سورة البقرة — الآية ١٢٧
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِل- قال: لَمّا تاب الله على آدم أمَرَه أن يسير إلى مكة، فطَوى له المَفاوِز والأرض، فصار كل مَفازَة يَمُرُّ بها خَطْوَة، وقَبَضَ له ما كان فيها من مَخاضٍ أو بَحْر، فجعله له خطوة، فلم يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانًا وبركة حتى انتهى إلى مكة، وكان قبل ذلك قد اشْتَدَّ بكاؤُه وحزنه لِما كان به من عِظَم المصيبة، حتى إن كانت الملائكةُ لَتَبْكِي لِبُكائه، وتحزَنُ لحزنه، فعَزّاه الله بخيمة من خيام الجنة، وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، فيها ثلاثةُ قناديل من ذهب، فيها نور يَلْتَهِب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الرُّكْن، وهو يومئذٍ ياقوتةٌ بيضاء من رَبَضِ الجنة، وكان كُرْسِيًّا لآدم يجلس عليه، فلما صار آدم بمكة حرسه الله، وحرس له تلك الخيمة بالملائكة، كانوا يحرسونها، ويَذُودُون عنها سكان الأرض، وساكنها يومئذ الجن والشياطين، ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة؛ لأنّه مَن نَظَر إلى شيء من الجنة وجَبَت له، والأرض يومئذ طاهرة نَقِيٌّة طيبة لم تُنَجَّس، ولم يسفك فيها الدم، ولم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها الله مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء، يُسَبِّحون الليل والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفًّا واحدًا مستديرين بالحرم كله، الحِلُّ من خلفهم، والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جني ولا شيطان، ومن أجل مقام الملائكة حُرِّم الحرم حتى اليوم، ووضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة، وحرم الله على حواء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة، فلم تنظر إلى شيء من ذلك حتى قُبِضَت، وإنّ آدم إذا أراد لقاءها ليلة ليُلِمَّ بها للولد خَرَج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض الله آدم، ورفعها إليه، وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتًا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورًا يعمرونه ومَن بعدهم، حتى كان زمن نوح، فنسَفه الغرق، وخفِي مكانه، فلمّا بعث الله إبراهيم خليله طلب الأساس الأول الذي وضع بنو آدم في موضع الخيمة، فلم يزل يحفِر حتى وصل إلى القواعد التي وضع بنو آدم في موضع الخيمة، فلَمّا وصَل إليها ظَلَّل اللهُ له مكان البيت بغَمامة، فكانت حِفاف البيت الأول، ثم لم تزل راكدة على حِفافِه تُظِلُّ إبراهيم، وتَهْدِيه مكان القواعد، حتى رفع القواعد قامةً، ثم انكشفت الغَمامة، فذلك قوله عز وجل: ﴿وإذ بَوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ [الحج:٢٦] للغَمامة التي ركدت على الحِفافِ لتَهْدِيَه مكان القواعد، فلم يزل يحمد الله مُذْ رفعه الله معمورًا. قال وهْب بن مُنَبِّه: وقرأت في كتاب من كُتُبِ الأُوَلِ ذُكِرَ فيه أمرُ الكعبةِ، فوجِد فيه: أن ليس من مَلَك بعثه الله إلى الأرض إلا أمَرَه بزيارة البيت، فيَنقَضُّ من عند العرش مُحْرِمًا مُلَبِّيًا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعًا بالبيت، ويصلي في جوفه ركعتين، ثم يصعد
قراءة الأثر في موضعه
سورة البقرة — الآية ٢٤٣
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق-: أنّ كالب بن يُوفَنّا لَمّا قبضه الله بعد يُوشَعَ؛ خلف في بني إسرائيل حِزْقِيلُ بن بُوزِي، وهو ابنُ العجوز، وإنما سُمِّي ابن العجوز لأنّها سألت الله الولدَ وقد كَبِرَتْ، فوَهَبَهُ لها، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في كتابه في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾ الآية
قراءة الأثر في موضعه
سورة البقرة — الآية ٢٤٣
عن وهب بن مُنَبِّه، قال: أصاب ناسًا من بني إسرائيل بلاءٌ وشِدَّةٌ من الزمان، فشَكَوْا ما أصابهم، وقالوا: يا ليتنا قد مِتْنا فاسْتَرَحْنا مِمّا نحن فيه. فأوحى الله إلى حِزْقِيل: أن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودُّوا لو ماتوا واستراحوا، وأيُّ راحةٍ لهم في الموت، أيظنون أنِّي لا أقدِر على أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطَلِقْ إلى جَبّانةِ كذا وكذا؛ فإنّ فيها أربعة آلاف -قال وهب: وهم الذين قال الله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾-، فقُمْ فنادِ فيهم. وكانت عظامُهم قد تفرَّقَتْ كما فرَّقَتْها الطيرُ والسباع، فنادى حِزْقِيل: أيَّتُها العظام، إنّ الله يأمرُكِ أن تجتمعي. فاجتمع عظامُ كلِّ إنسان منهم معًا، ثم قال: أيتها العظام، إنّ الله يأمُرُكِ أن يَنبُتَ العَصَبُ والعَقِبُ. فتَلازَمَتْ، واشْتَدَّتْ بالعَصَب والعَقِب، ثم نادى حِزْقيل، فقال: أيتها العظام، إنّ الله يأمرك أن تكتسي اللحم. فاكْتَسَتِ اللحمَ، وبعد اللحمِ جلدًا، فكانت أجسادًا، ثم نادى حِزقيل الثالثة، فقال: أيتها الأرواح، إنّ الله يأمركِ أن تعودي في أجسادك. فقاموا بإذن الله، فكبَّروا تكبيرة رجل واحد
قراءة الأثر في موضعه
سورة البقرة — الآية ٢٤٦
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: خلَف بعد موسى في بني إسرائيل يُوشَعُ بن نون، يُقِيمُ فيهم التوارةَ وأَمْرَ الله، حتى قبضه الله، ثم خلَف فيهم كالِبُ بن يُوفَنّا، يقيم فيهم التوراة وأمر الله، حتى قبَضه الله، ثم خلَف فيهم حِزْقِيلُ بنُ بُوزِي، وهو ابن العجوز، ثم إن الله قبض حِزْقيل، وعظُمَت في بني إسرائيلَ الأحداثُ، ونسُوا ما كان مِن عهد الله إليهم، حتى نصَبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبُعِث إليهم إلياسُ بن تَسْبى بن فِنْحاص بن العِيزارِ بن هارون بن عِمْران نبيًّا، وإنّما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يُبْعَثُون إليهم بتجديد ما نَسُوا من التوراة، وكان إلياس مع مَلِكٍ من بني إسرائيل يقال له: أحابُ. وكان يسمع منه ويُصَدِّقُه، فكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائر بني إسرائيل قد اتَّخذوا صنمًا يعبدونه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك المَلِك، والملوك متفرِّقةٌ بالشام، كلُّ مَلِك له ناحيةٌ منها يأكلها، فقال ذلك الملك لإلياس: ما أرى ما تدعون إليه إلا باطِلًا، أرى فلانًا وفلانًا -يُعَدِّد ملوكَ بني إسرائيل- قد عبدوا الأوثان، وهم يأكلون ويشربون ويتنعمون، ما ينقص من دنياهم!. فاسترجع إلياسُ، وقام شعره، ثم رفضه وخَرَج عنه، ففعل ذلك المَلِكُ فِعْلَ أصحابه، وعبد الأوثان. ثم خلف من بعده فيهم اليَسَعُ، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه، وخلَفَت فيهم الخُلوفُ، وعظُمَت فيهم الخطايا، وعندهم التابوت يتوارثونه كابِرًا عن كابر، فيه السكينة وبَقِيَّةٌ مما ترك آل موسى وآل هارون، وكان لا يلقاهم عدوٌّ، فيُقَدِّمون التابوت، ويزحفون به معهم؛ إلا هزم اللهُ ذلك العدو. فلما عظُمَت أحداثُهم، وتركوا عهدَ الله إليهم؛ نزل بهم عَدُوٌّ، فخرجوا إليه، وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يُخْرِجونه، ثم زحفوا به، فقُوتِلوا حتى اسْتُلِب من أيديهم، فمرَج أمرُهم عليهم، ووَطِئَهم عدُوُّهم، حتى أُصِيب من أبنائهم ونسائهم، وفيهم نبيٌّ يقال له: شَمْويل -وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم﴾ الآية-، فكلَّموه، وقالوا: ابعث لنا مَلِكًا نقاتل في سبيل الله. وإنما كان قِوامُ بني إسرائيل الاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءَهم، وكان الملِك هو يَسِيرُ بالجُمُوع، والنبي يقوم له بأمره، ويأتيه بالخبر من ربه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عَتَتْ ملوكُهم، وتركوا أمر أنبيائهم؛ فَسَد أمرهم، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعةُ على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقًا يُكَذِّبون فلا يقبلون منه شيئًا، وفريقا يقتلون. فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له: ابعث لنا ملِكًا نقاتل في سبيل الله. فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق، ولا رغبة في الجهاد. فقالوا: إنا كُنّا نَهابُ الجهاد ونزهد فيه، إنا كُنّا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد، فلا يظهر علينا فيها عدوٌّ، فأما إذا بلغ ذلك فإنه لا بد من الجهاد، فنطيع ربنا في جهاد عدوِّنا، ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا
قراءة الأثر في موضعه
سورة البقرة — الآية ٢٤٦
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: هو شَمْوِيل بن بالِي بن علقمة بن يَرْحام بن أليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحِث بن عموصا بن عَزْريا بن صفية بن علقمة بن أبي ياسق بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوِي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
قراءة الأثر في موضعه
سورة البقرة — الآية ٢٤٧
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: لَمّا قال الملأ من بني إسرائيل لشَمْوِيل بن بالِي ما قالوا له؛ سأل اللهَ نبيُّهم شَمْويلُ أن يبعث لهم ملِكًا، فقال الله: انظر القَرَنَ الذي فيه الدُّهْنُ في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنَشَّ الدُّهْنُ الذي في القَرَن فهو ملِك بني إسرائيل، فادْهُن رأسَه منه، وملِّكْه عليهم. فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخِلًا عليه، وكان طالوت رجلًا دبّاغا يعمل الأُدُمَ، وكان من سِبْطِ بِنْيامِين بن يعقوب، وكان سِبْطُ بنيامين سِبْطًا لم يكن فيهم نُبُوَّةٌ ولا مُلْك، فخرج طالوت في ابتغاء دابَّةٍ له أضَلَّتْهُ، ومعه غلام، فمَرّا ببيت النبي عليه السلام، فقال غلامُ طالوتَ لطالوتَ: لو دخَلْتَ بنا على هذا النبيِّ فسأَلْناه عن أمر دابَّتِنا، فيُرْشِدَنا، ويدعوَ لنا فيها بخير. فقال طالوت: ما بِما قُلْتَ مِن بَأْسٍ. فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران له من شأن دابَّتهما، ويسألانه أن يدعو لهما فيها، إذ نَشَّ الدُّهْنُ الذي في القَرَن، فقام إليه النبي عليه السلام، فأخذه، ثم قال لطالوت: قرِّبْ رأسَك. فقرَّبه، فدهَنه منه، ثم قال: أنت ملِكُ بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أُمَلِّكَك عليهم. وكان اسمُ طالوت بالسُّرْيانية: شاولَ بن قيس بن أبيال بن صِرار بن يحرب بن أفيح بن آيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجلس عنده، وقال الناس: مُلِّك طالوتُ. فأتت عظماءُ بني إسرائيل نبيَّهم، فقالوا له: ما شأن طالوت يُمَلَّكُ علينا وليس من بيت النبوة ولا المملكة؟! قد عرفتَ أنّ النبوة والمُلْك في آل لاوي وآل يهوذا. فقال لهم: إنّ الله اصطفاه عليكم، وزاده بَسْطَةً في العِلْم والجِسْم
قراءة الأثر في موضعه
سورة البقرة — الآية ٢٤٧
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِل- قال: قالت بنو إسرائيل لشَمْوِيلَ: ابعث ملِكًا نُقاتِلْ في سبيل الله. قال: قد كفاكم اللهُ القتالَ. قالوا: إنّا نَتَخَوَّفُ مَن حولنا، فيكون لنا ملِك نَفْزَعُ إليه. فأوحى الله إلى شَمْوِيل: أنِ ابعث لهم طالوت ملِكًا، وادْهَنْهُ بدُهْنِ القُدْس. وضلَّت حُمُرٌ لأبي طالوت، فأرسله وغلامًا له يَطْلُبانِها، فجاؤوا إلى شَمْوِيل يسألونه عنها، فقال: إنّ الله قد بعثك ملِكًا على بني إسرائيل. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: وما علِمْتَ أن سِبْطِي أدنى أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى. قال: فبأيِّ آيةٍ؟ قال: بآيةِ أن ترجع وقد وجَدَ أبوك حُمُرَه. فدَهَنَهُ بدُهْنِ القُدْس، فقال لبني إسرائيل: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك﴾ الآية
قراءة الأثر في موضعه