قال مقاتل بن سليمان: فقال: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ يعني: يوم القضاء -وهو يوم القيامة- بين الخلائق ﴿كانَ مِيقاتًا﴾ يعني: كان ميقات الكافر، وذلك أنهم كانوا يقولون: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك:٢٥]؛ فأَنزل الله عز وجل يُخبرهم بأنّ ميقات ذلك اليوم كائن يوم الفصل، يا معشر الكفار، فتُجازون ما وعدكم على ألسنة الرُّسُل
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبرهم أيضًا، فقال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾، وذلك أنّ إسرافيل عليه السلام يَنفخ فيها، فيقول: أيّتها العظام البالية، وأيّتها العروق المُتقطّعة، وأيّتها اللحوم المُتمزّقة، وأيّتها الأشعار الساقطة، اجتمعنَّ لِنَنفخَ فيكم أرواحَكم، ونجازيكم بأعمالكم. ويُديم المَلَك الصوت، فتجتمع الأرواح كلّها في القَرْن، والقَرْن طوله طول السموات والأرض، فتَخرج أرواحهم مثل النّحل؛ سُود وبِيض، شقي وسعيد، أرواح المؤمنين بِيض كأمثال النّحل مِن السماء إلى وادٍ بدمشق يقال له: الجابية، وتَخرج أرواح الكفار مِن الأرض السُّفلى سُود إلى وادٍ بحضرموت يُقال له: بَرَهُوت، وكلّ روح أعرَف بجسد صاحبه مِن أحدكم إلى منزله ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾، ثم ينزل إسرافيل من فوق السماء السابعة، فيَجلس على صخرة بيت المقدس، فيَأخذ أرواح الكفار والمؤمنين ويَجعلهم في القَرْن، ودائرة القَرْن مسيرة خمسمائة عام، ثم يَنفخ في القَرْن، فتَطير الأرواح حتى تطبق ما بين السماء والأرض، فتَذهب كلّ روح، فتقع في جسد صاحبها، فيَخرج الناس من قبورهم فوجًا فوجًا، فذلك قوله: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ يعني: زمرًا زمرًا، وفِرقًا فِرقًا، وأممًا أممًا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ يعني: وفُرجت السماء، يعني: وفُتِقت السماء فتَقطّعتْ، ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ يعني: خللًا خللًا، فشبّهها الله بالغيم إذا انكشف بعد المطر، ثم تَهيج به الريح الشمال الباردة، فينقطع، فيصير كالأبواب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ يعني: وانقلعت الجبال مِن أماكنها، فطارتْ بين السماء والأرض مِن خشية الله، فضَرب الله لها مثلًا، فقال: ﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ يعني: مثل السّراب الذي يكون بالقاع، يحسبه الظمآن ماء، فإذا أتاه لم يجده شيئًا، فذلك قوله: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل:٨٨] يعني: مِن بعيد يَحسبها جبلًا قائمًا، فإذا انتهى إليه ومسّه لم يجده شيئًا، فتصير الجبالُ أول مرة كالمُهل، ثم تصير الثانية كالعِهن المنفوش، ثم تَذهب فتصير لا شيء، فتراها تحسبها جبالًا، فإذا مسَستها لم تجدها شيئًا، فذلك قوله: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ يعني: انقطعت الجبال مِن خشية الله عز وجل يوم القيامة، ﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ فما حالك، يا ابن آدم؟!
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لابِثِينَ فِيها﴾ يعني: في جهنم ﴿أحْقابًا﴾ يعني: في جهنم أحقابًا، وهي سبعة عشر حُقُبًا، يعني: الأزمنة والأحقاب لا يَدري عددها، ولا يَعلم منتهاها إلا الله عز وجل، الحُقُب الواحد ثمانون سنة، السنة فيها ثلاثمائة وستون يومًا، كلّ يوم فيها مِقدار ألف سنة، وكان هذا بمكة
قال مقاتل بن سليمان: وأنزل الله عز وجل: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها﴾ في تلك الأحقاب ﴿بَرْدًا﴾ يعني: بَرد الكافور، ﴿ولا شَرابًا﴾ يعني: الخمر كفعل أهل الجنة، ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ في جهنم ﴿بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ يعني: لا يذوقون فيها روحًا طيبًا، ولا شرابًا باردًا يَنفعهم مِن هذه النار
قال مقاتل بن سليمان: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ كما أنه ليس في الأعمال أخبث مِن الشّرك بالله عز وجل، وكذلك ليس مِن العذاب شيء أخبث من النار، فوافقت النارُ الشّركَ