قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ أخْبَر بمُسْتَقَرِّ مَن تَرَك الهُدى، فقال: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ برسلي ﴿وكَذَّبُوا [بآياتنا]﴾ القرآن ﴿أُولئِكَ أصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لا يموتون
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: أجدادهم، فكانت النعمة حين أنجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، وحين فَرَق البحرَ لهم، وحين أنزل عليهم المَنَّ والسَّلْوى، وحين ظَلَّل عليهم الغمام بالنهار من حَرِّ الشمس، وجَعَل لهم عمودًا من نور يضيء لهم بالليل إذا لَمْ يَكُن ضوءُ القمر، وفَجَّر لهم اثني عشر عينًا من الحَجَر، وأعطاهم التوراة فيها بيان كُلّ شيء، فدلَّهم على صُنْعِه ليُوَحِّدُوه عز وجل
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يعني: اليهود، وذلك أن الله عز وجل عهد إليهم فِي التوراة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا بمحمد ﷺ وبالنبيين والكتاب، فأخبر اللَّه عز وجل عنهم فِي المائدة، فقال: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ بمحمد ﷺ، ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ يعني: ونصرتموهم، ﴿وأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة:١٢]، فهذا الذي قال اللَّه: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي عهدت إليكم في التوراة، فإذا فعلتم ذلك ﴿أُوفِ﴾ لكم ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾، يعني: المغفرة والجنة، فعاهدهم إن أوْفوا له بما قال المغفرةَ والجنةَ، فكفروا بمحمد ﷺ، وبعيسى عليه السلام، فذلك قوله سبحانه: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ولَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾، فهذا وفاء الرب عز وجل لهم
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا﴾، نَزَلَتْ في كعب بن الأشرف وأصحابه رؤوس اليهود، يقول: صَدِّقُوا بما أنزلتُ من القرآن على محمد ﴿مصدقا لما معكم﴾، يقول: محمد تصديقه معكم أنه نبي رسول
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ يعني: محمدًا. فتتابع اليهود كلها على كُفْرٍ به، فلما كفروا تتابعت اليهود كلها: أهل خيبر، وأهل فَدَك، وأهل قُرَيْظة، وغيرهم على الكفر بمحمد ﷺ. ثم قال لرؤوس اليهود: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾، وذلك أنّ رؤوس اليهود كتموا أمر محمد ﷺ في التوراة، وكتموا أمره عن سَفِلة اليهود، وكانت للرؤساء منهم مَأْكَلَةٌ في كل عام من زَرْعِهم وثِمارِهم، ولو تابعوا محمدًا ﷺ لَحُبِسَت تلك المَأْكَلَةُ عنهم، فقال الله لهم: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾، يعني: بكتمان بَعْثِ محمد ﷺ عَرَضًا قليلًا من الدنيا مما تصيبون من سَفِلة اليهود، ثم يخوفهم ﴿وإياي فاتقون﴾ في محمد؛ فمَن كَذَّب به فله النار
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال لليهود: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾، وذلك أنّ اليهود يُقِرُّون ببعض أمر محمد، ويكتمون بعضًا؛ ليُصَدَّقوا في ذلك، فقال الله عز وجل: ولا تخلطوا الحق بالباطل. نظيرها في آل عمران، والأنعام: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [٨٢]، يعني: ولم يَخْلِطوا بشِرْكٍ