قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ يقول: أقْبِلُوا على أنفسكم، فانظروا ما ينفعكم فِي أمر آخرتكم، فاعملوا به، ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ﴾ من أهل هجر، نزلت فِي رجل من أصحاب النبي ﷺ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى﴾ الله عز وجل ﴿مَرْجِعُكُمْ فِي الآخرة جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ نزلت في بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، كان خرج مسافرًا في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان، أحدهما يسمى: تميم بن أوس الداري وكان من لخم، وعدي بن [بَدّاء]، فمات بديل وهم في البحر، فرمي به في البحر، قال: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ وذلك أنه كتب وصيته ثم جعلها في متاعه، ثم دفعه إلى تميم وصاحبه، وقال لهما: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي. فجاءا ببعض المتاع، وحبسا جامًا من فضة مُمَوَّهًا بالذهب؛ فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ يقول: عند الوصية يشهدون وصيته ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ من المسلمين في دينهما، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ يعني: من غير أهل دينكم؛ النصرانيين تميم الداري، وعدي بن [بَدّاء]، ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يا معشر المسلمين للتجارة، ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ يعني: بديل ابن أبي مارية حين انطلق تاجرًا في البحر، وانطلق معه تميم وعدي صاحباه، فحضره الموت، فكتب وصيته، ثم جعلها في المتاع، فقال: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي. فلما مات بديل قبضا المتاع، فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مُمَوَّه بالذهب، فلمّا رجعا من تجارتهما دفعا بقية المال إلى ورثته، ففقدوا بعض متاعه، فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيه تامًّا لم يبع منه ولم يهب، فكلموا تميمًا وصاحبه، فسألوهما: هل باع صاحبنا شيئًا؟ أو اشترى شيئًا فخسر فيه؟ أو طال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقالا: لا. قالوا: فإنّا قد فقدنا بعض ما أبدى به صاحبُنا. فقالا: ما لنا بما أبدى، ولا بما كان في وصيته علم، ولكنه دفع إلينا هذا المال فبلغناكم إياه. فرفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ؛ فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآيات، فحلَّفهما النبي ﷺ عند المنبر بعد صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا شيئًا من المال، فخلّى سبيلهما، فلما كان بعد ذلك وجدوا الإناء الذي فقدوه عند تميم الداري، قالوا: هذا من آنية صاحبنا الذي كان أبدى بها، وقد زعمتما أنه لم يبِع، ولم يشترِ، ولم ينفق على نفسه. فقالا: قد كُنّا اشتريناه منه، فنسينا أن نخبركم به. فرفعوهما إلى النبي ﷺ الثانية، فقالوا: يا رسول الله، إنا وجدنا مع هذين إناء من فضة من متاع صاحبنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ﴾ من أولياء الميت، يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ يعني: مقام النصرانيين ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ يعني: فيحلفان بالله في دُبُر صلاة العصر أنّ الذي في وصية صاحبنا حقٌّ، وأنّ المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأنّ هذا الإناء لَمِن متاع صاحبنا الذي خرج به معه، وكتبه فِي وصيته، وأنكما خنتما. فذلك قوله سبحانه: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب، ﴿أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فحلف عبد الله والمطلب كلاهما أنّ الذي في وصية الميت حقٌّ، وأنّ هذا الإناء من متاع صاحبنا. فأخذوا تميم بن أوس الداري وعدى بن [بَدّاء] النصرانيين بتمام ما وجدا في وصية الميت حين اطلع الله عز وجل على خيانتهما في الإناء، ... وأن تميم بن أوْس الداري اعترف بالخيانة، فقال له النبي ﷺ: «ويحك، يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان فِي شركك». فأسلم تميم الداري، وحسُن إسلامه، ومات عَدِيُّ بن [بَدّاء] نصرانيًّا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ معشر المسلمين ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ تجارًا، ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ يعني: بديل بن أبي مارية مولى العاص ابن وائل السهمي
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: إن شككتم -نظيرها في النساء القصرى- أنّ المال كان أكثر من هذا الذي أتيناكم به، ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ يقول: لا نشتري بأيماننا عَرَضًا من الدنيا