قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ وذلك أنه بلغهم أن العِير قد نجت، فأرادوا الرجوع إلى مكة، فأتاهم إبليس في صورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ الكِنانِيِّ من بني مُدْلِج بن الحارث، فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير، وعدوكم قليل؛ فتأمن عيرُكم، ويسير ضعيفكم، وإنِّي جارٌ لَكُمْ على بني كِنانة أنَّكم لا تَمُرُّون بِحَيٍّ منهم إلا أمَدَّكم بالخيل والسلاح والرجال. فأطاعوه، ومَضَوْا إلى بدر لِما أراد الله مِن هلاكهم، فلَمّا التَقَوْا نزلت ملائكة ببدر، مدد للمؤمنين، عليهم جبريل عليه السلام، ولَمّا رَأى إبليس ذلك نكَص على عَقِبَيْه. يقول: استأخر وراءه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ فئة المشركين ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾، يقول: استأخر وراءَه، وعلم أنه لا طاقة له بالملائكة، فأخذ الحارث بن هشام بيده، فقال: يا سراقة، على هذا الحال تخذلنا؟! وقال إبليس: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾. فقال الحارث: والله ما نرى إلا خفافيش يثرب. فقال إبليس: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾. وكذب عدو الله؛ ما كان به الخوف، ولكن خذلهم عند الشدة، فقال الحارث لإبليس -وهو في صورة سُراقة-: فهَلّا كان هذا أمس! فدفع إبليس في صدر الحارث، فوقع الحارث، وذهب إبليس هاربًا، فلَمّا انهزم المشركون قالوا: انهزم بالناس سراقة، وهو بعض الصف. فلما بلغ سُراقَةَ سار إلى مكة، فقال: بلغني أنكم تزعمون بأني انهزمت بالناس! فوالذي يُحْلَف به، ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم. قالوا له: ما أتيتنا يوم كذا وكذا، ويوم كذا وكذا؟! فحلف بالله لهم أنه لم يفعل، فلَمّا أسلموا علِمُوا أنَّما ذلك الشيطان
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، يعني: الكفر، نَزَلَتْ في قيس بن الفاكِه، ولم يَتَجَمَّعْ جَمْعٌ قط منذ يوم كانت الهزيمة أكثر من يوم بدر، وذلك أن إبليس جاء بنفسه، وجاء كل شيطانٍ مُوَكَّلٍ بالدنيا إلا شيطان مُوَكَّل بآدمي، وكفار الجن كلهم، وسبعمائة من المشركين عليهم أبو جهل بن هشام، وكان قبل ذلك في ألف رجل، فَرَدَّ منهم أُبَيُّ بن شَرِيقٍ ثلاثمائة من بني زُهْرَة، وذلك أن أُبَيَّ بن شَرِيقٍ خلا بأبي جهل، فقال: يا أبا الحَكَم، أكَذّاب محمد ﷺ؟ فقال: والله ما يكذب محمد ﷺ على الناس، فكيف يكذب على الله. وكان يُسَمّى قبل النبوة الأمين؛ لأنه لم يَكْذِب قط. فقال أبو جهل: ولكن إذا كانت السِّقايَة في بني عبد مناف والحجابة والمشورة والولاية، حتى النبوة أيضًا! فلما سَمِع أُبَيُّ بن شَرِيقٍ قول أبي جهل: إن محمدًا لم يكذب؛ رَدَّ أصحابه عن قتال محمد عليه السلام، فَخَنَسَ، فسُمّي الأَخْنَس بن شَرِيقٍ؛ لأنه خَنَسَ بثلاثمائة رجل من بني زُهْرَة يوم بدر عن قتال محمد عليه السلام، وبقي سبعمائة عليهم أبو جهل ابن هشام، والنبي ﷺ يومئذ فى ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، وسبعين من مؤمني الجن، وألف من الملائكة عليهم جبريل عليه السلام، فكان جبريل على خمسمائة على مَيْمَنَة الناس، وميكائيل على خمسمائة في مَيْسَرَة الناس، ولم تقاتل الملائكة قتالًا قط إلا يوم بدر، وكانوا يومئذ على صُوَر الرجال، وعلى قُوَّة الرجال، على خُيُول بُلْقٍ، وكان جبريل عليه السلام يسير أمام صف المسلمين، ويقول: أبشروا؛ فإنّ النصر لكم. وما يرى المسلمون إلا أنه رجل منهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، يعني: الكفرَ. نزلت في قيس بن الفاكِه بن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلف الجُمَحِيّ، وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية، كان هؤلاء المسلمون بمكة، ثم أقاموا بمكة مع المشركين فلم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر خرج هؤلاء النفر معهم، فلما عاينوا قِلَّة المؤمنين شَكُّوا في دينهم وارتابوا، فقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾. يعنون: أصحاب محمد ﷺ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ يعني: المؤمنين، يعني: يثق به في النصر ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يعني: منيع في ملكه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره حكم النصر. فلما قُتِل هؤلاء النَّفَرُ من المشركين ضربت الملائكةُ وجوهَهم وأدبارَهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْ تَرى﴾ يا محمد ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتوحيد الله ﴿المَلائِكَةُ﴾ يعني: ملك الموت وحده ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأَدْبارَهُمْ﴾ في الدنيا. ثم انقطع الكلام
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ من الكفر والتكذيب، ﴿وأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ يقول: ليس يُعَذِّبُهم على غير ذنب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يقول: كأشباه آل فرعون في التكذيب والجحود، ﴿و﴾كأشباه ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل فرعون وقومه من الأمم الخالية قوم نوح، وعاد، وثمود، وإبراهيم، وقوم شعيب، ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ يعني: بعذاب الله، بأنه ليس بنازل بهم في الدنيا، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: فأهلكهم الله ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ يعني: بالكفر والتكذيب، ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ في أمره حين عَذَّبَهم ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ إذا عاقب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب ﴿بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ مكة؛ أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، ثم بعث فيهم محمدًا رسولَه ﷺ، فهذه النعمة التي غيّروها، فلم يعرفوا رَبَّها، فغيّر الله ما بهم من النِّعَم؛ فذلك قوله: ﴿يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾