قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يعني: ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ في العقوبة، يعني: اليهود
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كيف تكفرون بالله﴾ بأنّه واحد لا شريك له، ﴿وكنتم أمواتا﴾ يعني: نُطَفًا، ﴿فأحياكم﴾ يعني: فخلقكم، وذلك قوله سبحانه: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ [يونس:٣١، والروم:١٩]، ﴿ثم يميتكم﴾ عند إحيائكم، ﴿ثم يحييكم﴾ من بعد الموت يوم القيامة، ﴿ثم إليه ترجعون﴾ فيجزيكم بأعمالكم. فأمّا اليهود فعرفوا وسكتوا، وأما المشركون فقالوا: أئِذا كنا ترابًا مَن يقدِر أن يبعثنا من بعد الموت؟! فأنزل الله عز وجل: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فسواهن﴾ يعني: فخَلَقَهُنَّ ﴿سبع سماوات﴾، فهذا أعظمُ مِن خَلْق الإنسان، وذلك قوله سبحانه: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر:٤٧]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وذلك أن اللَّه عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس، وهو آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سُكّانَ السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا من أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفوا من العبادة في الأرض ما كُلِّفوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إلَيَّ. فكَرِهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهون الملائكة أعمالًا. ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ يقول: أتجعل في الأرض ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ يعني: مَن يعمل فيها بالمعاصي، ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ بغير حق كفعل الجن، ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ يقول: نحن نذكرك بأمرك. كقوله سبحانه: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣] يعني: يذكره بأمره. ﴿ونقدس لك﴾ ونُصَلِّي لك، ونُعَظِّم أمرك. قال الله سبحانه: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنّ فِي علمي أنّكم سكان السماء، ويكون آدم وذريته سكان الأرض، ويكون منهم من يسبح بحمدي ويعبدني. فخلق آدم عليه السلام من طين أحمر وأبيض، من السَّبَخَةِ والعَذْبَةِ؛ فَمِن ثَمَّ نسلُه أبيض وأحمر وأسود، مؤمن وكافر. فحَسَد إبليسُ تلك الصورة، فقال للملائكة الذين هم معه: أرأيتم هذا الذي لم تَرَوْا شيئًا من الخلق على خِلْقَته، إن فُضِّل عَلَيَّ ماذا تصنعون؟ قالوا: نسمع ونطيع لأمر الله. وأَسَرَّ عدوُّ الله إبليسُ في نفسه: لَئِن فُضِّل آدمُ عليه لا يطيعه، ولَيَسْتَفِزَّنَّه. فتُرِك آدمُ طينًا أربعين سنة مُصَوَّرًا، فجعل إبليس يدخل من دُبُرِه ويخرج من فِيهِ، ويقول: أنا نار وهذا طين أجوف، والنار تغلب الطين، ولأَغْلِبَنَّه. فذلك قوله عز وجل: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]، يعني: قوله يومئذ: لأغلبنه. وقوله: ﴿لأحتنكن﴾ يعني: لأَحْتَوِيَنَّ على ﴿ذريته إلّا قليلا﴾ [الإسراء:٦٢]. فقال للرُّوح: ادخلي هذا الجَسَد. فقالت: أيْ ربِّ، أين تُدْخِلُنِي هذا الجسد المظلم؟! فقال الله -تبارك وتعالى-: ادخُلِيه كُرْهًا. فدخلته كُرْهًا، وهي لا تخرج منه إلّا كُرْهًا. ثُمَّ نُفِخ فيه الروحُ من قِبَل رأسه، فترددت الرُّوحُ فيه حتّى بَلَغَت نِصْفَ جسده موضع السُّرَّة، فعَجَّل للقعود، فذلك قوله تعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١]. فجَعَلَت الرُّوحُ تَتَرَدَّدُ فيه، حتّى بلغت أصابع الرِّجْلَيْن، فأرادت أن تخرج منها فلم تَجِد منفذًا، فرجعت إلى الرأس، فخرجت من المِنخَرَيْنِ، فعطس عند ذلك لخروجها من مِنخَرَيْهِ، فقال: الحمد لله. فكان أول كلامه، فرد ربُّه عز وجل: يرحمك الله، لهذا خلقتك، تُسَبِّح بحمدي، وتُقَدِّس لي. فسبقت رحمتُه لآدم عليه السلام. ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها﴾ ثُمّ إن اللَّه تبارك وتعالى حشر الطير، والدوابَّ، وهوام الأرض كلها، فعلم آدم عليه السلام أسماءَها، فقال: يا آدم، هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار. حتى سَمّى له كلَّ دابة، وكل طير باسمه، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَةِ﴾ ثُمَّ عرض أهل تلك الأسماء على الملائكة الذين هم في الأرض، ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ يعني: أخبِروني ﴿بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ يعني: دواب الأرض كلها، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بأنِّي جاعلٌ في الأرض مَن يُفسِد فيها ويَسْفِك الدماء. ﴿قالُوا﴾ قالت الملائكة: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾. قال الله عز وجل لهم: كيف تَدَّعُون العلمَ فيما لَمْ يُخْلق بعدُ، ولَم تَرَوْه، وأنتم لا تعلمون مَن تَرَوْن. قال الله عز وجل لآدم: يا آدم، ﴿أنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾. يقول: أخبر الملائكة بأسماء دواب الأرض والطير كلها. ففعل، قال الله عز وجل: ﴿فَلَمّا أنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ﴾ ما يكون في ﴿السَّماواتِ والأَرْضِ وأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ يعني: ما أظهرت الملائكةُ لإبليس من السمع والطاعة للرَّبِّ، ﴿و﴾ أعلم ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: إبليس وحده؛ ما كان أسَرَّ إبليسُ في نفسه من المعصية لله عز وجل في السجود لآدم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وذلك أنّ الله عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس -وهُوَ آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سكان السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا مِن أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفُوا من العبادة فِي الأرض ما كُلِّفُوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إليَّ. فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكةِ أعمالًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٦-٩٧.]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ يقول: أتجعل في الأرض ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ يعني: من يعمل فيها بالمعاصي، ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ بغير حقٍّ، كفِعْلِ الجِنِّ