قال مقاتل بن سليمان: ﴿أن الله يعلم ما يسرون﴾ في قلوبهم حين أسَرُّوا وبعثوا في كل طريق من الطرق رَهْطًا ليصدوا الناس عن النبي ﷺ، ﴿وما يعلنون﴾ حين أظهروا للنبي ﷺ، وقالوا: هذا دأبنا ودأبك
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ الوليد بن المغيرة المخزومي قال لكفار قريش: إنّ محمدًا ﷺ حلو اللسان، إذا كلم الرجل ذهب بعقله، فابعثوا رهطًا من ذوى الرأي منكم والحِجا في طريق مكة على مسيرة ليلة أو ليلتين، إني لا آمَن أن يصدقه بعضهم، فمن سأل عن محمد ﷺ؛ فليقل بعضهم: إنّه ساحر؛ يُفَرِّق بين الاثنين. وليقل بعضهم: إنه لمجنون يهذي في جنونه. وليقل بعضهم: إنه شاعر لم يضبط الروي. وليقل بعضهم: إنه كاهن يخبر بما يكون في غد، وإن لم تروه خيرًا من أن تروه، لم يتبعه على دينه إلا العبيد والسفهاء، يحدث عن حديث الأولين، وقد فارقه خيار قومه وشيوخهم. فبعثوا ستة عشر رجلًا من قريش في أربع طرق، على كل طريق أربعة نفر، وأقام الوليد بن المغيرة بمكة على الطريق، فمن جاء يسأل عن النبي ﷺ لقيه الوليد، فقال له مثل مقالة الآخرين، فيصدع الناسُ عن قولهم، وشق ذلك على النبي ﷺ، وكان يرجو أن يتلقاه الناس، فيعرض عليهم أمره، ففرحت قريش حين تفرق الناس عن قولهم وهم يقولون: ما عند صاحبكم خير -يعنون: النبي ﷺ-، وما بلغنا عنه إلا الغرور. وفيهم المستهزئون من قريش؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين﴾
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله تعالى: قالوا ذلك ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة﴾ يعني: يحملوا خطيئتهم كاملة يوم القيامة، ﴿ومن أوزار الذين﴾ يعني: من خطايا الذين ﴿يضلونهم﴾ يعني: يستنزلونهم ﴿بغير علم﴾ يعلمونه، فيها تقديم، قال عز وجل: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ يعني: ألا بئس ما يحملون، يعني: يعملون
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال النبي ﷺ ﴿قد مكر الذين﴾ يعني: قد فعل الذين ﴿من قبلهم﴾ يعني: قبل كفار مكة، يعني: نمروذ بن كنعان الجبار الذي ملك الأرض، وبنى الصرح ببابل؛ ليتناول -فيما زعم- إله السماء -تبارك وتعالى-، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه عز وجل، وهو أول من ملك الأرض كلها. ومَلَك الأرض كلها ثلاثة نفر: نمروذ بن كنعان، وذو القرنين واسمه: الإسكندر قيصر، ثم تُبَّع بن أبي شراحيل الحميري. فلما بنى نمروذ الصرح طوله في السماء فرسخين، فأتاه جبريل عليه السلام في صورة شيخ كبير، فقال: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أصعد إلى السماء، فأغلب أهلها كما غلبت أهل الأرض. فقال له جبريل عليه السلام: إن بينك وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، والتي تليها مثل ذلك، وغلظها مثل ذلك، وهي سبع سموات، ثم كل سماء كذلك. فأبى إلا أن يبني، فصاح جبريل عليه السلام صيحة، فطار رأس الصَّرْح، فوقع في البحر، ووقع البقية عليهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾