في معنى الشهداء ثلاثة أقوال: الأول: أنهم الذين يشهدون للأنبياء بالبلاغ. الثاني: أنهم الذين استُشهدوا في سبيل الله. الثالث: أنهم الحفظة. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٢٦٢-٢٦٣) -مستندًا إلى النظائر- القول الأول، فقال: «والشهداء: جمع شهيد، وهذا نظير قول الله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة:١٤٣]». وانتقد الثاني الذي قاله قتادة، والسدي -مستندًا إلى السياق، وأقوال السلف- فقال: «وقيل: عني بقوله: ﴿الشهداء﴾: الذين قُتلوا في سبيل الله؛ وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى؛ لأن عقيب قوله: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾: ﴿وقضي بينهم بالحق﴾، وفي ذلك دليل واضح على صحة ما قلنا مِن أنّه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها، وأنّ الشهداء إنما هي جمع شهيد، الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٤١٣ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «وهذا أيضًا يزول عنه معنى التوعد، وهو مقصد الآية». وزاد ابنُ عطية قولًا رابعًا في معنى الآية، فقال: «ويُحتمل أن يريد بقوله: ﴿والشُّهَداءِ﴾: الأنبياء أنفسهم، فيكون من عطف الصفة على الصفة بالواو، كما تقول: جاء زيد الكريمُ والعاقل»
نقل ابنُ جرير (١/١٤٩) اختلاف المفسرين في تأويل قوله تعالى: ﴿بما فتح الله عليكم﴾، ثم قال: «وأصل الفتح في كلام العرب: النصر والقضاء والحكم، يُقال منه: اللهم افتح بيني وبين فلان، أي: احكم بيني وبينه، ويقال للقاضي: الفتاح». ثُمَّ رجَّح (١/١٥٠-١٥١) مستندًا إلى السياق قولَ ابن عباس من طريق ابن إسحاق، وقول أبي العالية، وقتادة الذي أفاد أن المعنى: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد إلى خلقه، ثم بين مستند ترجيحه، فقال: «لأنّ الله إنما قص في أول هذه الآية الخبر عن قولهم لرسول الله ولأصحابه: آمنا بما جاء به محمد. فالذي هو أولى بآخرها أن يكون نظيرَ الخبر عما ابتدئ به أولها، وإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن يكون تلاومهم كان فيما بينهم فيما كانوا أظهروه لرسول الله ولأصحابه من قولهم: آمنا بمحمد وبما جاء به. فكان تلاومهم فيما بينهم إذا خلوا على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم، وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمد في كتبهم، ويكفرون به، وكان فتح الله الذي فتحه للمسلمين على اليهود وحكمه عليهم لهم في كتابهم أن يؤمنوا بمحمد إذا بُعِثَ، فلما بُعِثَ كفروا به مع علمهم بنبوته». وذكر ابنُ عطية (١/٢٦١) أنّ قوله: ﴿عند ربكم﴾ معناه: في الآخرة، ثم نقل قولين آخرين، فقال: «وقيل: ﴿عند﴾ بمعنى: في ربكم، أي: فيكونون أحق به. وقيل: المعنى: عند ذكر ربكم»
اختُلِف في قوله: ﴿وأسروه بضاعة﴾ على أقوال: الأول: أنّ المراد: وأسره الواردُ المستقي وأصحابُه مِن التجار الذين كانوا معهم، وقالوا لهم: هو بضاعة اسْتَبْضَعَناها بعضُ أهل مصر. الثاني: أنّ المراد: إخوته أسَرُّوا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم. الثالث: أن المعنى: وأسرَّه التجارُ بعضُهم من بعض. الرابع: أن المعنى: وأسَرُّوا بيعه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٣/٤٩) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ مَن قال: وأَسَرَّ واردُ القوم المُدْلِي دلَوه ومَن مَعَه من أصحابه مِن رفقته السيارة أمرَ يوسف أنّهم اشتروه خِيفَةً منهم أن يَسْتَشْرِكوهم، وقالوا لهم: هو بضاعة أبْضَعَها معنا أهلُ الماء. وذلك أنّه عَقِيب الخبر عنه، فلأن يكون ما ولِيَه من الخبر خبرًا عنه أشبه مِن أن يكون خبرًا عمَّن هو بالخبر عنه غير متصل». وبنحوه قال ابنُ عطية (٥/٥٩-٦٠): «ظاهِر الآيات أنّه لِوارد الماء. قاله مجاهد». ثم وجّه معنى قوله: ﴿والله عليم بما يعملون﴾ على القول الأول والثاني، فقال: «وقوله: ﴿والله عليم بما يعملون﴾ إن كانت الضمائر لإخوة يوسف ففي ذلك تَوَعُّد، وإن كانت الضمائر للوارِدِين ففي ذلك تنبيه على إرادة الله تعالى ليوسف، وسوق الأقدار بحسب بناء حاله، فهو حينئذٍ بمعنى قول النبي ﷺ: «يدبِّر ابنُ آدم والقضاءُ يَضْحَكُ»»
اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، وفي السبب الذي من أجله فُزِّع عن قلوبهم؛ على أقوال: الأول: أن الذي فُزِّع عن قلوبهم الملائكة، قالوا: وإنما يفزع عن قلوبهم مِن غشية تصيبهم عند سماعهم الله بالوحي. الثاني: أن الموصوفين بذلك الملائكة، إنما يفزع عن قلوبهم فزعهم مِن قضاء الله الذي يقضيه حذرًا أن يكون ذلك قيام الساعة. الثالث: أن ذلك من فعل ملائكة السموات إذا مرت بها المعقبات؛ فزعًا أن يكون حدث أمر الساعة. الرابع: أن الموصوفين بذلك المشركون، قالوا: وإنما يفزع الشيطان عن قلوبهم، قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟ عند نزول المنية بهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٢٨١) مستندًا إلى السنة القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل القولُ الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ بتأييده». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٢٨٨-٢٩٧)، وابنُ كثير (١١/٢٨٣-٢٨٥)، وكذا ابنُ عطية (٧/١٨٣) مستندًا إلى السياق حيث قال: «وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى». وذكر ابنُ عطية في الآية قولًا خامسًا أنها في جميع العالم، ثم انتقده وقولَ مَن جعلها في المشركين بقوله: «ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿الذين زعمتم﴾ لم تتصل له هذه الآية بما قبلها، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها». ثم قال منتقدًا هذين التأويلين: «وهذان بعيدان»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم﴾، وذلك أنّ موسى عليه السلام قالت له بنو إسرائيل وهم في التِّيه: كيف لنا بالأبنية، وقد نزلنا في القَفْر، وخرجنا من العُمْران، مِن حَرِّ الشمس؟!. فظلل الله عز وجل عليهم الغمام الأبيض يقيهم حر الشمس، ثم إنهم سألوا موسى عليه السلام الطعام، فأنزل الله عليهم طعام الجنة، وهو المن والسلوى، أما المن فهو التُّرَّنجَبِين، فكان ينزل بالليل على شجرهم، أبيض كالثلج، حلو مثل العسل، فيغدون عليه، لكل إنسان صاع لكل ليلة، فيغدون عليه، فيأخذون ما يكفيهم ليومهم ذلك، لكل رجل صاع، ولا يرفعون منه في غد، ويأخذون يوم الجمعة ليومين؛ لأنّ السبت كان عندهم لا يشخصون فيه ولا يعملون، كان هذا لهم في التِّيه، وتنبت ثيابهم مع أولادهم، فأما الرجال فكانت ثيابهم عليهم، لا تبلى، ولا تنخرق، ولا تَدَنَّس، وأما السلوى فهو الطير، وذلك أنّ بني إسرائيل سألوا موسى اللحم، وهم في التِّيه، فسأل موسى ربه عز وجل، فقال الله: لأطعمنهم أقل الطير لحمًا. فبعث الله سبحانه السماء، فأمطرت لهم السلوى، وهي السمانى، وجمعتهم ريح الجنوب، وهي طير حمر تكون في طريق مصر، فأمطرت قدر ميل في عرض الأرض، وقدر رمح في السماء بعضه على بعض، فقال الله عز وجل لهم: ﴿كلوا من طيبات﴾ يعني: من حلال -كقوله: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [المائدة:٦]، يعني: حلالًا طيبًا في غير مأثم، وإذا وجدوا الماء فهو حرام، فمِن ثَمَّ قال: ﴿طيبًا﴾، يعني: حلالًا-، ﴿من ما رزقناكم﴾ من السلوى، ﴿ولا تطغوا فيه﴾ [ط:٨١] يعني: تعصوا الله في الرزق فيما رزقكم، ولا ترفعوا منه لغد، فرفعوا وقَدَّدُوا مخافة أن ينفد، ولو لم يفعلوا لدام لهم ذلك، فقدَّدُوا منه، ورفعوا، فدَوَّد، وتغير ما قَدَّدوا منه وما رفعوا، فعصوا ربهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿وما ظلمونا﴾، يعني: وما ضرونا، يعني: ما نقصونا من ملكنا بمعصيتهم شيئًا حين رفعوا وقَدَّدوا منه في غد، ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ يعني: أنفسهم يضرون. نظيرها في الأعراف [١٦٠] قوله سبحانه: ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾ إلى آخر الآية
قال ابن أبي حاتم: أخبرني علي بن عبد العزيز، فيما كتب إليَّ قال: قال أبو عُبَيْد [القاسم بن سلّام] في الأنفال: إنها المغانم، وفي كل نَيْل ناله المسلمون؛ لقول الله - عز وجل -: ﴿يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يُخَمِّسها، على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذاك آية الخُمُسِ فنَسَخَتِ الأولى، وفي ذلك آثار. والأنفال أصلها: جِماعُ الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة. ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تَفَضُّلًا من غير أن يجب ذلكعليه، فكذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، إنما هو شيء خصهم الله به تَطَوُّلًا منه عليهم، بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم، فنَفَّلها الله هذه الأمة، فهذا أصل النفل، وبه سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك على قدر الغَناءُ عن الإسلام، والنكاية في العدو. وفي النفل الذي ينفله الإمام سُنَنٌ أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى. فإحداهن: في النفل لا خمس فيه، وذلك السَّلَب. والثانية: النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع والثلث بعد الخمس. والثالثة: في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تُحازَ الغنيمةُ كلُّها، ثم تُخَمَّسَ، فإذا صار الخُمُس في يدي الإمام نَفَّل منه على قدر ما يرى. والرابعة: في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يُخَمَّسَ منها شيء، وهو أن تُعطى الأدِلّاءُ ورِعاءُ الماشِيَةِ والسُّوّاقُ لها، وفي كل ذلك اختلاف، قال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: الأنفال: أن لا يَخْرُجَ من رأس الغنيمة قبل الخُمُسِ شيءٌ غيرُ السَّلَبِ. والوجه الثاني من النفل: هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم، وذلك من خُمُس النبي - ﷺ -، فإن له خُمُس الخُمُس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو، واشتدت شوكتهم، وقَلَّ مَن بإزائه مِنَ المسلمين؛ نَفَّل منه اتِّباعًا لسنة رسول الله - ﷺ -، وإذا لم يكن ذلك لم يُنَفِّل. والوجه الثالث من النفل: إذا بعث الإمام سَرِيًّة أو جيشًا فقال لهم قبل اللقاء: منغَنِم شيئًا فهو له بعد الخُمُس. فذلك لهم على ما شرط الإمام؛ لأنهم على ذلك غَزَوا، وبه رَضُوا.
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحيّ من الميّت وتخرج الميّت من الحيّ﴾، أي: بتلك القدرة التي تُؤْتِي المُلْك بها مَن تشاء، وتنزِعها مِمَّن تشاء، ﴿وترزق من تشاء بغير حساب﴾، لا يقدر على ذلك غيرُك، ولا يصنعه إلا أنت، أي: وإن كنت سلَّطت عيسى عليه السلام على الأشياء التي بها يزعمون أنّه إله -مِن إحياء الموتى، وإبْراء الأسْقام، وخلقِ الطَّير من الطِّين، والخبرِ عن الغيوب، لِأجعَله به آيةً للناس، وتصديقًا له في نُبُوَّتِه التي بعثتُه بها إلى قومه- فإنّ مِن سلطاني وقدرتي ما لم أُعْطِه: تمليكَ الملوك بأمر النبوة، ووضعَها حيث شئتُ، وإيلاجَ الليل في النهار، وإيلاجَ النهار في الليل، وإخراجَ الحيِّ من الميِّت، وإخراجَ الميِّت من الحيِّ، ورَزْقَ مَن شِئتُ مِن بَرٍّ وفاجر بغير حساب، وكلُّ ذلك لم أُسَلِّط عيسى عليه، ولم أُمَلِّكْه إيّاه، أفلم يكن لهم في ذلك عبرةٌ وبينةٌ؛ أن لو كان إلهًا كان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرب مِن الملوك، وينتقِلُ منهم في البلاد مِن بلد إلى بلد؟!
عن عبد الله بن عباس -من طريق يوسف بن مهران- قال:... لَمّا اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه مَن آمَن به، وكان ذلك في الشهر مِن السنة التي دخل فيها نوح بعد ستمائة سنة من عمره، لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلمّا دخل وحمل معه مَن حمل؛ تَحَرَّك ينابيع الغوط الأكبر، وفتح أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ [القمر:١١-١٢]. فدخل نوحٌ ومَن معه الفلكَ، وغطّاه عليه وعلى مَن معه بطبقة، فكان بين أن أرسل الله الماءَ وبين أن احتمل الماءُ الفلكَ أربعون يومًا وأربعون ليلة، ثم احتمل الماء -كما تزعم أهل التوراة-، وكثر الماء، واشْتَدَّ، وارتفع، يقول الله لمحمد: ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾ [القمر:١٣] والدُّسُر: المسامير؛ مسامير الحديد. فجعلت الفلك تجري به وبمَن معه في موج كالجبال...
عن أبي ذرٍّ، عن رسول الله ﷺ، قال: «يقول الله: يا ابن آدم، كلُّكم مذنبٌ إلا مَن عافَيْتُ؛ فاستغفروني أغفِرْ لكم، وكلّكم فقيرٌ إلا من أغْنَيْتُ؛ فسَلُوني أُعطِكم، وكلُّكم ضالٌّ إلا من هَدَيت؛ فسلوني الهدى أهْدِكم، ومَن استغفرني وهو يعلم أني ذو قُدرة على أن أغفر له غَفَرتُ له ولا أبالي. ولو أنّ أوَّلَكم وآخِركم، وحَيَّكم ومَيِّتَكم، ورطْبَكم ويابِسكم، اجتمعوا على قلبِ أشْقى واحدٍ منكم؛ ما نقص ذلك من سلطاني مِثْل جناح بعوضة. ولو أنّ أولكم وآخركم، وحيَّكم وميِّتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على قلب أتقى واحدٍ منكم؛ ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة. ولو أنّ أوّلكم وآخركم، وحيّكم وميّتكم، ورطبكم ويابسكم، سألوني حتى تنتهي مسألة كلِّ واحد منهم، فأعطيتهم ما سألوني؛ ما نقص ذلك مما عندي كغرز إبرة غمسها أحدُكم في البحر، وذلك أني جوادٌ ماجِد واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن. فيكون»
عن سعيد -من طريق محمد- قال: أتى رهطٌ مِن اليهود نبيَّ الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، هذا اللهُ خلَق الخلق، فمَن خلَقه؟ فغضب النبي ﷺ حتى انتَقَع لونه، ثم ساورهم غضبًا لربه، فجاءه جبريل، فسكّنه، وقال: اخفض عليك جناحك، يا محمد. وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص]. قال: فلما تلاها عليهم النبي ﷺ قالوا: صِف لنا ربَّك، كيف خَلْقه؟ وكيف عَضُده؟ وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول، ثم ساورهم، فأتاه جبريل، فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾