قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ نزلت في صفوان بن أُميّة الجُمَحي، وفي ربيعة، وعبد ياليل ابني عمرو الثقفيين، إلى خمس آيات. ويقال: إنّ الثلاثة نفر: صفوان بن أُمية، وفرْقد بن ثُمامة، وأبو فاطمة، ... وذلك أنّ هؤلاء النفر الثلاثة كانوا في ظِلّ الكعبة يتكلّمون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ فقال الثاني: إنْ خفضْنا لم يعلم، وإنْ رفعْنا علِمه. فقال الثالث: إن كان الله يسمعُ إذا رفعْنا فإنه يسمع إذا خفضْنا. فسمع قولَهم عبدُ الله بن مسعود، فأخبَر بقولهم النبيَّ ﷺ؛ فأنزل الله في قولهم: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ولا أبْصارُكُمْ﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يعني: النار، وعاينوها؛ قيل لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون في الدنيا؟ قالوا عند ذلك: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]. فختم اللهُ على أفواههم، وأوحى إلى الجوارح فنطقتْ بما كتمتِ الألسُن مِن الشرك؛ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأَبْصارُهُمْ وجُلُودُهُمْ﴾ وأيديهم وأرجلهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الشرك
قال مقاتل بن سليمان: فلمّا شهدت عليهم الجوارح ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ قالت الألسن للجوارح: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ يعني: الجوارح، قالوا: أبعدكم الله، إنّما كنا نُجاحِشُ عنكم، فلِمَ شهدتم علينا بالشرك ولم تكونوا تتكلّمون في الدنيا؟! ﴿قالُوا﴾ قالت الجوارح للألسن: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ﴾ اليومَ ﴿الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِن الدوابِّ وغيرها، ﴿وهُوخَلَقَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: هو أنطقكم أول مرة مِن قبلها في الدنيا، قبل أن ننطق نحن اليوم، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: إلى الله تُرَدُّون في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم، في التقديم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ يعني: تستيقنون، وقالوا: تستكتمون ﴿أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ولا أبْصارُكُمْ ولا جُلُودُكُمْ ولكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ يعني: حسبتم ﴿أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ يعني: هؤلاء الثلاثة؛ قول بعضهم لبعض: هل يعلم الله ما نقول؟ لقول الأول والثاني والثالث، يقول: حسبتم ﴿أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾، يقول: يقينكم الذي أيقنتم بربكم، وعِلمكم بالله بأنّ الجوارح لا تشهد عليكم، ولا تنطق، وأن الله لا يخزيكم بأعمالكم الخبيثة