عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- قال: حُدِّثْتُ: أنّ أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنّه ناح عليهما نِياحَة أحْزَنَتْهُما حين سَمِعاها، فقالا له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي عليكما؛ تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما، ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال: ﴿يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه:١٢٠]. وقال: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف:٢٠-٢١]، أي: تكونا مَلَكين، أو تُخَلَّدان -إن لم تكونا مَلَكين- في نعمة الجنة؛ فلا تموتان. يقول الله -جَلَّ ثناؤه-: ﴿فدلاهما بغرور﴾ [الأعراف:٢٢]
قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- في ذلك: الله أعلم، أكَما قال ابن عباس وأهل التوراة، أم أنه خَلَص إلى آدم وزوجته بسُلْطانه الذي جعل الله له؛ ليبتلي به آدم وذريته؟ وأنه يأتي ابن آدم في نومته، وفي يقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾، ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾. وقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ [الأعراف:٢٧]. وقد قال الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ [الناس:١-٢] إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُوِيت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدَّم». ثم قال ابنُ إسحاق: وإنما أمر ابن آدم فيما بينه وبين عدو الله كأمره فيما بينه وبين آدم، فقال الله: ﴿فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف:١٣]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كَلَّمَهما، كما قَصَّ الله علينا من خبرهما، قال: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه:١٢٠]. فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، فتابا إلى ربهما
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة- قال: كان فرعون يعذب بني إسرائيل، فيجعلهم خدمًا وخَوَلًا، وصَنَّفَهم في أعماله؛ فصنف يبنون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله عز وجل: ﴿سوء العذاب﴾
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- قال: ذُكِر لي: أنّه لما تَقارَب زمان موسى أتى مُنَجِّمُو فرعون وحُزاته إليه، فقالوا له: تَعْلَمُ أنّا نَجِد في عِلْمِنا أنّ مولودًا من بني إسرائيل قد أظَلَّك زمانُه الذي يُولَدُ فيه، يَسْلِبُك مُلْكَك، ويغلبك على سلطانك، ويُخرجك من أرضك، ويُبَدِّلُ دينك. فلما قالوا له ذلك أمَر بقتل كلِّ مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان، وأمر بالنساء يُسْتَحْيَيْن، فجمع القَوابِل من نساء مملكته، فقال لهن: لا يَسْقُطَنَّ على أيدِيكنَّ غلام من بني إسرائيل إلا قَتَلْتُنَّه. فكُنَّ يَفْعَلْنَ ذلك، وكان يُذْبَحُ مَن فوق ذلك من الغِلْمان، ويُأْمَرُ بالحُبالى فيُعَذَّبْنَ حتى يَطْرَحْن ما في بطونهنَّ
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة- قال: وعد الله موسى -حين أهلك فرعون وقومه، ونَجّاه وقومه- ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتَمَّ ميقات ربه أربعين ليلة، تلقاه ربه فيها بما شاء، واستخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إني مُتَعَجِّل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تَتَّبِع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه مُتَعَجِّلًا للقائه شوقًا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السّامِرِيُّ يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم؛ خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعِثوا، سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني: أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله. فأمر موسى مَن لم يكن عبد العجل أن يقتل مَن عبده، فجلسوا بالأفنية، وأَصْلَت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وبَهَشَ إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف