عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: كانت عندي امرأةٌ، فتُوُفِّيت وقد ولدتْ لي، فوجدت عليها، فلقيني عليُّ بن أبي طالب، فقال: ما لك؟ فقلتُ: تُوُفِّيَتِ المرأةُ. فقال عليٌّ: لها ابنةٌ؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حِجْرِك؟ قلت: لا. قال: فانكِحْها. قلت: فأين قول الله: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾؟! قال: إنّها لم تكن في حِجْرِك، إنّما ذلك إذا كانت في حِجْرِك
عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: كنتُ في المسجد، فدخل أبو ذر المسجدَ، فصلّى ركعتين عند سارِيَةٍ، فقال له عثمان: كيف أنت؟ قال: بخير، كيف أنت؟ ثم ولّى واستفتح: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، وكان رجلًا صلب الصوت، فرفع صوتَه، فارْتَجَّ المسجدُ، ثم أقبل على الناس، فقلتُ: يا أبا ذرٍّ -أو قال له الناس-: حدِّثنا حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صَدَقَتُها، وفي الغنم صَدَقَتُها، -قال أبو عاصم: وأظنه قال: في البقر صدقتها-، وفي البَزِّ صَدَقَتُه، وفي الذهب والفِضَّة والتِّبْرِ صَدَقَتُه، ومَن جمع مالًا فلم يُنفقه في سبيل الله وفي الغارمين وابن السبيل كان كَيَّةً عليه يوم القيامة». قلتُ: يا أبا ذرٍّ، اتَّقِ اللهَ، وانظر ما تقول، فإنّ الناس قد كَثُرَتْ الأموال في أيديهم. قال: ابنَ أخي، انتَسِبْ لي. فانتَسَبْتُ له، فقال: قد عرفتُ نسبك الأكبر، أفتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ إلى آخر الآية. قال: فافْقَهْ إذًا
عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال:٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: هذه للمهاجرين. ثم تلا: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هذه للأنصار. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: استوعبتْ هذه المسلمين عامّةً، وليس أحدٌ إلا له في هذا المال حقٌّ إلا ما تملكون من وُصُفِكُم. ثم قال: لَئِن عشتُ ليَأتينّ الراعي وهو بسَرْو حِمْيَر نصيبه منها، لم يَعرَق فيه جبينه
عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئتُه، فدخلتُ عليه، فإذا هو جالسٌ على سرير، ليس بينه وبين رَمْل السرير فراش، مُتّكِئ على وسادة مِن أدَم، فقال: يا مالك، إنه قدم علينا أهلُ أبيات من قومك، وإني قد أمرتُ فيهم بِرَضْخ، فخُذه، فاقسِمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنهم قومي، وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم، فمُرْ به غيري. فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يَرْفَأ غلامه، فقال: هذا عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف. فأذِن لهم، فدَخلوا، ثم جاءه يَرْفَأ، فقال: هذا عليٌّ، وعباس. قال: ائذن لهما. فدخلا. فقال عباس: ألا تعدِيني على هذا؟ فقال القوم: يا أمير المؤمنين، اقضِ بين هذين، وأَرِح كلَّ واحد منهما مِن صاحبه؛ فإنّ في ذلك راحةً لك ولهما. فجلس عمر، ثم قال: اتَّئِدُوا. وحَسر عن ذراعيه، ثم قال: أنشُدُكم بالله -أيها الرّهط-، هل سمعتم رسول الله ﷺ قال: «إنّا لا نُورَث، ما تَركنا صدقة، إنّ الأنبياء لا تُورَث»؟ فقال القوم: نعم، قد سمعنا ذاك. ثم أقبل على علي، وعباس، فقال: أنشُدُكما بالله، هل سمعتما رسول الله ﷺ قال ذاك؟ قالا: نعم. فقال عمر: ألا أُحدّثكم عن هذا الأمر، إنّ الله خصّ نبيّه مِن هذا الفيء بشيء، لم يُعطه غيره -يريد: أموال بني النَّضِير، كانت نَفلًا لرسول الله ﷺ ليس لأحد فيها حقٌّ معه-، فواللهِ، ما احتواها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد قَسّمها فيكم حتى أمسك منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يُدخل منه قُنْيَة أهله لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، حتى تَوفّى الله نبيّه ﷺ، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله ﷺ، أعمل بما كان يعمل، وأسير بسِيرته في حياته. فكان يُدخل من هذا المال قُنية أهل رسول الله ﷺ لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، كما كان يصنع رسول الله ﷺ، فَوَلِيها أبو بكر حياته حتى تُوفّي، فلمّا تُوفّي أبو بكر قلتُ: أنا وليّ رسول الله ﷺ، ووليّ أبي بكر، أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال. فقبضتُها، فلما أقبلتما عليّ، وأدبرتما، وبدا لي أنْ أدفعها إليكما، أخذتُ عليكما عهد الله وميثاقه لتَعمَلان فيها بما كان رسول الله ﷺ يعمَل به فيها، وأبو بكر، وأنا، حتى دفعتُها إليكما، أنشُدُكم بالله -أيّها الرّهط- هل دفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: اللهم، نعم. ثم أقبلَ عليهما، فقال: أنشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: فقضاءً غير ذلك تلتمسان مِنِّي؟! فلا، واللهِ، لا أقضي فيها قضاء حتى تقوم الساعة غير ذلك، فإن كنتما عَجَزتما عنها، فأدِّياها إلَيّ. ثم قال عمر: إنّ الله قال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكانت لرسول الله ﷺ، ثم قال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ إلى آخر الآية: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ثم -واللهِ- ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ إلى ﴿المُفْلِحُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾، فقَسَمها هذا القَسْم على هؤلاء الذين ذَكر. قال عمر: لَئِن بَقيتُ لَيَأتينّ الرُّوَيْعيَّ بصنعاء حقُّه ودمُه في وجهه