سورة البقرة — الآية ١٧٩

عن الزُّهْرِيِّ، قال: دخلنا على عليّ بن الحسين بن علي، فقال: يا زهري، فيمَ كنتم؟ قلت: تذاكرنا الصوم، فأجمع رأيي ورأيُ أصحابي على أنّه ليس من الصوم شيءٌ واجب إلا شهر رمضان. فقال: يا زُهْرِيُّ، ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهًا؛ عشرة منها واجبة كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربعة عشرة خصلة صاحبها بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب. قال: قلتُ: فَسِّرْهُنَّ، يا ابن رسول الله. قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصيام شهرين متتابعين -يعني: في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق-، قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأ﴾ الآية [النساء:٩٢]، وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، قال الله عز وجل: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة:٨٩]، وصيامُ حلق الرأس -قال الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾ الآية [البقرة:١٩٦]- صاحبه بالخيار إن شاء صام ثلاثًا، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي، قال الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ الآية [البقرة:١٩٦]، وصوم جزاء الصيد، قال الله عز وجل: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ الآية [المائدة:٩٥]، وإنما يُقَوّم ذلك الصيد قيمة، ثم يقصّ ذلك الثمن على الحِنطَة. وأما الذي صاحبه بالخيار: فصوم يوم الاثنين والخميس، وصوم ستة أيام من شوال بعد رمضان، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار، إن شاء صام، وإن شاء أفطر. وأما صوم الإذن: فالمرأة لا تصوم تطوعًا إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة. وأما صوم الحرام: فصوم يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشَّكِّ نُهِينا أن نصومه كرمضان، وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر حرام، والضيف لا يصوم إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله ﷺ: «مَن نزل على قوم فلا يصومَنَّ تَطَوُّعًا إلا بإذنهم». ويؤمر الصبي بالصوم إذا لم يُراهِق تأنيسًا، وليس بفرض، وكذلك من أفطر لِعِلَّة من أول النهار ثم وجد قوة في بدنه أُمِر بالإمساك، وذلك تأديب الله عز وجل، وليس بفرض، وكذلك المسافر إذا أكل أول النهار ثم قدم أُمِر بالإمساك. وأما صوم الإباحة: فمن أكل أو شرب ناسيًا من غير عمد، فقد أبيح له ذلك وأجزأه عن صومه. وأما صوم المريض وصوم المسافر فإنّ العامة اختلف فيه، فقال بعضهم: يصوم. وقال قوم: لا يصوم. وقال قوم: إن شاء صام، وإن شاء أفطر. وأما نحن فنقول: يفطران في الحالين جميعًا، فإن صام في السفر والمرض فعليه القضاء، قال الله عز وجل: ﴿فعدة من أيام أخر﴾

رجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٩٤، ١٠٠-١٠١ بتصرف) أنّ نفس الرجل الحر قَوَد قصاصًا بنفس المرأة الحرة، وأنّ معنى الآية: أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر. استنادًا إلى دلالة القرآن، والسُّنَّة، والقياس، فقال: «فإن قال قائل: فإنه -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر، ولا للأنثى إلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتص للحر من العبد، وللأنثى من الذَّكَر بقول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، وبالنقل المستفيض عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المسلمون تَتَكافأ دماؤهم»». وقال: «قد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ بالنقل العام أنّ نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصاصًا بنفس المرأة الحرة، فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل ما بين دية الرجل والمرأة على ما قد بينّا من قول عليٍّ وغيره، وكان واضحًا فساد قول مَن قال بالقصاص في ذلك والتراجع بفضل ما بين الديتين بإجماع جميع أهل الإسلام على أنّ حرامًا على الرجل أن يتلف من جسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه -فدع ما جميعه-، وعلى أنّ حرامًا على غيره إتلاف شيء منه مثل الذي حرم من ذلك بِعِوَضٍ يعطيه عليه؛ فالواجب أن تكون نَفْسُ الرجل الحر بنَفْسِ المرأة الحرة قَوَدًا. وإذا كان ذلك كذلك كان بيِّنًا بذلك أنّه لم يُرِد بقوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقاد العبد بالحر، وأن لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى. وإذا كان ذلك كذلك كان بَيِّنًا أنّ الآية مَعْنِيٌّ بها أحدُ المعنيين الآخرين: إما قولنا من أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر. وإما القول الآخر وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصةً، أمر النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي ومَن ذكرنا قوله. وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن المقاصّة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أنّ الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نسخه، وإذا كان كذلك، وكان قوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ يُنبِئُ على أنه فرض؛ كان معلومًا أن القول خلاف ما قاله قائل هذه المقالة؛ لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه فلا خيار لهم فيه، والجميع مجمعون على أن لأهل الحقوق الخيار في مقاصّتهم حقوقهم بعضها من بعض، فإذا تبين فساد هذا الوجه الذي ذكرنا؛ فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا»

سورة آل عمران — الآية ٩٢

عن رجل من بني سليم، قال: جاورتُ أبا ذر بالرَّبَذَة، وله فيها قطيع إبل، له فيها راعٍ ضعيف، فقلت: يا أبا ذر، ألا أكون لك صاحبًا؛ أكْنُف راعِيَك، وأقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فإما أنت مطيعي فأنت لي صاحب، وإلا فلا. قلت: ما الذي تسألني فيه الطاعة؟ قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضله. قال: فلبثت معه ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة، فقال: ائْتِنِي ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل، فإذا أفضلها فحلها ذَلُول، فهممت بأخذه، ثم ذكرت حاجتهم إليه، فتركته، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها، فحانت منه نظرة. فقال: يا أخا بني سليم، خُنتَني. فلما فهمتها منه خَلَّيْت سبيل الناقة، ورجعت إلى الإبل، فأخذت الفحل، فجئت به، فقال لجلسائه: مَن رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان: نحن. قال: أما لا فأَنيخاه، ثم اعْقِلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجَزِّئُوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتًا منها. ففعلوا، فلما فَرَّق اللحم دعاني، فقال: ما أدري، أحفظت وصيتي فظهرت بها، أم نسيت فأعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك، ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه، فذكرت حاجتكم إليه، فتركته. فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه. قلت: ما تركته إلا لذلك. قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟! إنّ يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي، إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن، مع أنّ الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وإن هذا الجمل كان مما أُحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي

سورة ص — الآية ٦٩

عن معاذ بن جبل، قال: احتبس عنّا رسولُ الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كِدنا نتراءى عينَ الشمس، فخرج سريعًا، فثوَّب[[التثويب: إقامة الصلاة. النهاية (ثوب).]] بالصلاة، فصلى رسولُ الله ﷺ، فلمّا سلم دعا بصوته، فقال: «على مصافِّكم كما أنتم». ثم انفتل إلينا، ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمتُ الليلة، فتوضأتُ، وصليتُ ما قُدِّر لي، ونعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربي -تبارك وتعالى- في أحسن صورة، فقال: يا محمد. قلت: لبيك، ربي. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. -قالها ثلاثًا- قال: فرأيتُه وضع كفه بين كتفي، فوجدت بردَ أنامله بين ثديي، فتجلى لي كلُّ شيء وعرفته، فقال: يا محمد. قلت: لبيك، رب. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلتُ: في الدرجات، والكفارات. فقال: ما الدرجات؟ فقلت: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام. قال: صدقت، فما الكفارات؟ قلت: إسباغ الوضوء في المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ونقل الأقدام إلى الجماعات. قال: صدقت، سل، يا محمد. قلت: اللهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضني إليك وأنا غير مفتون، اللهم، إني أسألك حبَّك، وحبَّ مَن أحبك، وحبَّ عملٍ يقربني إلى حبك». قال النبي ﷺ: «تعلموهن، وادرسوهن؛ فإنهن حق»[[أخرجه أحمد ٣٦/٤٢٢-٤٢٣ (٢٢١٠٩)، والترمذي ٥/٤٤٤-٤٤٥ (٣٥١٦)، والحاكم ١/٧٠٢ (١٩١٣) بنحوه. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠ (١٣): «أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة».]]

سورة الأحقاف — الآية ٢٤

قال مقاتل بن سليمان: قال هود: ليس هذا العارض ممطركم، ﴿بَلْ هُوَ﴾ ولكنه ﴿ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ لكم فيها ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يعني: وجيع. كان استعجالهم حين قالوا: يا هود: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢]. وكانوا أهل عمود سيّارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة [آرم] بن شيم بن سام بن نوح، وكانوا أصهاره، وكان طول أحدهم اثني عشر ذراعًا، وكان فيهم المُلْك، فلما كذّبوا هودًا حبس الله عنهم المطر ثلاث سنين، فلما دنا هلاكهم أوحى الله إلى الخُزّان -خُزّان الريح- أنْ أرسِلوا عليهم من الريح مِثل منخر الثَّور، فقالت الخُزّان: يا ربّ، إذًا تنسف الرّيح الأرضَ ومَن عليها. قال: أرسِلوا عليهم مِثل خرْق الخاتم. يعني: على قدْر حلقة الخاتم، ففعلوا، فجاءت ريح باردة شديدة تُسمّى: الدَّبور من وراء دكاوك الرمل، وكان المطر يأتيهم مِن تلك الناحية فيما مضى، فمن ثَمَّ ﴿قالوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾. فعمد هو، فخطّ على نفسه وعلى المؤمنين خطًّا إلى أصل شجرة ينبع من ساقها عين، فلم يدخل عليهم مِن الرّيح إلا النَّسيم الطيّب، وجعلت الرّيح شدتها تجيء بالظّعن بين السماء والأرض، فلما رأَوا أنها ريح قالوا: يا هود، إنّ ريحك هذه لا تزيل أقدامنا، ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، يعني: بطشًا، فقاموا صفوفًا، فاستقبلوها بصدورهم، فأزالت الرّيح أقدامهم. فقالوا: يا هود، إنّ ريحك هذه تزيل أقدامنا. فألْقتْهم الرّيح لوجوههم، ونسفت عليهم الرّمل، حتى إنه يُسمع أنين أحدهم مِن تحت الرّمل، فذلك قوله: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]

اختُلِف في معنى هذه الآية؛ فقال قوم: المعنى: يُحِبُّونهم كحُبِّ المؤمنين اللهَ، والذين آمنوا أشد حبًّا لله منهم لأوثانهم. وقيل: يحبونهم كما يحبون الله، والذين آمنوا أشد حبًّا لله منهم. ورَجَّح ابنُ تيمية (١‏/‏٣٩٤) مُسْتَنِدًا إلى القرآن القولَ الثاني بمفاده الآتي: أنهم إنما ذُمّوا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يُخْلِصوها لله كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء:٩٧-٩٨]، ومعلومٌ أنَّهم لم يُسَوُّوهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سَوُّوهُم به في المحبة والتعظيم. وانتَقَدَ ابنُ تيمية (١‏/‏٣٩٥-٣٩٦) القولَ الأول مُسْتَنِدًا لمخالفته الدلالات العقلية، فقال: «والأول قولٌ متناقضٌ، وهو باطلٌ؛ فإن المشركين لا يُحِبُّون الأنداد مثل محبة المؤمنين لله، فالمحبة تستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محبًّا لله ورسوله، مريدًا لِما يُحِبُّه الله ورسوله إرادةً جازمةً مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته دَلَّ على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه». ووجَّهَهُ ابنُ جرير (٣‏/‏١٨ بتصرف)، فقال: «فإن قال قائِلٌ: وهل كان مُتَّخِذُو الأندادِ يُحِبُّون اللهَ؛ فيُقال: يحبونهم كحب الله؟ قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما نظيرُ ذلك قولُ القائل: بعت غلامي كبيع غلامك. بمعنى: بعته كما بيع غلامك وكبيعك غلامك، واستوفيت حقي منه استيفاء حقك، بمعنى: استيفائك حقك. فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطب اكتفاء بكنايته في الغلام والحق. فمعنى الكلام إذًا: ومِن الناس مَن يتخذ -أيها المؤمنون- من دون الله أندادًا يحبونهم كحُبِّكُم اللهَ»

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في المقصود بقوله تعالى: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ على قولين: الأول: من أوسط أجناس الطعام الذي يقتاته أهل بلدِ المكفِّر. ثم اختلف هؤلاء في مقدار ما يُطْعِم، فمِن قائل: نصف صاع من حِنْطَة، أو صاع من سائر الحبوب غيرها، ومِن قائل: من كل شيءٍ من الحبوب مدٌّ واحد، ومِن قائل: غداءٌ وعشاءٌ. الثاني: من أوسط ما يُطْعِم المكَفِّرُ أهلَه في القلَّة والكثرة. وقد رجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٦٣٦-٦٣٧) مستندًا إلى السُّنَّة القول الثاني، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي، والضحاك، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنّ أحكام رسول الله ﷺ في الكفارات كلها بذلك وردت، ولا يُعْرَف له ﷺ شيءٌ من الكفارات أمَرَ بإطعام خبزٍ وإدامٍ، ولا بغداءٍ وعشاءٍ». وقد بيَّن ابنُ جرير أن للقول الأول وجاهةً لولا مجئ الأحاديث النبوية القاضية بخلافه، وبيَّن كذلك المقدار الواجب إخراجه على المعسر والموسر، فقال: «وإذا كان ذلك كذلك فأعدلُ أقوات الموسِعِ على أهله مُدّان، وذلك نصف صاع في رُبُعِه إدامُه، وذلك أعلى ما حَكَمَ به النبي ﷺ في كفارةٍ في إطعام مساكين، وأعدل أقوات المقتِر على أهله مُدٌّ، وذلك ربع صاع، وهو أدنى ما حكم به في كفارةٍ في إطعام مساكين». وقد وجَّه معنى ﴿ما﴾ من قوله تعالى: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ على القولين بأنها على القول الأول اسم، وعلى الثاني مصدر. وذهب ابنُ عطية (٣‏/‏٢٤١) إلى أن «الوجْه أن يعم بلفظ الوسط القدر والصنف». ورجَّح ابنُ تيمية (٢‏/‏٥٣٤ بتصرف) -ولم يذكر مستندًا- الرجوعَ إلى العُرْف في مقدار ما يُطْعِمُه المكَفِّر، فقال: «أمر الله تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يُطْعِم الناس أهليهم. وقد تنازع العلماءُ في ذلك: هل ذلك مُقَدَّر بالشرع، أو يرجع فيه إلى العُرْف؟ والراجح في هذا كُلِّه أن يرجع فيه إلى العُرْف، فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم»

نقل ابنُ جرير اختلاف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ ذلك كان يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم. الثاني: أنّ معناه: ما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يُكَذِّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم عليه السلام. الثالث: أنّ معنى الآية: ما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله لِيؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٣٣٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني الذي هو قول أبي بن كعب، والربيع، مُعَلِّلًا ذلك بقوله: «وذلك أنّ مَن سبق في علم الله -تبارك وتعالى- أنّه لا يؤمن به فلن يؤمن أبدًا، وقد كان سبق في علم الله تعالى لمن هلك من الأمم التي قصَّ نبأَهم في هذه السورة أنّه لا يؤمن أبدًا، فأخبر -جلَّ ثناؤه- عنهم أنّهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم. ولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض -يا محمد- من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده. كان وجهًا ومذهبًا، غير أني لا أعلم قائلًا قاله مِمَّن يُعْتَمد على علمه بتأويل القرآن». وهذا القول الذي جوّز صوابَه ابنُ جرير غيرَ ألاّ قائل له من أهل التأويل الذين يُعتمدُ على قولِهم قال به مقاتل بن سليمان، كما سيأتي في آثار تفسير الآية. وقد أشار ابنُ عطية (٤‏/‏١١) إلى قول أبي كعب، ثم علَّق عليه قائلًا: «فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم، لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل»

اختُلِف هل هذه الآية محكمة أم منسوخة. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٧٣-٧٤) مستندًا إلى عدم التنافي بين الآيتين القولَ بالإحكام، دون القول بالنسخ الذي قاله ابن زيد والسدي، فقال: «والصواب مِن القول في ذلك عندي: أنّ الله عنى بها الذين وصفهم بقوله: ﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم﴾ الآية [التوبة:٩٠]. ثم قال -جلَّ ثناؤه-: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا عن رسول الله، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه، أن يتخلفوا خلافه، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان ندب في غزوته تلك كلَّ مَن أطاق النهوض معه إلى الشخوص إلا مَن أذِن له، أو أمره بالمقام بعده، فلم يكن لِمَن قدر على الشخوص التَّخَلُّف، فعدَّد -جلَّ ثناؤه- من تخلف منهم، فأظهر نفاق مَن كان تخلفه منهم نفاقًا، وعَذَرَ مَن كان تخلفه كان لعذر، وتاب على مَن كان تخلفه تفريطًا مِن غير شكٍّ ولا ارتياب في أمر الله، إذ تاب مَن خطأ ما كان منه مِن الفعل. فأمّا التخلف عنه في حال استغنائه فلم يكن محظورًا، إذا لم يكن عن كراهته منه ﷺ ذلك، وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم، فليس بفرض على جميعهم النهوض معه، إلا في حال حاجته إليهم لما لا بد للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم، واستنهاضه إيّاهم، فيلزمهم حينئذ طاعته. وإذا كان ذلك معنى الآية لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخةً للأخرى، إذ لم تكن إحداهما نافيةً حكم الأخرى مِن كل وجوهه، ولا جاء خبر يُوجِب الحُجَّة بأن إحداهما ناسخة للأخرى». وعلَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٤٣٢) بعد ذكره للقولين بقوله: «وهذا كلُّه في الانبعاث إلى غزوِ العَدُوِّ على الدخول في الإسلام، وأمّا إذا ألَمَّ العدوُّ بجهةٍ فمُتَعَيِّنٌ على كُلِّ أحدٍ القيامُ بذَبِّه ومكافحته»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.. ﴾ على أقوال: الأول: أنها رؤيا عين، وهي ما رأى النبي ﷺ لما أسري به من مكة إلى بيت المقدس. الثاني: أنها رؤيا منام، وهي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة. الثالث: أنها رؤيا منام؛ إنما كان رسول الله ﷺ رأى في منامه قومًا يعلون منبره. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٦٤٦-٦٤٧) مستندًا لإجماع الحجة من أهل التأويل القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى به: رؤيا رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أول هذه السورة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل على أنّ هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عز وجل بها». وبنحوه ابنُ كثير (٩‏/‏٣٦-٣٧). ووجّه ابنُ عطية (٥‏/‏٥٠٣) قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ على القول الأول، فقال: «فعلى هذا يحسن أن يكون معنى قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما خلق له، أي: فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك: إن الله محيط بهم، مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر. وسميت الرؤية في هذا التأويل: رؤيا، إذ هما مصدران من رأى». ووجّه القول الثالث، فقال: «ويجيء قوله: ﴿أحاط بالناس﴾ أي: بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك، وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ [الأنبياء:١١١]». ثم انتقده بقوله: «وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية»