فنكر بعد التعريف. وقال أبو مسلم : المراد من البينة مطلق الرسول، وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء التوراة أو الزبور أو الإنجيل أو القرآن، وعبر بالمضارع لتجدّد البيان في كل وقت بتجدّد الرسالة والتلاوة. وقال البغوي : لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي : حتى أتتهم البينة، وتبعه على ذلك الجلال المحلى. وقوله تعالى : يتلو صحفاً صفة الرسول، أو خبره، والرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان أمّياً لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها. وقيل : المراد جبريل عليه السلام، وهو التالي للصحف المنتسخة من اللوح التي ذكرت في سورة عبس، ولا بدّ من مضاف محذوف وهو الوحي. والصحف جمع صحيفة وهي : القرطاس، والمراد فيها عبر بها عنه لشدّة المواصلة مطهرة أي : في غاية الطهارة والنزاهة من كل قذر مما جعلنا لها من البعد عن الأدناس بأنّ الباطل من الشرك بالأوثان، وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، وأنها لا يمسها إلا المطهرون.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني