قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا﴾ يعني: أتْبعنا ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ من بعدهم، يعني: من بعد نوح وإبراهيم وذريتهما ﴿بِرُسُلِنا﴾ في الأمم، ﴿وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يقول: وأتْبعنا بعيسى ابن مريم، ﴿وآتَيْناهُ﴾ يعني: وأعطيناه ﴿الإنْجِيلَ﴾ في بطن أُمِّه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ يعني: اتبعوا عيسى ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ يعني: المودّة، كقوله: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] يقول: مُتَوادّين بعضهم لبعض، جعل اللهُ ذلك في قلوب المؤمنين بعضهم لبعض، ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ وذلك أنه لَمّا كثر المشركون وهزموا المؤمنين وأذلّوهم بعد عيسى ابن مريم، واعتزلوا واتخذوا الصّوامع، فطال عليهم ذلك، فرجع بعضهم عن دين عيسى عليه السلام، وابتدعوا النصرانية، فقال الله عز وجل: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ تبتّلوا فيها للعبادة في التقديم، ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ ولم نأمرهم بها ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ يقول: لم يرعوا ما أُمروا به. يقول: فما أطاعوني فيها، ولا أحسنوا حين تهوّدوا وتنصّروا. وأقام أناس منهم على دين عيسى عليه السلام حتى أدركوا محمدًا ﷺ، فآمنوا به، وهم أربعون رجلًا؛ اثنان وثلاثون رجلًا من أرض الحبشة، وثمانية من أرض الشام، فهم الذين كنى الله عنهم، فقال: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾
قال مقاتل بن سليمان: جعل الله تعالى لمن آمن بمحمد ﷺ مِن أهل الإنجيل أجرهم مرّتين؛ بإيمانهم بالكتاب الأول، وكتاب محمد ﷺ، فافتخروا على أصحاب النبي ﷺ بذلك، فقالوا: نحن أفضل منكم في الأجر؛ لنا أجران: بإيماننا بالكتاب الأول، والكتاب الآخر الذي جاء به محمد ﷺ. فشَقّ على المسلمين، فقالوا: ما بالنا قد هاجرنا مع النبي ﷺ، وآمنّا به قبلكم، وغزونا معه، وأنتم لم تغزوا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: تمرُّون به على الصراط إلى الجنة، نورًا تهتدون به، ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوب المؤمنين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ يعني: لكيلا يعلم ﴿أهْلُ الكِتابِ﴾ يعني: مؤمني أهل الإنجيل، هؤلاء الأربعون رجلًا ﴿ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وهو الإسلام إلا برحمته، ﴿وأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ الإسلام، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ من عباده، ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فأشرك المؤمنين في الكفلين مع أهل الإنجيل