قال مقاتل بن سليمان: فاستثنى عز وجل: ﴿إلا رحمة من ربك﴾ يعني: القرآن كان رحمة من ربك اختصَّك بها، ﴿إن فضله كان عليك كبيرا﴾ يعني: عظيمًا حين اختصَّك بذلك
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾، وذلك أنّ الله عز وجل أنزل في سورة هود [١٣]: ﴿قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾، فلم يطيقوا ذلك، فقال الله -تبارك وتعالى- لهم في سورة يونس [٣٨]: ﴿فأتوا بسورة﴾ واحدة مثله، فلم يطيقوا ذلك، وأخبر الله -تبارك وتعالى- النبي ﷺ، فقال: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ فعان بعضُهم بعضًا ﴿على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولقد صرفنا للناس﴾ يعني: ضربنا ﴿في هذا القرآن من كل مثل﴾ يعني: مِن كل شبه في أمور شتّى، ﴿فأبى أكثر الناس إلا كفورا﴾ يعني: إلا كُفْرًا بالقرآن
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾، وذلك أنّ أبا جهل قال للنبي ﷺ: سيِّر لنا الجبال، أو ابعث لنا الموتى فنكلمهم، أو سخِّر لنا الريح. فقال النبي ﷺ: «لا أطيق ذلك». فقال عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي -وهو ابن عم أبي جهل-، والحارث بن هشام -وهما ابنا عم-، فقالا: يا محمد، إن كنت لست فاعلًا لقومك شيئًا مما سألوك؛ فأرِنا كرامتك على الله بأمر تعرفه، فجِّر لبني أبيك ينبوعًا بمكة مكان زمزم، فقد شقَّ علينا المَيْحُ، ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١) أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾. ثم قال: والذي يحلف به عبد الله، لا أصدقك ولا أؤمن بك حتى تسند سلمًا، فترقى فيها إلى السماء، وأنا أنظر إليك، فتأتي بكتاب من عند الله عز وجل بأنك رسوله، أو يأمرنا باتباعك، وتجيء الملائكة يشهدون أن الله كتبه. ثم قال: واللهِ، ما أدري إن فعلتَ ذلك أؤمن بك أم لا؟! فذلك قوله سبحانه: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)... أو ترقى في السماءِ ولن نُؤمن لرقيكَ حتى تُنزلَ علينا كتابا نقرؤه﴾ من الله عز وجل بأنّك رسوله خاصة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا﴾ فإن لم تستطع شيئًا من هذا؛ ﴿فأسقط﴾ السماءَ كما زعمت علينا كسفًا، يعني: جانبًا من السماء كما زعمت. في سورة سبأ [٩]: ﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا﴾ يعني: جانبًا ﴿من السماء﴾
قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿أو تأتي بالله﴾ معاينة، فيخبرنا أنّك نبي رسول، أو تأتي ﴿بالملائكة قبيلًا﴾ يعني: كفيلًا، يشهدون بأنّك رسول الله عز وجل