قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ يعني: في مسجد المنافقين، إلى الصلاة أبدًا. فكان النبيُّ ﷺ لا يُصَلِّي فيه، ولا يَمُرُّ عليه، ويأخذ غير ذلك الطريق، وكان قبل ذلك يُصَلِّي فيه
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿لَمَسْجِدٌ﴾ يعني: مسجد قباء، وهو أول مسجد بني بالمدينة ﴿أُسِّسَ﴾ يعني: بُنِي ﴿عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ يعني: أول مرة ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ إلى الصلاة؛ لأنّه كان بُنِي مِن قبل مسجد المنافقين
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ يعني: في مسجد قباء ﴿يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ مِن الأحداث والجنابة، ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ نزلت في الأنصار، فلمّا نزلت هذه الآية انطَلَق النبيُّ ﷺ حتى قام على بابِ مسجد قباء، وفيه المهاجرون والأنصار، فقال النبيُّ ﷺ لأهل المسجد: «أمُؤْمِنون أنتم؟». فسكتوا، فلم يُجِيبُوه، ثم قال ثانية: «أمُؤْمِنون أنتم؟». قال عمر بن الخطاب: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أتُؤْمِنُون بالقضاء؟». قال عمر: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أتَصْبِرُون على البلاء؟». قال عمر: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أتشكرون على الرِّخاء؟». فقال عمر: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أنتم مؤمنون، وربِّ الكعبة». وقال النبيُّ ﷺ للأنصار: «إنّ الله عز وجل قد أثنى عليكم في أمر الطهور؛ فماذا تصنعون؟». قالوا: نُمِرُّ الماءَ على أثَرِ البول والغائط. فقرأ النبيُّ ﷺ هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ أصل بنيانه ﴿عَلى شَفا جُرُفٍ﴾ يعني: على حَرْفٍ ليس له أصْلٌ ﴿هارٍ﴾ يعني: وقَع، ﴿فانْهارَ بِهِ﴾ فخَرَّ به القواعد ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ يقول: صار البناء إلى نار جهنم، ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فلمّا فرغ القومُ مِن بناء المسجد استأذنوا النبيَّ ﷺ في القيام في ذلك المسجد، وجاء أهلُ مسجد قباء، فقالوا: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ أن تأتي مسجدَنا، فتصلي فيه، حتى نقتدي بصلاتك. فمشى رسولُ الله ﷺ في نَفَرٍ مِن أصحابه وهو يريد مسجدَ قباء، فبلغ ذلك المنافقون، فخرجوا يَتَلَقَّوْنَه، فلمّا بلغ المنتصف نزل جبريل بهذه الآية: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ يعني: أهل مسجد قباء، ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ﴾ فلمّا قالها جُرِف نظرُ النبيِّ ﷺ إلى المسجد حتى تَهَوَّر في السابعة، فكاد يُغْشى على النبي ﷺ، وأسرع الرجوع إلى موضعه، وجاء المنافقون يعتذرون بعد ذلك، فقَبِل علانيتَهم، ووَكَل سِرَّ أثَرِهم إلى الله عز وجل، ... فبعث النبيُّ ﷺ عمار بن ياسر، [ووحشيًّا] مولى المُطْعِم بن عديٍّ، [فحرقاه]، فخُسف به في نار جهنم، وأُمِر أن يُتَّخَذ كُناسَةً، ويُلقى فيه الجِيَف، وكان مسجد قباء في بني سالم، وبُني بعد هجرة النبي ﷺ بأيام
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ حتى يُنجِز لهم ما وعدهم، يعني: ما ذُكِر مِن وعْدِهم في هذه الآية، وذلك أنّ الله عهد إلى عباده أنّ مَن قُتِل في سبيل الله فله الجنَّة، ثم قال: ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾