عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: إنّ أهل مكة -منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة- دَعَوُا النبيَّ ﷺ إلى أن يرجع عن قوله، على أن يُعطوه شطر أموالهم، وخوَّفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾
عن ابن عباس، قال: صلى النبيُّ ﷺ بِمنى، فخَطَرَت منه كلمةٌ، قال: فسمعها المنافقون، فقال: فأكثَروا، فقالوا: إنّ له قلبين، ألا تسمعون إلى قوله وكلامه في الصلاة! إنّ له قلبًا معكم، وقلبًا مع أصحابه. فنزلت: ﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ إلى قوله: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾
عن عبد الله بن عباس، قال: كان مِن أمر زيد بن حارثة أنّه كان في أخواله بني معن من بني ثُعل من طيئ، فأصيب في غِلمة مِن طيئ، فقُدِم به سوق عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوَّق بها، فأوصته عمتُه خديجة أن يبتاع لها غلامًا ظريفًا عربيًّا إن قدر عليه، فلما جاء وجد زيدًا يُباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه، فقدم به عليها، وقال لها: إنِّي قد ابتعت لك غلامًا ظريفًا عربيًّا، فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني. فلما رأته خديجة أعجبها، فأخذته، فتزوجها رسول الله ﷺ وهو عندها، فأعجب النبي ﷺ ظرفه، فاستوهبه منها، فقالت: أهبه لك، فإن أردت عتقه فالولاء لي. فأبى عليها، فوهبته له؛ إن شاء أعتق وإن شاء أمسك، قال: فشَبَّ عند نبي الله ﷺ. ثم إنه خرج في إبل أبي طالب إلى الشام، فمَرَّ بأرض قومه، فعرفه عمُّه، فقام إليه، فقال: مَن أنت، يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة. قال: مِن أنفسهم. قال: لا. [قال]: فحُرٌّ أنت أم مملوك؟ قال: بل مملوك. قال: لِمَن؟ قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال له: أعربيٌّ أنت أم عجمي؟ قال: بل عربي. قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب. قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ود. قال: ويحك، ابن من أنت؟ قال: ابن حارثة بن شَراحيل. قال: وأين أُصِبت؟ قال: في أخوالي. قال: ومَن أخوالك؟ قال: طيِّئ. قال: ما اسم أمك؟ قال: سُعدى. فالتزمه، وقال: ابن حارثة! ودعا أباه، وقال: يا حارثة، هذا ابنك. فأتاه حارثة، فلمّا نظر إليه عرفه، قال: كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يُؤثِرُني على أهله وولده، ورُزِقتُ منه حُبًّا، فلا أصنع إلا ما شئتُ. فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله ﷺ، فقال له حارثة: يا محمد، أنتم أهل حرم الله وجيرانه وعند بيته، تَفُكُّون العاني، وتُطْعِمون الأسير، ابني عبدك، فامْنُن علينا، وأحسن إلينا في فدائه؛ فإنك ابن سيد قومه، فإنّا سنرفع لك في الفداء ما أحببتَ. فقال له رسول الله ﷺ: «أُعطيكم خيرًا مِن ذلك». قالوا: وما هو؟ قال: «أُخَيِّره، فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه». فقالوا: جزاك الله خيرًا، فقد أحسنت. فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: «يا زيدُ، أتعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي وعمي وأخي. فقال رسول الله ﷺ: «فأنا مَن قد عرفتَه، فإن اخترتهم فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا مَن تعلم». فقال زيد: ما أنا بمختار عليك أحدًا أبدًا، أنت مِنِّي بمكان الوالد والعم. قال له أبوه وعمه: يا زيد، أتختار العبودية على الربوبية؟ قال: ما أنا بِمُفارِق هذا الرجل. فلما رأى رسول الله ﷺ حِرصَه عليه قال: «اشهدوا أنه حُرٌّ، وإنّه ابني يرثني وأرثه». فطابت نفسُ أبيه وعمه لِما رأوا مِن كرامته عليه، فلم يزل في الجاهلية يُدعى: زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾، فدُعِي: زيد بن حارثة
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء-: أنّه كان يقرأ هذه الآية: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنفُسِهِمْ وهُوَ أبٌ لَّهُمْ وأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ)
قال عبد الله بن عباس، وعطاء: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، يعني: إذا دعاهم النبيُّ - ﷺ -، ودعتهم أنفسُهم إلى شيء؛ كانت طاعةُ النبي - ﷺ - أولى بهم مِن طاعتهم أنفسهم