السؤال

الشيطان دخل إلى الجنة ، ووسوس لآدم وحواء ، فكيف استطاع آدم رؤية الشيطان ، رغم أن الله قال : (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) ؟ ولماذا استعان الشيطان بالأفعى لدخول الجنة ، إذ دخل في داخلها ؟ ولماذا فعل ذلك وهو غير مرأي أصلا؟ وقرأت في إحدى المنتديات أن حرب نشبت بين الإنس والجن في السابق ، وكان النصر للإنسان ، فهل القصة حقيقية ؟ إذا نعم ، فكيف استطاع الإنسان رؤية الجن في تلك الحرب ؟


الإجابة

الحمد لله  

أولًا:

أحق الأخبار بالقبول ما وافق كتاب الله تبارك وتعالى، وقد أخبرنا الله سبحانه أن الشيطان وسوس لآدم عليه السلام،  وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ الأعراف/21 ، ففي هذا دليل أنه قد باشر خطابهما بنفسه ، إما ظاهرا لأعينهما ، وإما مستجنًا في غيره.

ولم يرد في القرآن الكريم أو سنة النبي صلى الله ما يجعلنا نقطع بأحد الأمرين، وعليه: فنتوقف في الجزم بأحدهما، ونكل العلم إلى الله تعالى .

أما خبر الحية، فقد ورد في الأخبار الإسرائيلية أن إبليس دخل الجنة بواسطة الحية، وهذه الأخبار رواها الطبري وغيره، انظر "تفسير الطبري"(1/ 560 - 570).

وهذه الأخبار من الأمور الممكنة، ولم يأت خبر ينفي حصولها، فلا مانع أن يكون إبليس قد دخل الجنة في جوف الحية، وكلم آدم عليه السلام من فيها على ما ورد في بعض الأخبار، أو أنه خرج من جوف الحية، وكلمه مباشرة، وسيأتي أنه لا مانع من رؤية بعض الناس للجن، وكل هذا يبقى على الأصل في التعامل مع الإسرائيليات، فلا نكذبه ولا نصدقه .

وقد قال بنحو ذلك الطبري وغيره .

قال ابن كثير: " فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أسكنها في السماء ، كما يقوله الجمهور من العلماء، فكيف يمكن إبليس من دخول الجنة، وقد طرد من هنالك طردا قدريا، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟

فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء، وقد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية.

وأجاب الجمهور بأجوبة، أحدها: أنه منع من دخول الجنة مكرما، فأما على وجه الردع والإهانة، فلا يمتنع؛ ولهذا قال بعضهم: كما جاء في التوراة أنه دخل في فم الحية إلى الجنة " انتهى من "تفسير ابن كثير "(1/ 238).

ثانيًا:

سئل ابن تيمية رحمه الله عن قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم الآية الكريمة.

هل ذلك عام لا يراهم أحد أم يراهم بعض الناس دون بعض ؟

فأجاب: " الحمد لله، الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس ؛ وهذا حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها.

وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال؛ بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضًا؛ لكن لا يرونهم في كل حال " انتهى من "مجموع الفتاوى" (15/ 7).

إذًا: فالأصل في الجن أن لا يراهم الإنس، لكن يوجد بعض ما يستثنى من هذه القاعدة، فيوجد من الإنس من يرى الجن، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجن، وكلمهم، وخاطبهم، بل ثبت عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فصلى صلاة الصبح، وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال:  لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان، لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل  رواه الإمام أحمد (11780). 

قال ابن رجب : " وفي الحديث: دليل على إمكان ربط الشيطان ، وحبسه ، وإيثاقه، وعلى جواز ربطه في المسجد، كما يربط الأسير فيه.

وعلى جواز رؤية غير الأنبياء للجن والشياطين، وتلاعب الصبيان بهم " انتهى من " فتح الباري" لابن رجب(9/ 334).

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي  رواه البخاري (461).

فلا تعارض بين الآية ، وهذه الأحاديث ، فإنها محمولة على أمور، منها:

1- أن الآية محمولة على الأعم الأغلب، وليس المراد نفي رؤيتهم مطلقاً؛ حيث إنَّ الغالب هو عدم رؤيتهم من قِبَلِ الإنس، ولكن لا مانع من رؤيتهم في بعض الأحيان، كما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم .

2- أنَّ المراد في الآية نفي رؤيتنا لهم في الحال التي يروننا فيها، وليس في الآية ما يُفيد نفي رؤيتنا لهم مطلقاً؛ إذ المستفاد منها أنَّ رؤيتهم إيانا مُقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في وقت رؤيتهم لنا فقط ، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت.

على أن بعض العلماء قد قال: "رؤيتهم على صورهم التي خُلِقوا عليها : هو مما اختص به الأنبياء عليهم السلام وهو من معجزاتهم، وعليه تحمل الآية، وأما سائر الناس فلا يمكنهم رؤيتهم إلا إذا تشكلوا في غير صورهم التي خُلقوا عليها".

انظر: الأحاديْثُ المُشْكِلَةُ الواردةُ في تفسير القرآنِ الكريم (عَرْضٌ وَدِراسَة)، المؤلف: د. أحمد بن عبد العزيز بن مُقْرِن القُصَيِّر: (218 - 224).

وقد سبق الكلام في هذا الموضوع في الجواب رقم: (40703)، وينظر أيضا جواب السؤال رقم : (291661) .

وعليه؛ فلا مانع من رؤية آدم عليه السلام لإبليس في تلك الحال، والله أعلم .

ثالثًا:

لا يوجد في نصوص الكتاب والسنة ما يشهد أن حربًا حصلت بين الجن والإنس، ومثل هذا أقرب إلى الخرافات ، والأساطير التي يتناقلها الناس، وغاية أن يكون من الإسرائيليات التي لم يرد في شرعنا منها شيء ، ولا ينبغي التعويل عليها ، أو الانشغال بأمرها ، وأقصى ما يمكن فيها أن تكون من أحاديث الأسمار ونحو ذلك.

وإنما ينفع العبد من ذلك أن يعلم عداوة الشيطان له ، ومكره به ، ليصده عن سبيل رب العالمين، ويضله عن الهدى ، ويوقعه في الضلال؛ فهذا هو ما ينفع العبد في شأن هذه القصة والعداوة .

وقد أطال القرآن في تحذيرنا من الشيطان لعظم فتنته، ومهارته في الإضلال، ودأبه وحرصه على ذلك:  يا بني آدم لا يفتننَّكم الشَّيطان  الأعراف/27 .

وقال:  إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا  فاطر/6 ، وقال:  ومن يتَّخذ الشَّيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مُّبيناً  النساء/119 .

وعداوة الشيطان مع الإنسان: لا تحول ولا تزول؛ لأنه يرى أن طرده ولعنه وإخراجه من الجنة كان بسبب أبينا آدم، فلا بدّ أن ينتقم من آدم وذريته من بعده:  قال أَرَأَيْتَكَ هذا الَّذي كرَّمت عَلَيَّ لئِن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذريَّته إلاَّ قليلاً  الإسراء/62 .

وأما دخول إبليس اللعين إلى الجنة ، على ظهر الحية : فهو أيضا من الإسرائيليات التي لم يثبت فيها شيء عن المعصوم، صلى الله عليه وسلم . وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم : (226664)  .

وانظر في مزيد من أحوال الجن، "عالم الجن والشياطين" د. عمر الأشقر  .

والله أعلم . 

فتاوى مشابهة

لماذا لم تذكر (الدنيا) قبل (لعنة)في الموضع الثاني من سورة هود؟

عبد الله العواجي

في سورة آل عمران في قصة زكريا - عليه السلام - قوله تعالى : « و قد بلغني الكبر و امرأتي عاقر ... » و في سورة مريم : قوله تعالى : « و كانت امرأتي عاقرا و قد بلغت من الكبر عتيا » فما المراد بهذا التقديم و التأخير؟

عبد الله العواجي

لماذا قال الله في موضع واحد من سورة الكهف (فأراد ربك ) في قصة الجدار بينما قال (فخشينا) (فأردنا) في خبر الغلام وفي خبر السفية (فأردنا)؟

محسن المطيرى

في قصة موسى ، قوله تعالى ( إنني معكما أسمع و أرى) لِم قدم السمع على البصر ، مع ان البصر أقوى من السمع؟

عبد الله العواجي

في قوله تعالى "لولّيت منهم فراراً ولملئت منهم رُعبا" لِم تقدم الفرار على الخوف والوجل، مع أن الحال في العادة يقتضي عكس ذلك؟

محمد العبادي

(ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) في قصة سيدنا نوح لم يستثنى من أهله ولده الذي غرق في الطوفان؟

محمد العبادي

ما الفرق بين (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) و(الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) ؟

نمشة بنت عبد الله الطوالة

في قول موسى ومحمد عليهما السلام في القصص: (ربي أعلم بمن جاء بالهدى) (ربي أعلم من جاء بالهدى) ما الغرض من زيادة الباء؟

عبد الله العواجي

في سوره القصص آية(٣٢) قال موسى للفتاتين (ما خطبكما). ما الحكمة من اختيار كلمة (الخَطب دون غيرها) وهل هذا ملمح لاستنكار موسى لرعيهما؟

تركي بن سليمان النشوان

قال تعالى في قصة بني إسرائيل ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما...) هل هما موسى وهارون عليهما السلام أو غيرهما؟ وإن كان غيرهما فلماذا لم يذهبا مع موسى فقد قال تعالى في الآية الأخرى (قال رب إني لا أملك إلا نفس وأخي...)؟

عبد الله العواجي