قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ وكذلك كان اسمها عند الله عز وجل، ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها﴾ يعني: عيسى ﴿مِنَ الشيطان الرجيم﴾ يعني: الملعون، فاستجاب الله لها، فلم يقربها ولا ذُرِّيَّتَها شيطانٌ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فتقبّلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا﴾، يقول: ربّاها تربية حسنة في عبادةٍ وطاعةٍ لربها، فبنى لها زكريا محرابًا في بيت المقدس، وجعل بابه وسطه، لا يصعد إليه أحد إلا بسُلَّم، واستأجر لها ظِئْرًا تُرْضِعها حتى تحرَّكت، فكان يُغْلِق عليها البابَ، ومعه المفتاح، لا يَأْمَنُ عليها أحدًا، يأتيها بطعامها ومصالحها، وكانت إذا حاضَتْ أخرجها إلى منزله، فتكون مع أختها أيليشفع بنت عمران... أمّ يحيى، فإذا طَهَرت ردَّها إلى محراب بيت المقدس، وكان زكريا يرى عندها العِنَب في الشتاء الشديد البرد، فيأتيها به جبريل عليه السلام من السماء
قال مقاتل بن سليمان:... وخشِيَتْ حنَّةُ ألّا تُقْبَل الأنثى مُحَرَّرَةً، فلَفَّتها في خِرَقٍ، ووضعتها في بيت المقدس عند المحراب، حيث يدرس القُرّاء، فتساهم القومُ عليها -لأنها بنت إمامهم وسيِّدهم، وهم الأحبار من ولد هارون- أيُّهم يأخذها. قال زكريا -وهو رئيس الأحبار-: أنا آخذها، أنا أحقّكم بها؛ لأنّ أختها أم يحيى عندي. فقال القُرّاء: وإن كان في القوم مَن هو أقرب إليها منك؟ فلو تُرِكَت لأحقِّ الناس بها لَتُرِكَت لأمها، ولكنَّها محرَّرة، ولكن هَلُمَّ نَتَساهَم عليها، مَن خرج سهمُه فهو أحقُّ بها. فاقْتَرَعوا، فقال الله عز وجل لمحمّد ﷺ: ﴿وما كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ يعني: عندهم فتشهدهم، ﴿إذْ يُلْقُون أقْلامَهُمْ﴾ حين اقترعوا ثلاث مرّات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي أيُّهم يكفلها؟ أيُّهم يضمُّها؟ فقرعهم زكريا، فقبضها. ثُمَّ قال الله عز وجل لمحمّد ﷺ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران:٤٤] في مريم، فذلك قوله: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾
قال مقاتل بن سليمان: فطمع عند ذلك زكريا في الولد، فقال: إن الذي يأتي مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لَقادِرٌ أن يُصْلِح لي زوجتي، ويهب لي منها ولدًا. فذلك قوله: ﴿هنالك﴾ يعني: عند ذلك ﴿دعا زكريّا ربه قال رب هب لي من لدنك﴾ يعني: مِن عندك ﴿ذرية طيبة﴾ تقيًّا زكيًّا، كقوله: ﴿واجعله ربّ رضيّا﴾ [مريم:٦]، ﴿إنك سميع الدعاء﴾. فاستجاب الله عز وجل، وكانا قد دَخَلا في السِّنِّ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب﴾، فبينما هو يُصَلِّي في المحراب، حيث يذْبَح القربان، إذا برجل عليه بياض حِيالَه، وهو جبريل عليه السلام، فقال: ﴿إن الله يُبَشّرك بيحيى﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٧٤.]][[c=١١٨٠]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مُصدِّقًا بكلمة من الله﴾، يعني: مِن الله عز وجل، وكان يحيى أوَّلَ مَن صدَّق بعيسى عليهما السلام، وهو ابن ثلاث سنين، قوله الأوَّل وهو ابن سِتَّة أشهر، فلَمّا شهِد يحيى أنّ عيسى مِن الله عز وجل عجِبت بنو إسرائيل لصغره، فلَمّا سَمِع زكريا شهادته قام إلى عيسى، فضَمَّه إليه، وهو في خِرْقَةٍ، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، يحيى وعيسى ابنا خالة