قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾: يا بني إسرائيل، ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ بأرض مصر قبل الغَرَق، وذلك أن أخوين كانا في بنيإسرائيل، فقتلا ابنَ عم لهما ليلًا بمصر لِيَرِثاه، ثم حملاه فألقياه بين القريتين، عن أبي مليكة، عن ابن عباس أنّه قال: قاسوا ما بين القريتين فكانتا سواء، فلما أصبحوا أخذوا أهل القرية، فقالوا: واللهِ، ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلًا. قالوا: يا موسى، ادع لنا ربك، يطلع على القاتل إن كنت نبيًا كما تزعم. فدعا موسى ربه - عز وجل -، فأتاه جبريل - عليه السلام -، فأمره بذبح بقرة. فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فتضربوه ببعضها فيحيا، فيخبركم بقاتله. واسم المقتول: عاميل
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أمَر موسى بني إسرائيل، فقال: لِيذبَحْ كلُّ رجلٍ منكم كَبْشًا، ثُمَّ ليَخْضِبْ كفَّه في دمِه، ثم ليَضْرِبْ على بابِه. فقالتِ القِبْطُ لبني إسرائيل: لِمَ تجعَلون هذا الدَّم على بابِكم؟ قالوا: إنّ الله يرسلُ عليكم عذابًا؛ فنَسلَمُ، وتَهلِكون. قال القِبْطُ: فما يَعرِفُكم اللهُ إلا بهذه العلامات! قالوا: هكذا أمرنا نبيُّنا. فأصبَحوا وقد طُعِن من قوم فرعون سبعون ألفًا، فأمسَوا وهم لا يتدافَنون، فقال فرعونُ عند ذلك: ﴿ادعُ لنا ربَّك بما عهد عندك لئن كشفتَ عنّا الرجزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل﴾. والرِّجْزُ: الطاعون، فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم، فكان أوفاهم كلهم فرعون، قال: اذهَبْ ببني إسرائيل حيثُ شئتَ
عن أنس بن مالك -من طريق أبي عثمان البصري- قال: لَمّا تزوج النبيُّ ﷺ زينب أهْدَتْ إليه أم سُليم حَيْسًا في تور مِن حجارة، قال أنس: فقال النبي ﷺ: «اذهب، فادعُ مَن لقيت». قال: فدعوت له مَن لقيتُ، فجعلوا يدخلون، فيأكلون ويخرجون، ووضع النبي ﷺ يدَه على الطعام فدعا فيه -أو قال فيه ما شاء الله أن يقول-، ولم أدَعْ أحدًا لقيتُه إلا دعوتُه، فأكلوا حتى شبعوا، وخرجوا، وبقيت طائفة منهم، فأطالوا عنده الحديث، فجعل النبيُّ يستحيي منهم أن يقول لهم شيئًا، فخرج وتركهم في البيت؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾
انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٦٩٥-٦٩٦) هذا القول مستندًا إلى الإجماع، فقال: «ويُقال لِمَن زعَم أنّ ذلك منسوخ: ما الدَّلالةُ على نسخِه؟ وقد أجمع الجميعُ -لا خلافَ بينهم- على أنّ للرجل أن يُنفِقَ من مالِه صدقةً وهِبةً ووَصِيَّةً الثلث، فما الذي دلَّ على أنّ ذلك منسوخ؟ فإن زعم أنّه يعني بقوله:»إنه منسوخ«أنّ إخراج العَفْوِ من المال غيرُ لازم فَرْضًا، وأنّ فرض ذلك ساقطٌ بوجود الزكاة في المال. قيل له: وما الدليل على أنّ إخراج العَفْوِ كان فرضًا فأسقطه فرْضُ الزكاة؟ ولا دلالةَ في الآية على أنّ ذلك كان فرضًا؛ إذ لم يكن أمْرٌ من الله -عَزَّ ذِكْرُه-، بل فيها الدلالةُ على أنّها جوابُ ما سأل عنه القومُ على وجْهِ التَّعَرُّف لِما فيه لله الرِّضا من الصدقات، ولا سبيل لِمُدِّعي ذلك إلى دلالة تُوجِب صِحَّة ما ادَّعى»
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، قال: لَمّا أمر النبي ﷺ بحَفر الخندق عَرَضَت لهم صخرةٌ حالَت بينهم وبين الحفر، فقام النبي ﷺ، وأخذ المِعْوَل، ووضع رداءه ناحية الخندق، وضرب، وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾. فنَدَرَ ثُلُثُ الحجر، وسلمان الفارسي قائمٌ ينظر، فبرق مع ضربة رسول الله ﷺ برقة، ثم ضرب الثانية، وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾. فندر الثُّلُث الآخر، فبرق برقةً يراها سلمان، ثم ضرب الثالثة، وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾. فندر الثُّلُث الباقي، وبرق برقة، وخرج رسول الله ﷺ، وأخذ رداءه، وجلس، قال سلمان: يا رسول الله، رأيتك حين ضربتَ لا تضرب ضربةً إلا كانت معها برقة. قال له رسول الله ﷺ: «يا سلمانُ، رأيتَ ذلك؟». قال: إي، والذي بعثك بالحقِّ، يا رسول الله. قال: «فإنِّي حين ضربتُ الأولى رُفِعَتْ لي مدائنُ كسرى وما حولها، ومدائن كثيرة، حتى رأيتها بعيني». فقال له مَن حضره مِن أصحابه: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يفتحها علينا، ويُغْنِمَنا ذراريَهم، ويخرب بأيدينا بلادهم. قال: فدعا رسول الله ﷺ بذلك. «ثم ضربتُ الضربة الثانية، فرُفِعَت إلَيَّ مدائن قيصر وما حولها، حتى رأيتها بعيني». قال: يا رسول الله، ادعُ الله يفتحها علينا، ويُغْنِمنا ذراريَهم. فدعا رسول الله ﷺ. «ثم ضربتُ الثالثة، فرُفِعَت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى، حتى رأيتها بعيني». فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «دَعوا الحبشة ما ودَعُوكم، واتركوا التُرْك ما تركوكم»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وانظر إلى العظام﴾ قال: وانظر إلى عظامك كيف نحييها حين سألتنا: كيف نحيي هذه؟ قال: فجعل اللهُ الروحَ في بصره وفي لسانه، ثم قال: ادعُ الآن بلسانك الذي جعل الله فيه الروح، وانظر ببصرك. قال: فكان ينظر إلى الجمجمة. قال: فنادى ليلحق كل عظم بألِيفِه. قال: فجاء كلُّ عظم إلى صاحبه، حتى اتَّصَلَتْ وهو يراها، حتّى إنّ الكِسْرة من العظم لتأتي إلى المَوْضِع الذي انكسرت منه، فتلصَقُ به، حتى وصل إلى جمجمته، وهو يرى ذلك، فلمّا اتصلت شَدَّها بالعصب والعروق، وأجرى عليها اللحم والجلد، ثم نفخ فيها الروح، ثم قال: ﴿انظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحمًا فلما تبين له قال أعلم أن الله على شيء قدير﴾. قال: ثُمَّ أمر فنادى تلك العظام التي قال: ﴿أنّى يُحيي هذه الله بعد موتها﴾ كما نادى عِظامَ نفسه، ثم أحياها الله كما أحياهُ
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر بن أبي المغيرة- قال: سألتْ قريشٌ اليهودَ، فقالوا: حَدِّثونا عمّا جاءكم به موسى من الآيات. فحَدَّثُوهم بالعصا، وبيده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات، فأخبروهم أنه كان يُبْرِئ الأَكْمَه والأَبْرَص، ويُحْيِي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبي ﷺ: ادعُ الله أن يجعل لنا الصفا ذهبًا؛ فنزداد به يقينًا، ونَتَقَوّى به على عَدُوِّنا. فسأل النبي ﷺ ربه، فأوحى الله إليه: إنِّي مُعْطِيهم ذلك، ولكن إن كَذَّبوا بعدُ عَذَّبتُهم عذابًا لا أُعَذِّبه أحدًا من العالمين. فقال: «ذَرْني وقومي، فأدعوهم يومًا بيوم». فأنزل الله عليه: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ الآية: إن في ذلك لآية لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبًا ليزدادوا يقينًا؛ فخلقُ السموات والأرض واختلافُ الليل والنهار أعظمُ من أن أجعل لهم الصفا ذهبًا
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: قد كان قائمٌ قام عليهم، فأخَذ بالكتاب والسنة زمانًا، فأتاه الشيطان، فقال: إنّما تَرْكَبُ أثرًا وأمْرًا قد عُمِل به قبلَك فلا تُحْمَدُ عليه، ولكن ابْتدِعْ أمرًا مِن قِبَلِ نفسِك، وادْعُ إليه، واجْبُرِ الناسَ عليه. ففعَل، ثم ادَّكر مِن بعدِ فعلِه زمانًا، فأراد أن يتُوبَ، فخلَع سلطانَه ومُلْكَه، وأراد أن يَتَعبَّد، فلبِث في عبادتِه أيامًا، فأُتي، فقيل له: لو أنك تُبْتَ مِن خطيئةٍ عَمِلْتَها فيما بينَك وبينَ ربِّك عسى أن يُتابَ عليك، ولكن ضَلَّ فلانٌ وفلانٌ في سبيلِك حتى فارَقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم؟! فلا توبةَ لك أبدًا. ففيه سمِعنا وفي أشباهِه هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾
عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: إذا خرجتُ أواجبٌ السلامُ؟ هل أُسَلِّم عليهم؟ فإنما قال: ﴿إذا دخلتم بيوتا فسلموا﴾. قال: ما أعلمه واجبًا، ولا آثر عن أحد وجوبه، ولكن أحب إلَيَّ، وما أدعه إلا ناسيًا، قال ابن جريج: وقال عمرو بن دينار: لا. قال: قلت لعطاء لعطاء [بن أبي رباح]: فإن لم يكن في البيت أحد؟ قال: سلِّم، قل: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. قلت له: قولك هذا إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد، عمَّن تأثره؟ قال: سمعته، ولم يؤثر لي عن أحد، وأخبرني عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: السلام علينا من ربنا، وقال عمرو بن دينار: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين
عن سعد بن أبي وقاص -من طريق مصعب- قال: نزلت فِيَّ هذه الآية: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾، كُنتُ رجلًا بَرًّا بأمي، فلمّا أسلمتُ قالتْ: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثتَ؟! لَتَدَعَنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعَيَّر بي، فيُقال: يا قاتلَ أُمِّه. قلتُ: لا تفعلي، يا أُمَّه؛ فإنِّي لا أدعُ ديني هذا لشيء. فمكثتْ يومًا آخر وليلة لا تأكل، فأصبحتْ قد جهدتْ، فمكثت يومًا آخر وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدُها، فلما رأيتُ ذلك قلتُ: يا أُمَّه، تعلمين -واللهِ- لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئتِ فكلي، وإن شئت فلا تأكلي. فلمّا رأت ذلك أكلت؛ فنزلت هذه الآية