قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ مِن اليهود؛ منهم حُييّ بن أخطَب، وجدي، وأبو ياسر، ومالك بن الضيف، وأهل قُرَيظة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ لئن أخرجكم محمدٌ مِن المدينة كما أخرج أهل النَّضِير ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ولا نُطِيعُ فِيكُمْ أحَدًا﴾ يقول: لا نُطيع في خُذلانكم أحدًا ﴿أبَدًا﴾ يعني بأحد: النبيَّ ﷺ وحده، ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ يعني: لَنُقاتِلنّ معكم، فكذّبهم الله تعالى فقال: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ كما أُخرج أهل النَّضِير من المدينة ﴿لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولَئِنْ قُوتِلُوا﴾ يعني: لَئِن قاتَلهم المسلمون ﴿لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ يعني: لا [يعاونونهم]، يقول الله تعالى: ﴿ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ يعني: ولئن عاوَنوهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فغرّهم المنافقون، فلزموا الحِصن، حتى قُتلوا وأُسروا، فنَزلوا على حُكم سعد بن معاذ، فحَكم فيهم أن تُقتَل مُقاتِلهم، وتُسبى ذراريهم، فقُتل منهم أربعمائة وخمسين رجلًا، وسبى سبعمائة وخمسين رجلًا، فذلك قوله في الأحزاب [٢٦]: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: المُقاتِلة الأربعمائة وخمسين، ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يعني: السبعمائة وخمسين
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يقول الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ يا محمد ﴿جَمِيعًا﴾ المنافقين واليهود، ﴿وقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ يعني: مُتفرقة مُختلفة؛ ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ عن الله فيوحّدونه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قبل أهل بدر، كان قبل ذلك بسنتين، فذلك قوله: ﴿قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ يعني: جزاء ذنبهم، ذاقوا القتْل ببدر، ﴿ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ وذلك أنه كان راهبًا في بني إسرائيل اسمه: برصيصا، وكان في صومعته أربعين عامًا يعبد الله، ولا يُكلّم أحدًا، ولا يُشرف على أحد، وكان لا يَكِلُّ مِن ذِكر الله عز وجل، وكان الشيطان لا يَقدِر عليه مع ذِكره لله تعالى، فقال الشيطان لإبليس: قد غلبني برصيصا، ولستُ أقدِر عليه. فقال إبليس: اذهب، فانصب له ما نصبتَ لأبيه من قبل. وكانت جارية ثلاثة من بني إسرائيل، عظيمة الشرف، جميلة، من أهل بيت صدق، ولها إخوة، فجاء الشيطان إليها، فدخل في جوفها، فخَنقها حتى أزبدت، فالتمس إخوتُها لها الأطباء، وضربوا لها ظهرًا وبطنًا ويمينًا وشمالًا، فأتاهم الشيطان في منامهم، فقال: عليكم ببرصيصا الرّاهب، فليَدعُ لها؛ فإنه مستجاب الدعاء. فلما أصبحوا قال بعضهم لبعض: انطلِقوا بأُختنا إلى برصيصا الرّاهب، فليَدعُ لها، فإنّا نرجو البركة في دعائه، فانطلَقوا بها إليه، فقالوا: يا برصيصا، أشْرِف علينا، وكلِّمنا، فإنّا بنو فلان، وإنما جِئنا لباب حسنة وأجر. فأشرفَ، فكلّمهم، وكلّموه، فلما ردّ عليها وجد الشيطانُ خللًا، فدخل في جوفه، ووسوس إليه، فقال: يا برصيصا، هذا باب حسنة وأجر، تدعو اللهَ لها فيَشفيها. فأمرهم أن يُدخلوها الخربة، وينطلقوا هم، فأدخَلوها الخربة، ومضَوا، وكان برصيصا لا يُتّهم في بني إسرائيل، فقال له الشيطان: يا برصيصا، انزِل، فضع يدك على بطنها وناصيتها، وادعُ لها. فما زال به حتى أنزله من صَومَعته، فلما نزل خرج منه، فدخل في جوف الجارية، فاضطربتْ، وانكشفت، فلمّا رأى ذلك، ولم يكن له عهدٌ بالنساء وقع بها، قال الشيطان: يا برصيصا، يا أعبَدَ بني إسرائيل، ما صنعتَ؟! الزّنا بعد العبادة، يا برصيصا! إنّ هذه تُخبر إخوتها بما أتيتَ لها، فتُفتضح في بني إسرائيل، فاعمد إليها، فاقتلها، وادفنها في التُّراب، ثم اصعد إلى صومعتك، وتُبْ إلى الله، وتعبَّدْ، فإذا جاء إخوتها، فسألوا عنها، فأخبِرهم أنّك دعوتَ لها، وأنّ الجني طار عنها، وأنهم طاروا بها، فمَن هذا الذي يَتّهمك في بني إسرائيل، فقتَلها، ودفنَها في الخَربة، فلما جاء إخوتها قالوا: أين أُختنا؟ فقال: أُختكم طارتْ بها الجنُّ. فرجعوا وهم لا يتّهمونه، فأتاهم الشيطان في المنام، فقال: إنّ برصيصا قد فضَح أُختكم. فلما أصبحوا جعل كلُّ واحد منهم يُكلّم صاحبه بما رأى، فتكلّم بما رأى. فقال الآخر: لقد رأيتُ مثل ما رأيتَ. فقال الثالث مثل ذلك، فلم يرفعوا بذلك رأسًا حتى رَأوا ثلاث ليال، فانطلَقوا إلى برصيصا، فقالوا: أين أُختنا؟ فقال: لا أدري، طارتْ بها الجن. فدخلوا الخَربة، فإذا هم بالتُّراب ناتئ في الخَربة، فضربوه بأرجلهم، فإذا هم بأُختهم، فأتَوه، فقالوا: يا عدوّ الله، قتلتَ أُختنا. فانطلقوا إلى الملِك، فأخبِروه، فبَعث إليه، فاستنزَله من صَومَعته، ونَحتوا له خشبة، فأوثَقوه عليها، فأتاه الشيطان، فقال: أتعرفني، يا برصيصا؟ قال: لا. قال: أنا الذي أنزَلتُك هذه المنزلة، فإن فعلتَ ما آمرُك به استنقذتُك مما أنتَ فيه، وأطلعتُك إلى صَومَعتك. قال: وبماذا؟ قال: أتَمَثَّلُ لك في صورتي، فتسجد لي سجدةً واحدةً، وأُنجِيك مما هنا؟ قال: نعم. فتَمثّل له الشيطان في صورته، فسجد له، وكفر بالله، فانطلَق الشيطان، وتركه، وقُتل برصيصا، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ ﴿قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثم حذّر المؤمنين ولاية اليهود، فقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ يعني: ولتعلم نفس ﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني: ما عمِلت لغد، يعني: ليوم القيامة، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ يحذّرهم ولاية اليهود؛ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر، ومن معاونة اليهود