عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا قَدِم وفدُ اليمن على رسول الله ﷺ، فقالوا: أبَيْتَ اللَّعْنَ. فقال رسولُ الله ﷺ: «سبحان الله! إنّما يُقالُ هذا للمَلِكِ، ولستُ مَلِكًا، أنا محمدُ بن عبد الله». قالوا: إنّا لا ندعُوك باسمِك. قال: «فأنا أبو القاسمِ». فقالوا: يا أبا القاسم، إنّا قد خبَّأنا لك خبيئًا. فقال: «سبحانَ اللهِ! إنما يُفعَلُ هذا بالكاهنِ؛ والكاهنُ والمتكهِّنُ والكِهانةُ في النارِ». فقال له أحدُهم: فمَن يشهدُ لك أنك رسولُ اللهِ؟ فضرَب بيدِه إلى حَفْنة حصًا، فأخَذها، فقال: «هذا يشهَدُ أني رسول اللهِ». فسبَّحْن في يدِه، فقُلْن: نشهدُ أنك رسولُ اللهِ. فقالوا له: أسْمِعْنا بعضَ ما أُنزِل عليك. فقرأ: ﴿والصّافاتِ صَفًا﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات:١-١٠]. فإنه لَساكنٌ ما ينبِضُ منه عِرْقٌ، وإن دموعَه لَتسبِقُه إلى لحيتِه، فقالوا له: إنّا نراك تَبْكِي، أمِن خوفِ الذي بعَثك تَبْكي؟ قال: «بلى، مِن خوفِ الذي بعَثني أبْكِي، إنّه بعَثني على طريقٍ مثلِ حدِّ السيفِ، إن زِغْتُ عنه هَلكْتُ». ثم قرَأ: ﴿ولَئِن شِئنا لَنَذهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَينَآ إلَيكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينا وكِيلًا﴾
عن ابنِ عباسٍ، وابن عمر، قالا: خطَب رسول اللهِ ﷺ، فقال: «يا أيُّها الناسُ، ما هذه الكتبُ التي بلَغني أنكم تكتُبونها مع كتابِ اللهِ؟ يوشِكُ أن يَغضَبَ اللهُ لكتابِه، فيُسْرى عليه ليلًا، لا يُتْرَكُ في قلبٍ ولا ورقٍ منه حرفٌ إلا ذهَب به». فقيل: يا رسولَ اللهِ، فكيف بالمؤمنين والمؤمناتِ؟ قال: «مَن أراد اللهُ به خيرًا أبْقى في قلبِه لا إلهَ إلا اللهُ»
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: أتى رسولَ اللهِ ﷺ محمودُ بنُ سَيْحانَ، ونُعمانُ بنُ أضا، وبَحريُّ بنُ عمرٍو، وعُزيز بن أبي عُزيز، وسلّامُ بنُ مِشْكمٍ، فقالوا: أخبِرْنا -يا محمدُ- بهذا الذي جئتَ به؛ أحقٌّ مِن عند الله؟ فإنّا لا نراه متناسقًا كما تناسق التوراة. فقال لهم رسول الله ﷺ: «أما -واللهِ- إنكم لتعرفون أنّه من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به». فقالوا عند ذلك -وهم جميعًا: فنحاص، وعبد الله بن صوريا، وكنانة بن أبي الحقيق، وأَشْيَعُ، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو-: يا محمد، ما يعلمك هذا إنس ولا جان؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما -واللهِ- إنّكم لتعلمون أنه من عند الله، وأني رسول الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل». فقالوا: يا محمد، إن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما شاء، ويقدر منه على ما أراد؛ فأنزِل علينا كتابًا نقرؤه ونعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به. فأنزل الله عز وجل فيهم وفيما قالوا: ﴿قُل لئنِ اجتَمَعَتِ الإنسُ والجنُّ﴾ الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن إسحاق، عن شيخ من أهل مصر-: أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلًا من بني عبد الدار، وأبا البختريَّ أخا بني أسدٍ، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلفٍ، والعاص بن وائلٍ، ونُبيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السهميَّين، اجتمعوا بعد غروبٍ الشمسِ عند ظهر الكعبة، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثُوا إلى محمدٍ، فكلِّموه، وخاصِموه حتى تُعذِروا فيه. فبعثوا إليه: إنّ أشرافَ قومِك قد اجتمعوا إليك ليُكَلِّموك. فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعًا وهو يَظنُّ أنهم قد بدا لهم في أمره بداءٌ، وكان عليهم حريصًا؛ يُحِبُّ رشدَهم، ويَعِزُّ عليه عنتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمدُ، إنّا قد بعثْنا إليك لنُعذِرَك، وإنا –واللهِ- ما نعلمُ رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلْتَ على قومك؛ لقد شتمْتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّين، وسفَّهْتَ الأحلام، وشتمْتَ الآلهةَ، وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بقي من قبيح إلا وقد جئتَه فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلبُ مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلُبُ الشرف فينا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريدُ مُلكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًّا تَراه قد غلب عليك -وكانوا يسمُّون التابعَ من الجنِّ: الرَّئيَّ- فربما كان ذلك بذَلْنا أموالنا في طلب الطبِّ حتى نُبرِئَك منه أو نُعذِرَ فيك. فقال رسول الله ﷺ: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتُكم به أطلبُ أموالكم، ولا فيئكم، ولا الملك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتُكم رسالة ربِّي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مِنِّي ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبِرْ لأمر الله حتى يحكُمَ الله بيني وبينكم». فقالوا: يا محمدُ، فإن كنت غير قابلٍ مِنّا ما عرَضْنا عليك فقد عَلِمتَ أنه ليس أحدٌ من الناس أضيق بلادًا، ولا أقلَّ مالًا، ولا أشدَّ عيشًا مِنّا؛ فاسألْ ربَّك الذي بعثك بما بعثك به فلْيُسَيِّرْ عنّا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقَتْ علينا، ولْيَبْسُطْ لنا بلادنا، وليُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، ولْيَبْعثْ لنا مَن قد مضى من آبائنا، ولْيكنْ في مَن يبعثُ لنا منهم قُصَيُّ بنُ كلابٍ؛ فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقولُ؛ حقٌّ هو أم باطلٌ؟ فإن صنعتَ ما سألْناك وصدَّقوك صدَّقناك، وعرفْنا به منزلتك من عند الله، وأنه بعَثك رسولًا. فقال رسولُ الله ﷺ: «ما بهذا بُعِثْتُ، إنما جئتُكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلَّغتُكم ما أُرسِلْتُ به إليكم، فإن تَقبلوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يَحكمَ الله بيني وبينكم». قالوا: فإن لم تفعلْ لنا فخذْ لنفسك، فاسألْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يصدِّقُك بما تقولُ ويراجعُنا عنك، وتسألُه أن يجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويُغْنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمسُ المعاش كما نلتمسُه، حتى نعرف منزلتك من ربِّك إن كنت رسولًا كما تزعُمُ. فقال رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». قالوا: فأسقِط السماء كما زعمت أنّ ربَّك إن شاء فعل، فإنّا لن نؤمنَ لك إلا أن تفعل. فقال رسول اللهﷺ: «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك». قالوا: يا محمدُ، فما عَلِم ربُّك أنا سنجلِسُ معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلُب منك ما نطلُبُ، فيتقدَّم إليك، ويُعلِمَك ما تراجعُنا به، ويخبرَك بما هو صانعٌ في ذلك بنا إذا لم نقبلْ منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلِّمُك هذا رجلٌ باليمامة يُقال له: الرحمنُ، وإنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك، يا محمدُ، أما -واللهِ- لا نتركُك وما فعلت بنا حتى نُهلِكَك أو تُهلِكَنا. وقال قائلُهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسولُ الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمدُ، عرَض عليك قومُك ما عرضوا فلم تقْبلْه منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليَعْرفوا بها منزلتك من الله فلم تفْعلْ ذلك، ثم سألوك أن تعُجِّلَ ما تُخَوِّفُهم به من العذاب، فواللهِ، ما أُؤمنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماء سُلَّمًا، ثم تَرْقى فيه وأنا أنظُرُ، حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورةٍ، معك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقولُ، وايمُ الله، لو فعلتَ ذلك لظننتُ أنِّي لا أُصدِّقُك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسِفًا لما فاته مِمّا كان طمع فيه من قومه حين دَعوه، ولما رأى من مباعدتِهم إيّاه، وأُنزل عليه فيما قال له عبدُ الله بن أبي أمية: ﴿وقالوا لَن نُّؤمن لك﴾ إلى قوله: ﴿بشرًا رسولًا﴾. وأُنزل عليه في قولهم: لن نؤمن بالرحمن: ﴿كذلكَ أرسناكَ في أمةٍ قدْ خلتْ﴾الآية [الرعد:٣٠]. وأُنزل عليه فيما سأله عنه قومه لأنفسِهم من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وبَعثِ من مضى من آبائهم الموتى: ﴿ولو أنّ قرآنًا سيرتْ به الجبالُ﴾ الآية [الرعد:٣٠]
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة- بنحوه، إلا أنه قال: وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث أبناء بني عبد الدار، وأبا البختري بن هشام