السؤال

ما قاله ابن تيمية في قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}


الإجابة
وللشّيخ رَحمَه الله ‏:‏

فى قـوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏ 175‏]‏‏:‏ هذا هو الصواب الذي عليه جمهور المفسرين؛ كابن عباس، وسعيد بن جُبيْر، وعِكْرمة، والنَّخعِى‏.‏

وأهل اللغة كالفَرَّاء، وابن قتيبة، والزجاج، وابن الأنبارى‏.‏

وعبارة الفراء‏:‏ يخوفكم بأوليائه، كما قال‏:‏ ‏{‏‏لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ}‏‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 2‏]‏، ببأس شديد، وقوله‏:‏‏{‏‏لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ‏} ‏[‏غافر‏:‏15‏]‏، وعبارة الزجاج‏:‏ يخوفكم من أوليائه‏.

‏‏ قال ابن الأنبارى‏:‏ والذي نختاره فى الآية‏:‏ يخوفكم أولياءه‏.‏ تقول العرب‏:‏ أعطيت الأموال،أي‏:‏ أعطيت القوم الأموال فيحذفون المفعول الأول ويقتصرون على ذكر الثاني؛ وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا، ليس له فى تخويف ناس بناس ضرورة، فحذف الأول ليس مقصوداً، وهذا يسمى حذف اختصار، كما يقال‏:‏ فلان يعطى الأموال والدراهم‏.

‏‏ وقد قال بعض المفسرين‏:‏ يخوف أولياءه المنافقين، ونقل هذا عن الحسن والسُّدِّى، وهذا له وجه سنذكره، لكن الأول أظهر؛ لأن الآية إنما نزلت بسبب تخويفهم من الكفار، كما قال قبلها‏:‏ ‏{‏‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً‏} الآيات ‏[‏آل عمران‏:‏173‏]‏، ثم قال‏:‏ {‏‏فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين }فهي إنما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس، وقد قال‏:‏‏{‏‏يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ‏}،، ثم قال‏:‏ ‏{‏‏فَلاَ تَخَافُوهُمْ‏}،، والضمير عائد إلى أولياء الشيطان الذين قال فيهم‏:‏ ‏{‏َاخْشَوْهُمْ‏}‏ قبلها‏.‏

وأما ذلك القول، فالذي قاله فسرها من جهة المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه بالمؤمنين؛ لأن سلطانه على أوليائه بخوف يدخل عليهم المخاوف دائما، فالمخاوف منصبة إليهم محيطة بقولهم، وإن كانوا ذوي هيئات وعَدَد وعُدَد فلا تخافوهم‏.

‏‏ وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله، لا يخوفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول، أي يخوف المنافقين أولياءه، و إلا فهو يخوف الكفار، كما يخوف المنافقين، ولو أنه أريد أنه يخوف أولياءه، أي يجعلهم خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏‏فَلاَ تَخَافُوهُمْ‏} وأيضا، فهذا فيه نظر؛ فإن الشيطان يَعِد أولياءه ويُمَنِّيهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ‏} ‏[‏الأنفال‏:‏48‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏120‏]‏‏.‏

ولكن الكفار يلقى الله فى قلوبهم الرعب من المؤمنين والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى‏:‏‏{‏‏لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ الله‏} ‏[‏الحشر‏:‏13‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{‏‏إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ}‏‏ ‏[‏الأنفال‏:‏12‏]‏، وقال‏:‏‏{‏‏سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِالله‏‏}[‏آل عمران‏:‏151‏]‏، وفى حديث قرطبة أن جبريل قال "إني ذاهب إليهم فمزلزل بهم الحِصْن"‏‏‏.

‏‏ فتخويف الكفار والمنافقين وإرعابهم هو من الله نصرة للمؤمنين‏.‏

ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا‏:‏ أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام، فهم يوالون العدو، فصاروا بذلك منافقين، وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَيَحْلِفُونَ بِالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}‏‏ ‏[‏التوبة‏:‏56‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ‏} الآيات، إلى قوله‏:‏ ‏{‏‏يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ}‏‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏19-20‏]‏، فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين، كما دل عليه سياق الآية ولفظها، والله أعلم‏.

‏‏ وإذا جعلهم الشيطان مخوفين، فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم فجعله خائفاً‏.

‏‏ فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناساً خائفين منهم، ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏، بل يجب عليه أن يخاف الله، فخوف الله أمر به وخوف الشيطان وأوليائه نهى عنه‏.

‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏150‏]‏، فنهى عن خشية الظالم وأمر بخشيته، والذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله‏.

‏‏ وقال‏:‏ ‏{‏‏فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ‏} ‏[‏النحل‏:‏51‏]‏‏.

‏‏ وبعض الناس يقول‏:‏ يا رب، إني أخافك وأخاف من لا يخافك، وهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده، ولا يخاف أحدًا، لا من يخاف الله ولا من لا يخاف الله؛ فإن من لا يخاف الله أخس وأذل أن يخاف؛ فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الرابع عشر.
فتاوى مشابهة

ما الحكمة في تقديم ذكر السرقة على الزنا في آية مبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم-للنساء في قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ.."...

عبد الرحمن الأهدل

قال تعالى(إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون) كيف يكون لوط وهو نبي أخ لهؤلاء المشركين مع أن لوط أرسل إلى سدوم فهو ليس أخوهم في النسب ولا في القرية؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة يوسف "قالوا جزاؤه من وجد في رحله ... "كيف فهم المفسرون من هذه الآية أن إخوة يوسف يريدون تحكيم شريعة يعقوب عليه السلام في السارق؟

عبد الله العواجي

﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ هل عدد ملائكة النار تسعة عشر؟ أم هذا العدد مجرد مثل؟

فلوة بنت ناصر الراشد

ما الفرق بين معاد (لرادك إلى معاد) وميعاد (إن الله لا يخلف الميعاد)؟

عبد الرحمن الأهدل

على ماذا يعود الضمير في اسم الإشارة (ذلكم) من قوله تعالى: (وإذ نجّيناكم... وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) [البقرة ٤٩] هل يعود على نعمة التنجية فيكون معنى البلاء خيرًا، أم على تعذيب آل فرعون فيكون البلاء شرًا؟ وإذا ترجّح المعنى الأول، فكيف نقول بقاعدة عو...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

قال تعالى : ( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ) هل المراد شجرة السدر المعروفة؟ وهل في الآية ذكرها على سبيل التقليل من شأنها أم ما المراد؟

عبد الله العواجي

الله عز وجل خلق السموات والأرض في ستة أيام والله يقول "وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون "هل معناه أن الله خلقها في 6000 يوم ؟

فهد بن مبارك الوهبي

ما الغنائم المقصودة في قوله تعالى في سورة الفتح (وعدكم الله مغانم كثيرة....) وقوله: (وأخرى لم تقدروا عليها)؟

منيرة بنت محمد الدوسري

﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ هل فرعون ومن عُبد من دون الله وهو راض بذلك يدخل في هذه الآية؟ فرعون كان يعرف أنهم يعبدونه وهو يدعو لذلك. فهو لم يكن غافلًا عن عبادتهم له؟

منيرة بنت محمد الدوسري