محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٨ من سورة الحشر في ٩٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٦ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٨ من سورة الحشر

٩٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ﴾ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ووحدوه، اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.
وقوله :﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدّمَتْ لِغَدٍ﴾يقول : ولينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال، أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي توبقه ؟. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿اتّقُوا اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدّمَتْ لِغَدٍ﴾ : ما زال ربكم يقرّب الساعة حتى جعلها كغد، وغدٌ يوم القيامة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ما قَدّمتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿ما قَدّمتْ لِغَد﴾ يعني يوم القيامة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، وقرأ قول الله عزّ وجلّ :﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدّمَتْ لِغَدٍ﴾يعني يوم القيامة الخير والشرّ قال : والأمس في الدنيا، وغدٌ في الآخرة، وقرأ :﴿كأنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ﴾ قال : كأن لم تكن في الدنيا.
وقوله :﴿وَاتّقُوا الله﴾يقول : وخافوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه ﴿إنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ يقول : إن الله ذو خبرة وعلم بأعمالكم خيرها وشرّها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
يقول تعالى ذكره: فكان عُقبى أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه، فكفر بالله أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبدًا، (وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) يقول: وذلك ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة، وكلُّ كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به أنهم في النار مخلَّدون.
واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا) فقال بعض نحوِّيي البصرة: نصب على الحال، وفي النار الخبر؛ قال: ولو كان في الكلام
لكان الرفع أجود في "خالدين" قال: وليس قولهم: إذا جئت مرّتين (١) فهو نصب لشيء، إنما فيها توكيد جئت بها أو لم تجيء بها فهو سواء، إلا أن العرب كثيرًا ما تجعله حالا إذا كان فيها للتوكيد وما أشبهه في غير مكان؛ قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) وقال بعض نحويي الكوفة: في قراءة عبد الله بن مسعود (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَانِ فِيهَا) ؛ قال: وفي أنهما في النار خالدين فيها نصب؛ قال: ولا أشتهي الرفع وإن كان يجوز، فإذا رأيت الفعل بين صفتين قد عادت إحداهما على موضع الأخرى نصبت، فهذا من ذلك؛ قال: ومثله في الكلام قولك: مررت برجل على نابِه متحملا به؛ ومثله قول الشاعر:
والزعفران على ترائبها شرقا به اللَّبَّات والنَّحْر (٢)
لأن الترائب هي اللبات، ها هنا، فعادت الصفة باسمها الذي وقعت عليه، فإذا اختلفت الصفتان جاز الرفع والنصب على حُسْن، من ذلك قولك: عبد الله في الدار راغب فيك، ألا ترى أن "في" التي في الدار مخالفة لفي التي تكون في الرغبة؛ قال: والحجة ما يُعرف به النصب من الرفع أن لا ترى الصفة الآخرة تتقدم قبل الأولى، ألا ترى أنك تقول: هذا أخوك في يده درهم قابضًا عليه، فلو قلت: هذا أخوك قابضًا عليه في يده درهم لم يجز، إلا ترى أنك تقول: هذا رجل قائم إلى زيد في يده درهم، فهذا يدل على أن المنصوب إذا
(١) تحرر هذه العبارة فإن فيها من التحريف والتصحيف ما لا يخفى.
(٢) البيت في (اللسان: ترب) غير منسوب. والرواية فيه "شرق" بالرفع. والمؤلف أورده منصوبًا، وأعربه حالا، والزعفران: مما يستعمله العرب في الطيب وزينة النساء. والترائب: موضع القلادة من الصدر. واللباب: جمع لبة، وهي موضع النحر. والثغرة ثغرة النحر، وهي الهزمة بين الترقوتين. وقال: "والزعفران... البيت". والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣٣٠) قال عند قوله تعالى: "فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها": وهي في قراءة عبد الله بن مسعود "خالدان في النار"، وفي قراءتنا "خالدين فيها" نصب، ولا أشتهى الرفع وإن كان يجوز، وقد نقل المؤلف كلام الفراء كله في توضيح المسألة، على مذهب أهل الكوفة، فنكتفي بهذه الإشارة هنا.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ قَالَ:
كَانَتْ امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ، قَالَ فَنَزَلَ الرَّاهِبُ فَفَجَرَ بِهَا فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصَدَّقٌ يُسْمَعُ قَوْلُكَ، فَقَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا قَالَ فَأَتَى الشَّيْطَانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فَجَرَ بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا.
قَالَ فَقَصَّهَا فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذلك، فقالوا: فو الله مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ قَالَ فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ، قَالَ فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلِكَهُمْ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَأُخِذَ فَقُتِلَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ، وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الناس أن هذا العابد هو برصيصا فالله أَعْلَمُ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيْجٍ الْعَابِدِ فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أن حملها منه ورفعت أمرها إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ مِنْ صومعته وخربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مَا لَكُمْ مَا لَكُمْ؟ قالوا يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ جُرَيْجٌ اصْبِرُوا ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا، ثُمَّ قَالَ يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ. قَالَ أَبِي الرَّاعِي وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ.
وَقَوْلُهُ تعالى: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها أي فكان عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له ومصيرهما إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ أي جزاء كل ظالم.

[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١٨ الى ٢٠]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ- إِلَى آخِرِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النِّسَاءِ: ١] وَقَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ
لِغَدٍ
تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ- حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» «١» انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ مِنْ حديث شعبة بإسناده مِثْلِهِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أمر بتقواه وهو يشمل فِعْلَ مَا بِهِ أُمِرَ وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زُجِرَ.
وقوله تعالى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ أَيْ حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَانْظُرُوا مَاذَا ادَّخَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَوْمِ مَعَادِكُمْ وَعَرْضِكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ تَأْكِيدٌ ثَانٍ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أَيِ اعْلَمُوا أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ منكم خافية ولا يغيب من أموركم جليل ولا حقير وقوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أي لا تنسوا ذكر الله تعالى: فَيُنْسِيَكُمُ الْعَمَلَ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِكُمُ الَّتِي تَنْفَعُكُمْ فِي مَعَادِكُمْ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أَيِ الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْهَالِكُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْخَاسِرُونَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [الْمُنَافِقُونَ: ٩].
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حدثنا الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ نَمْحَةَ قَالَ: كَانَ فِي خُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْضِيَ الْأَجَلَ وَهُوَ فِي عَمَلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَفْعَلْ، وَلَنْ تَنَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِنَّ قَوْمًا جَعَلُوا آجَالَهُمْ لغيرهم فنهاكم الله عز وجل أن تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَيْنَ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ؟ قَدِمُوا عَلَى مَا قَدِمُوا فِي أَيَّامِ سَلَفِهِمْ وخلوا بالشقوة والسعادة، وأين الْجَبَّارُونَ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحَوَائِطِ؟ قَدْ صَارُوا تَحْتَ الصَّخْرِ وَالْآبَارِ، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ فَاسْتَضِيئُوا مِنْهُ لِيَوْمِ ظلمة، واستنصحوا بكتابه وتبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٠] لَا خَيْرَ فِي قَوْلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَلَا خَيْرَ فِي مَالٍ لَا يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَغْلِبُ جَهْلُهُ حِلْمَهُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَخَافُ فِي اللَّهِ لومة
(١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٧٠، وأحمد في المسند ٤/ ٣٥٨، ٣٦١.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٨-٢١ } ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا، أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد.
وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٨-٢١} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا، أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد.
وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة.
والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا، لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون.
ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم (١) ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه وحثهم عليه، ولو كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على -[٨٥٤]- النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف (٢) لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد.
ثم أخبر تعالى أنه يضرب للناس الأمثال، ويوضح لعباده في كتابه الحلال والحرام، لأجل أن يتفكروا في آياته ويتدبروها، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه.
(١) في ب: وأمر عباده ونهاهم.
(٢) كذا في ب، وفي أ: وأقلها تكلفا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَلْتَنظُرْ
وَلْتَتَدَبَّرْ.

إعراب الآية ١٨ من سورة الحشر

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٨]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ والأصل ولتنظر حذفت الكسرة لثقلها واتصالها بالواو أي لتنظر نفس ما قدّمت ليوم القيامة من حسن ينجيها أو قبيح يوبقها. والأصل في غد غدو وربما جاء على أصله ثم كرّر توكيدا فقال جلّ وعزّ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٩]

وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)
يكون نسي بمعنى ترك أي تركوا طاعة الله جلّ وعزّ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ قال سفيان:
أي فأنساهم حظّ أنفسهم. ومن حسن ما قيل فيه أنّ المعنى أنّ الله لما عذّبهم شغلهم عن الفكرة في أهل دينهم أو في خواصهم، كما قال فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤].
أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون عن طاعة الله جلّ وعزّ.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٠]

لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
لا يَسْتَوِي أي لا يعتدل. أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ وفي حرف ابن مسعود ولا أصحاب الجنّة تكون «لا» زائدة للتوكيد. أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ أي الذين ظفروا بما طلبوا.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢١]

لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)
مُتَصَدِّعاً نصب على الحال أي فزعا لتعظيمه القرآن. مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ودلّ بهذا على أنه يجب أن يكون من معه القرآن خائفا حذرا معظّما له منزها عمن يخالفه.
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ أي يعرفهم بهذا. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فينقادون إلى الحق.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٢]

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
هُوَ مبتدأ، ومن العرب من يسكّن الواو فمن أسكنها حذفها هاهنا لالتقاء الساكنين، اسم الله جلّ وعزّ خبر الابتداء، الَّذِي من نعته. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في الصلة أي الذي لا تصلح الألوهة إلّا له لأن كل شيء له هو خالقه فالألوهة له وحده عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ نعت، ولو كان بالألف واللام في الأول لكان الثاني منصوبا، وجاز الخفض هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ والرحمة من الله جلّ وعزّ التفضل والإحسان إلى من يرحمه.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٦ أقوال
١
عن جرير، قال: كنتُ جالسًا عند رسول الله ﷺ، فأتاه قومٌ مُجتابي النِّمار، مُتقلّدي السيوف، ليس عليهم أُزُرٌ ولا شيء غيرها، عامّتهم مِن مُضر، فلما رأى النبيُّ ﷺ الذي بهم من الجَهد والعُري والجوع، تغيّر وجهُ رسول الله ﷺ، ثم قام، فدخَل بيته، ثم راح إلى المسجد، فصلّى الظهر، ثم صعد منبره، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد -ذلكم- فإنّ الله أنزل في كتابه: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأَصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾، تَصدّقوا قبل أن لا تَصدّقوا، تَصدّقوا قبل أن يُحال بينكم وبين الصّدقة، تَصدّق امرؤٌ من ديناره، تَصدق امرؤٌ مِن دِرهمه، من بُرّه، من تمره، من شعيره، لا يحقرنّ شيءٌ مِن الصّدقة، ولو بشقِّ تمرة». فقام رجل من الأنصار بِصُرّة في كفّه، فناولها رسولُ الله ﷺ وهو على منبره، فعُرف السرور في وجهه، فقال: «مَن سنَّ في الإسلام سُنّةً حسنة، فعُمل بها، كان له أجْرها ومِثل أجر مَن عمل بها، لا يَنقُص من أجورهم شيئًا، ومَن سنّ سنّة سيئة، فعُمل بها، كان عليه وِزرها ومِثل وِزر مَن عُمل بها، لا يَنقُص من أوزارهم شيئًا». فقام الناس، فتفرّقوا؛ فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي طعام، ومن ذي، ومن ذي، فاجتمع، فقَسمه بينهم١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٧٠٤ (١٠١٧) دون قوله: فقام الناس فتفرقوا... إلخ، وقد أخرجها البيهقي في الشعب ٥‏/‏٢٧-٢٨ (٣٠٤٩).
٢
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: يعني: يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٤٧.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، قال: يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: ما زال ربّكم يُقرّب الساعة، حتى جعلها كغد، وغد يوم القيامة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٤٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٨/٢٧٣) قول قتادة، ثم علّق عليه قائلًا: «لأنها آتية لا محالة، وكلّ آت قريب». ثم قال: «ويحتمل أن يريد تعالى بقوله: ﴿لغد﴾ ليوم الموت؛ لأنه لكل إنسان كغد».
٥
قال مقاتل بن سليمان: ثم حذّر المؤمنين ولاية اليهود، فقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ يعني: ولتعلم نفس ﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني: ما عمِلت لغد، يعني: ليوم القيامة، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ يحذّرهم ولاية اليهود؛ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر، ومن معاونة اليهود١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٨٤.
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- وقرأ قول الله عز وجل: ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني: يوم القيامة الخير والشر. قال: والأمس في الدنيا، وغد في الآخرة. وقرأ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، قال: كأن لم تكن في الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٤٧.
التفسير بالمأثور لسورة الحشر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٨ من سورة الحشر

٢٦ وقفةً في هذه الآية

  • كنت أمس تقول عن يومك هذا"غدا"،وستقول عنه غدا كنت أمس،فأين فعل أمسك،وماذا فعلت اليوم،وهل ستثق في فعل غد؟(ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله).

    — سعود الشريم

  • ( ولتنظُر نفسٌ ما قدمت لِغد ... ) دقائق تراجع النفس فيها حساباتها ، ربما تجد أن الإفلاس في بضاعتها !!

    — عايض المطيري

  • (ولتنظر نفس ما قدمت لغد!) هب أنك مت اليوم ماذا قدمت لغد؟

    — وليد العاصمي

  • ﴿ ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغد ﴾ هذه الآية أصل في محاسبة العبد نفسه ، وأنه ينبغي له أن يتفقدها ، فإن رأى زللاً تداركه . ابن_سعدي

    — رمزي أحمد ناصر

  • "ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغد" قلّب تغريداتك في حسابك الشخصي، كيف تحب أن تتركه بعد الموت.؟ اللهم اجعله شاهدا لنا لا علينا.

    — فوائد القرآن

  • ﴿ ولتنظر نفسٌ ما قدّمَت لِغَد ﴾ ما أقربه ! وكأننا ننظر إليه أمام أعيننا فماذا أعددنا ؟

    — روائع القرآن

  • النظر في سالف الأعمال وسيلة إلى الشكر على ما حسن منها، وإلى الاستغفار والتوبة مما قبح منها.

    — العز بن عبدالسلام

  • قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد}

    — محاسن التاويل

  • حكم قرآنية سورة الحشر آية 18

    — عمرو خالد

  • ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) ما لها وما عليها ( واتقوا الله ) في أعمالكم الصالحة ( إن الله خبير بما تعملون )

    — سلمان السنيدي

  • ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ هذه الآية أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها .

    — تفسير السعدي

  • ﴿ ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغد ﴾ هذه الآية أصل في محاسبة العبد نفسه ، وأنه ينبغي له أن يتفقدها ، فإن رأى زللاً تداركه .

    — تفسير السعدي

و١٤ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٨ من سورة الحشر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(18) O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال