عن ميمون بن مهران -من طريق أبي المليح- قال: ما أُحِبُّ أنِّي أُعطِيتُ درهمًا في لهو وأنّ لي مكانه ألفًا، نخشى مَن فعل ذلك أن تُصِيبه هذه الآية: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ الآية
قال إبراهيم بن الأشعث: كثيرًا ما رأيت الفُضيل بن عِياض يردّد مِن أول الليلة إلى آخرها هذه الآية ونظائرها: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾، ثم يقول: يا فُضيل، ليتَ شعري، مِن أيّ الفريقين أنت؟
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿إذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ الآية، قال: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في مجالس الذِّكْر، وذلك أنهم كانوا إذا رَأوا أحدهم مُقْبِلًا ضنُّوا بمجالسهم عند رسول الله ﷺ، فأمرهم اللهُ أن يَفسَح بعضهم لبعض
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: أسلمَ ناسٌ مِن أهل قُرَيظة والنَّضِير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النَّضِير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ فنَزَلَتْ فيهم هذا الآية: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ﴾ الآية
نَقَلَ ابنُ عطية (١/٥٣٩) عن ابن عباس عمومَ الآية لحُرْمَةِ الزواجِ من الوَثَنِيّاتِ، والمَجُوسِيّات، والكِتابِيّات، وكُلِّ مَن كان على غير الإسلام. ثُمَّ عَلَّق بقوله: «فعلى هذا هي ناسخةٌ للآية التي في سورة المائدة، وينظر إلى هذا قول ابن عمر»
ذكر ابنُ كثير (٤/١٣٨) الرواياتِ المختلفة في نزول الآية، ثُمَّ رَجَّح العمومَ فيها، فقال: «والآيةُ أعمُّ مِن ذلك كله، فإنها ذامَّةٌ لِمَن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا»
وجّه ابنُ جرير (٨/٥٢٤ بتصرف) معنى الآية على قول شهر بن حوشب ومَن قال بقوله، فقال: «وتأويل الآية على قول مَن قال: عني بذلك: أهل اليمن. فإنّ تأويله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدوا بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانًا لهم وأنصارًا». ووجَّهه ابنُ عطية (٣/١٩٧)، فقال: «ومعنى الآية على هذا القول [أي: قول من قال هم أهل اليمن]: مخاطبة جميع مَن حضر عصر النبي ﷺ على معنى التنبيه لهم، والعتاب، والتوعد»
رجّح ابنُ كثير (١٤/١٧٦) بهذا الأثر أنّ الآيات الأولى من سورة اقرأ هي أول آيات القرآن نزولًا، حيث قال معلقًا على هذا الأثر: «هذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نَزل الوحي قبل هذا؛ لقوله: «فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء». وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق... ﴾، ثم إنه حَصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا». ثم وجّه ما جاء في بعض الروايات عن جابر وتفيد أنّ آيات المُدَّثِّر هي أول آيات القرآن نزولًا بقوله: «ووجه الجمع: أنّ أول شيء نَزل بعد فترة الوحي هذه السورة». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٤١٩)
المراد بالفتيات في الآية: الإماء. واختُلِف في نكاح الإماء غير المؤمنات على قولين: أحدهما: أنّه لا يجوز، فالإيمان شرط في نكاحهن، بدلالة قوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾. والآخر: أنّه جائز، بدلالة آية المائدة، وأما ما ورد هنا فهو على سبيل الندب، والإرشاد للأفضل، وليس شرطًا. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٦٠٠) القولَ الأولَ، وهو قول مجاهد، وأبي عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم استنادًا إلى ظاهر الآية، فقال: «أوْلى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب؛ فإنّهُنَّ لا يحللن إلا بملك اليمين؛ وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- أحلَّ نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماهن فيهنَّ فغيرُ جائز لمسلم نكاحهن». وانتَقَدَ (٦/٦٠١ بتصرف) القولَ الثاني بأنّ آية النساء مُخَصِّصَة لآية المائدة، فقال: «إن قال قائل: فإنّ الآية التي في المائدة تدل على إباحتهن بالنكاح. قيل: إنّ التي في المائدة قد أبان أنّ حكمها في خاصٍّ مِن محصناتهم وأنها معنيٌّ بها حرائرهم دون إمائهم قولُه: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، فغيرُ جائزٍ أن يحكم لإحداهما بأنها دافعةٌ حكمَ الأخرى، إلا بحُجَّةٍ يجب التسليمُ لها من خبر أو قياس، ولا خبر بذلك ولا قياس، والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم»
قال ابنُ كثير (٣/٣٦٧): «هذه الآية الكريمة، والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة؛ هُنَّ آياتُ علم الفرائض، وهو مستنبط مِن هذه الآيات الثلاث، ومِن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك». وقال أيضًا (٣/٣٧١ بتصرف): «وقد استنبط بعضُ الأذكياء مِن هذه الآية: أنّه تعالى أرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعُلِم أنّه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأةً مِن السبي فُرِّق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته مِن السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أترون هذه طارِحَةً ولدَها في النار وهي تقدِرُ على ذلك؟». قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فواللهِ، لَلهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولدها»»