سورة النحل — الآية ١١١

عن كعب الأحبار -من طريق شريح بن عبيد الحضرمي، وغيره- قال: كنت عند عمر بن الخطاب، فقال: خوِّفنا، يا كعب. فقلت: يا أمير المؤمنين، أوَليس فيكم كتاب الله وحكمة رسوله؟ قال: بلى، ولكن خوِّفنا. قلت: يا أمير المؤمنين، لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيًّا لازْدَرَيْت عملك مما ترى. قال: زِدنا. قلت: يا أمير المؤمنين، لو فُتِح من جهنم قدْر مَنخِرِ ثورٍ بالمشرق، ورجلٌ بالمغرب؛ لَغَلى دماغه حتى يسيل مِن حرِّها. قال: زدنا. قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، لا يبقى ملك مقرب ولا نبيٌّ مرسل إلا خرَّ جاثيًا على ركبيته، حتى إن إبراهيم خليله ليَخِرُّ جاثيًا على ركبتيه، فيقول: ربِّ، نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي. فأطرق عمر مليًّا، قلت: يا أمير المؤمنين، أوَليس تجدون هذا في كتاب الله؟ قال: كيف؟ قلت: قول الله في هذه الآية: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتُوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون﴾

سورة الحج — الآية ٧٨

عن مقاتل بن حيان، في قوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، يقول: لم يُضَيِّق الدين عليكم، ولكن جعله واسعًا لِمَن دخله، وذلك أنّه ليس مِمّا فرض عليهم فيه إلا ساق إليهم عند الاضطرار رخصة، والرُّخْصَة في الدين فيما وُسِّع عليهم رحمة منه؛ إذ فرض عليهم الصلاة في المُقام أربع ركعات، وجعلها في السفر ركعتين، وعند الخوف من العدو ركعة، ثم جعل في وجهه رخصة أن يومئ إيماء إن لم يستطع السجودَ في أيِّ نحو كان وجهُه؛ من تجاوز عن النسيان منه والخطأ، وجعل في الوضوء والغسل رخصة إذا لم يجد الماءَ أن يتيمَّموا الصعيد، وجعل الصيام على المقيم واجبًا، ورخَّص فيه للمريض والمسافر عِدَّةً مِن أيام أُخَر، فمَن لم يُطِق فإطعام مسكين مكان كل يوم، وجعل في الحج رُخْصَة إن لم يجد زادًا أو حُمْلانًا أو حُبِس دونه، وجعل في الجهاد رخصة إن لم يجد حملانًا أو نفقة، وجعل عند الجهد والاضطرار مِن الجوع أن رَخَّص في الميتة والدم ولحم الخنزير قَدْر ما يَرُدُّ نفسه؛ أن لا يموت جوعًا، في أشباه هذا في القرآن، وسعةُ الله على هذه الأمة رخصة منه ساقها إليهم

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٣٥٦) جملةً من الآثار الواردة في تفسير قوله: ﴿عرضها السموات والأرض﴾؛ كأثر عمر، وابن عباس، وغيرهما، ثُمَّ عَلَّق بقوله: «فهذه الآثار كلُّها هي في طريق واحد مِن أنّ قدرة الله تَتَّسِعُ لهذا كله». وزاد إلى ما ورد في أقوال السلف قولين آخرين، فقال: «وقال قوم: قوله تعالى:﴿عرضها السماوات والأرض﴾ معناه: كعرض السماوات والأرض، كما هي طباقًا، لا بأن تقرن كبسط الثياب، فالجنة في السماء، وعرضها كعرضها وعرض ما وراءها من الأرضين إلى السابعة، وهذه الدلالة على العِظَم أغنت عن ذكر الطول. وقال قوم: الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة، فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى، حسُنت العبارة عنها بعرضها السماوات والأرض، كما تقول لرجل: هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل، ولم تقصد الآية تحديد العرض». ثم قال: «وجلب مكي هذا القول غير ملخص، وأدخل حجة عليه قول العرب: أرض عريضة. وليس قولهم: أرض عريضة، مثل قوله:﴿عرضها السماوات والأرض﴾ إلا في دلالة ذكر العرض على الطول فقط، وكذلك فعل النقاش»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في حَدِّ الكسوة على أقوال: الأول: كسوة ثوب واحد. الثاني: الكسوة ثوبين ثوبين. الثالث: ثوبٌ جامعٌ، كالمِلْحَفة والكِساء والشيء الذي يَصْلُحُ للُّبْسِ والنوم. الرابع: كسوة إزارٍ ورداءٍ، أو قميصٍ. الخامس: كلُّ ما كسا فَيُجْزِئ، والآية على عمومها. وقد رجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٦٤٥) مستندًا إلى ظاهر القرآن، والإجماعِ أنّ المراد: ما وقع عليه اسمُ كسوة مما يكون ثوبًا فصاعدًا، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قولُ من قال: عنى بقوله: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: ما وقع عليه اسم كسوة مِمّا يكون ثوبًا فصاعدًا؛ لأنّ ما دون الثوب لا خلاف بيْن جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية، فكان ما دون قَدْرِ ذلك خارجًا من أن يكون الله -تعالى ذِكْره- عناه بالنَّقل المستفيض، والثوب وما فوقه داخلٌ في حكم الآية إذ لم يأت من الله تعالى وحيٌ، ولا من رسوله ﷺ خبرٌ، ولم يكن من الأمة إجماعٌ بأنه غير داخلٍ في حكمها، وغير جائزٍ إخراج ما كان ظاهر الآية مُحْتَمِلَه من حكم الآية، إلا بحجةٍ يجب التسليم لها، ولا حجة بذلك»

ساق ابنُ تيمية (٣‏/‏٤١٢) هذه الأقوال، ثُمَّ بيَّن استيعاب الآية لها، فقال: «وحقيقة الأمرِ أنّ الخلاق: هو النصيب والحظُّ، كأنّه الذي خُلِق للإنسان وقُدِّر له، كما يقال: قَسْمُه الذي قُسِم له، ونصيبُه الذي نُصِب له، أي: أُثْبِت، وقطه الذي قط له، أي: قطع، ومنه قوله تعالى: ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة:٢٠٠]، أي: مِن نصيب، وقول النبي ﷺ: «إنما يلبس الحرير في الدنيا مَن لا خلاق له في الآخرة». والآية تَعُمَّ ما ذكره العلماءُ جميعُهم، فإنّه سبحانه قال: ﴿كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا﴾ فتلك القُوَّة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك أموالهم وأولادهم، وتلك القوة والأموال والأولاد هو الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة والأموال هي دينهم، وتلك الأعمال لو أرادوا بها الله والدار الآخرة لكان لهم ثواب في الآخرة عليها، فتمتُّعهم بها أخذ حظوظهم العاجلة، فدخل في هذا مَن لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان جنس العمل من العبادات أو غيرها». وبنحوه قال ابنُ القيم (٢‏/‏١٧-١٨)

قال ابنُ القيم (٢‏/‏٥٤): «قال الزجاج: المعنى: إن كنتم تزعمون أنّهم إنما اتبعوني في بادي الرأي وظاهره فليس عَلَيَّ أن أطَّلع على ما في أنفسهم، فإذا رأيت مَن يُوَحِّد الله عملت على ظاهره، ورددت عِلْمَ ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنًى حسن. والذي يظهر من الآية: أنّ الله يعلم ما في أنفسهم، إذ أهَّلهم لقبول دينه وتوحيده، وتصديق رسله، والله سبحانه وتعالى عليم حكيم، يضع العطاء في مواضعه، وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام:٥٣]، فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق، وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة، فأخبر الله سبحانه أنّه أعلم بمن يؤهله لذلك لِسِرٍّ عنده من معرفة قدر النعمة، ورؤيتها من مجرد فضل المنعم، ومحبته، وشكره عليها، وليس كل أحد عنده هذا السر؛ فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء»

ذكر ابنُ جرير (١٩‏/‏٢١٠) عن عامة قراء الكوفة أنهم قرءوا ذلك ‹عَلّامِ›، ثم علّق عليها وعلى قراءة ﴿عالم﴾ بالرفع والجر، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أن كل هذه القراءات الثلاث قراءات مشهورات في قراء الأمصار متقاربات المعاني، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب». ورجّح مستندًا إلى اللغة هذه القراءة بقوله: «غير أن أعجب القراءات في ذلك إلي أن أقرأ بها: ‹عَلّامِ الغَيْبِ› على القراءة التي ذكرتها عن عامة قراء أهل الكوفة؛ فأما اختيار ‹عَلّامِ› على ﴿عالم﴾ فلأنها أبلغ في المدح، وأما الخفض فيها فلأنها من نعت الرب، وهو في موضع الجر، وعنى بقوله: ‹عَلّامِ الغَيْبِ›: علام ما يغيب عن أبصار الخلق، فلا يراه أحد، إما ما لم يكونه مما سيكونه، أو ما قد كونه فلم يطْلع عليه أحدًا غيره». وقال ابنُ عطية (٧‏/‏١٥٧): «وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بخلاف ﴿عالم﴾ بالخفض على البدل من رَبِّي، وقرأ نافع وابن عامر ‹عالِمُ› بالرفع على القطع، أي: هو عالم، ويصح أن يكون ‹عالِمُ› رفع بالابتداء، وخبره ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وما بعده، ويكون الإخبار بأن العالِم لا يعزب عنه شيء إشارة إلى أنه قد قدَّر وقتها وعلِمَه، والوجه الأول أقرب»

انتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٠٢) قول مقاتل بن حيّان -مستندًا إلى دلالة اللغة، والقرآن، والسنة، وأقوال السلف-، للآتي: ١- لفظ الباطن كما جاء ذكره في الحديث لا يدل على معنى القُرب. ٢- تفسير القُرب بالعلم والقدرة لا حاجة إليه؛ لأنّ السلف ثابت عنهم تفسير المعيّة بالعلم، أمّا القُرب فلا حاجة لتأويله؛ لأنّ لفظ القُرب في الكتاب والسنة على جهة العموم ليس كلفظ المعيّة، ولا لفظ القُرب في اللغة والقرآن كلفظ المعيّة فإنه إذا قال: هذا مع هذا؛ فإنه يعني به: المجامعة والمقارنة والمصاحبة، ولا يدل على قُرب إحدى الذاتين من الأخرى ولا اختلاطها بها؛ فلهذا كان إذا قيل: هو معهم؛ دلّ على أنّ علْمه وقدرته وسلطانه محيط بهم وهو مع ذلك فوق عرشه؛ كما أخبر القرآن والسنة بهذا. وقال تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم﴾، فأخبر سبحانه أنه مع عُلّوه على عرشه يعلم كلّ شيء، فلا يمنعه علّوه عن العلم بجميع الأشياء

سورة المائدة — الآية ١٠٦

عن عُقَيل، قال: سألتُ محمد ابن شهاب الزهري عن هذه الآية، قلتُ: أرأيتَ الاثنَين اللَّذَيْن ذكَر الله مِن غير أهل المرء الموصِي، أهما مِن المسلمين، أو هما مِن أهل الكتاب؟ وأرأيتَ الآخَرَينِ اللذين يقومان مَقامَهما، أتُراهما مِن أهل المرء الموصِي، أم هما في غيرِ المسلمين؟ قال ابنُ شهاب: لم نَسمَع في هذه الآية عن رسول الله ﷺ ولا عن أئمةِ العامة سُنَّةً أذكُرُها، وقد كُنّا نَتذاكَرُها أناسًا مِن علمائِنا أحيانًا، فلا يَذكُرون فيها سنَّةً معلومةً، ولا قضاءً مِن إمامٍ عادلٍ، ولكنه يَختلِفُ فيها رأيُهم، وكان أعجبَهم فيها رأيًا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بينَ أهلِ الميراث مِن المسلمين، يَشهَدُ بعضُهم الميتَ الذي يَرِثونه، ويَغِيبُ عنه بعضُهم، ويَشهَدُ مَن شهِده على ما أوصى به لذوِي القربى، فيُخبِرون مَن غابَ عنه منهم بما حضَروا مِن وصية، فإن سلَّموا جازت وصيتُه، وإن ارتابُوا أن يكونوا بدَّلُوا قولَ الميت، وآثَروا بالوصيةِ مَن أرادوا ممن لم يُوصِ لهم الميتُ بشيءٍ، حلَف اللذان يَشهَدان على ذلك بعدَ الصلاة، وهي صلاةُ المسلمين: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين﴾. فإذا أقسَما على ذلك جازَت شهادتُهما وأيمانُهما، ما لم يُعثَر على أنهما استَحَقّا إثمًا في شيءٍ من ذلك، قامَ آخران مَقامَهما مِن أهل الميراث مِن الخَصم الذين يُنكِرون ما يَشهَدُ به عليه الأوَّلان المستَحلَفان أولَ مرة، فيُقسِمان بالله: لشَهادتُنا على تكذيبِكما أو إبطال ما شهِدتما به، ﴿وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين﴾

سورة الأعراف — الآية ١٥٧

عن الزهريِّ: أنّ يهوديًّا قال: ما كان بَقِيَ شيءٌ مِن نعتِ رسول الله ﷺ في التوراةِ إلا رأَيتُه، إلا الحِلْمُ، وإنِّي أسْلَفْتُه ثلاثين دينارًا في تمرٍ إلى أجل معلوم، فتركتُه حتى إذا بَقِيَ من الأجلِ يومٌ أتَيْتُه، فقلتُ: يا محمدُ، اقضِني حقِّي، فإنّكم -معاشرَ بني عبد المطلب- مُطُلٌ. فقال عمرُ: يا يهوديُّ الخبيثُ، أما -واللهِ- لولا مكانُه لضَرَبْتُ الذي فيه عيناك. فقال رسول الله ﷺ: «غفَر الله لك، يا أبا حفصٍ، نُحْنُ كنّا إلى غيرِ هذا منك أحوجَ؛ إلى أن تكونَ أمَرْتَني بقضاءِ ما عَلَيَّ، وهو إلى أن تكون أعَنتَه في قضاءِ حقِّه أحوجُ». فلم يزِدْه جهلي عليه إلا حِلْمًا، قال: «يا يهوديُّ، إنّما يَحِلُّ حقُّك غدًا». ثم قال: «يا أبا حفصٍ، اذهَبْ به إلى الحائطِ الذي كان سأل أوَّلَ يومٍ، فإن رَضِيَه فأعطِه كذا وكذا صاعًا، وزِدْه لما قلتَ له كذا وكذا صاعًا، فإن لم يرضَ فأَعْطِه ذلك من حائطِ كذا وكذا». فأتى به الحائطَ، فرَضِيَ تمرَه، فأعطاه ما قال رسولُ الله ﷺ، وما أمَره من الزيادة، فلمّا قبَض اليهوديُّ تمرَه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّه رسول الله، وإنّه -واللهِ- ما حَمَلَني على ما رأَيتَني صَنَعتُ -يا عمرُ- إلا أنِّي قد كنتُ رأيتُ في رسول الله صفَتَه في التوراةِ كلَّها إلا الحِلْمَ، فاختبَرْتُ حِلمَه اليومَ، فوجدتُه على ما وُصِف في التوراةِ، وإنِّي أُشهِدُك أن هذا التمرَ وشَطْرَ مالي في فقراءِ المسلمين. فقال عمرُ: فقلتُ: أو بعضِهم؟ فقال: أو بعضِهم. قال: وأسلَم أهلُ بيت اليهوديِّ كلُّهم، إلا شيخًا كان ابن مائةِ سنةٍ، فَعَسا على الكفر