عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ، في قوله: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾، قال: «قال لي جبريل: إذا نظرتُ إلى الرجل مِن أُمّتك عرفتُ أنّه مِن أهل الصلاة من أثَر الوضوء، وإذا أصبح عرفتُ أنه قد صلّى مِن الليل، وهو -يا محمد- العفاف في الدّين، والحياء، وحُسن السَّمْت»
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: منّوا على النبي -عليه الصلاة والسلام- حين جاءوه، فقالوا: إنّا قد أسْلَمنا بغير قتال، لم نُقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان. فقال الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ هَداكُمْ لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
عن عبد الله بن عباس، قال: شهدتُ الصلاة يوم الفطر مع الرسول ﷺ، فنزل، فأقبلَ حتى أتى النساء، فقال: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شيئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ حتى فرغ من الآية كلّها، ثم قال حين فرغ: «آنتُنَّ على ذلك؟». قالت امرأة: نعم
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ولا يحلّ له البيع إذا سمع النّداء الذي يكون بين يدي الإمام إذا قعد على المنبر. وقرأ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾، قال: ولم يأمرهم يَذَرون شيئًا غيره، حرَّم البيعَ، ثم أذِن لهم فيه إذا فَرغوا من الصلاة
وجَّه ابنُ جرير (٧/٤٠٩ بتصرف) المعنى على هذه القراءة، فقال: «تأويل قراءة أُبي هذه: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن لا يفتنكم الذين كفروا. فحذفت»لا«لدلالة الكلام عليها، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء:١٧٦]، بمعنى: أن لا تضلوا»
اختلف السلف في معنى الصلاة في قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ على قولين: الأول: أنها الدعاء. الثاني: أنها الصلاة المعروفة، وعلى هذا القول ففي المنهي عن الجهر به منها أقوال: الأول: أن الذي نهي عن الجهر به منها: القراءة. الثاني: عني به: النهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة. الثالث: أن المراد به: إخفاء صلاة النبي بمكة وعدم الجهر بها. الرابع: أن المعنى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾: تحسنها من إتيانها في العلانية، ﴿ولا تخافت بها﴾: تسيئها في السريرة. الخامس: أن المعنى: ولا تجهرْ بصلاة النهار، ولا تخافتْ بصلاة الليل، واتبع أمر الله في هذا. وذكر ابنُ عطية (٥/٥٥٨) القول الأول، ووجّهه بقوله: «فهذا على حذف مضاف، التقدير: ولا تَجْهَرْ بقراءة صلاتك». وقد رجّح ابنُ جرير (١٥/١٣٦-١٣٧) القول الأول مستندًا إلى صحة السند إلى الصحابي، وإلى السياق، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ما ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس؛ لأنّ ذلك أصح الأسانيد التي روي عن صحابي فيه قول مخرجًا، وأشبه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ عقيب قوله: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾، وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن، وذلك بعدهم منه ومن الإيمان. فإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى وأشبه بقوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون على انصرافه عنه دليل يعلم به الانصراف عما هو في سياقه». ثم قال عن القول الخامس: «ولولا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل، وأنا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم؛ لكان وجهًا يحتمله التأويل أن يقال: ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها، وهي صلاة النهار؛ لأنها عجماء، لا يجهر بها، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها، وهي صلاة الليل، فإنها يجهر بها ﴿وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها، لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلها. فكان ذلك وجهًا غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نرى ذلك صحيحًا لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه»
انتَقَدَ ابنُ جرير (٨/١٦١-١٦٢) القولَ بالنسخ في الآية؛ لإجماع الحُجَّة على عَدَمه، وقال معلِّقًا على أثر عبد الله بن حنظلة: «إن ظَنَّ ظانٌّ أنّ في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة، أنّ النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة؛ دلالةً على خلاف ما قلنا: مِن أنّ ذلك كان ندبًا للنبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، وخُيِّل إليه أنّ ذلك كان على الوجوب؛ فقد ظَنَّ غير الصواب، وذلك أنّ قول القائل: أمر الله نبيه ﷺ بكذا وكذا، مُحْتَمِلٌ من وجوهٍ لأمر الإيجاب، والإرشاد، والندب، والإباحة، والإطلاق، وإذ كان محتملًا ما ذكرنا من الأوجه كان أوْلى وجوهه به ما على صحته الحجة مُجْمِعة دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقيقة مُدَّعيه. وقد أجمعت الحُجَّة على أنّ الله عز وجل لم يُوجِب على نبيِّه ﷺ، ولا على عباده فرضَ الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صِحَّة ما قُلنا مِن أنّ فعل النبي ﷺ ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله -عز ذكره- إلى فِعْلِه، وندب إليه عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، وأنّ تركه في ذلك الحال التي تركه كان ترخيصًا لأمته، وإعلامًا منه لهم أنّ ذلك غير واجب، ولا لازم له ولا لهم، إلا مِن حَدَث يُوجِب نَقْضَ الطُّهْر»
عن مروان، أنّه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم. قال مروان: متى؟ قال: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة؛ صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبَّر رسول الله ﷺ، فكبر الكل، ثم ركع ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي خلفه، ثم سجد، فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام رسول الله ﷺ، وقامت الطائفة التي معه، وذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه، وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومَن معه، ثم كان السلام، فسلم رسول الله ﷺ، وسلَّموا جميعًا، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل واحدة من الطائفتين ركعة ركعة
عن معاذ بن جبل، قال: كنتُ مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبيَّ الله، أخبِرني بعمل يدخلني الجنة ويُباعدني عن النار. قال: «لقد سألتَ عن عظيم، وإنّه لَيسير على مَن يسَّره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل». ثم قرأ: ﴿تَتَجافى جنُوبهم عَن المضاجِع﴾ حتى بلغ ﴿يعملون﴾. ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟». فقلت: بلى، يا رسول الله. قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟». فقلت: بلى، يا نبي الله. فأخذ بلسانه، فقال: «كُفَّ عنك هذا». فقلت: يا رسول الله، وإنّا لَمُؤاخَذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكِلَتْكَ أُمُّك، يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!»
أفادت الآثارُ اختلاف السلف في تأويل قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣] هل ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه طلب الماء، أم ذلك أمْرٌ منه بالتيمم كلما لزمه الطلب وهو محدث حدثًا يجب عليه منه الوضوء بالماء لو كان للماء واجدًا؟ وقد رجّح ابن جرير (٧/٩٧) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، فقال: «وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: يتيمم المصلي لكل صلاة لزمه طلب الماء للتطهر لها فرضًا؛ لأن الله -جل ثناؤه- أمر كل قائم إلى الصلاة بالتطهر بالماء، فإن لم يجد الماء فالتيمم، ثم أخْرَج القائمَ إلى الصلاة من كان قد تقدم قيامه إليها الوضوء بالماء سنةُ رسول الله ﷺ، إلا أن يكون قد أحدث حدثًا ينقض طهارته، فيسقط فرض الوضوء عنه بالسنة. وأما القائم إليها وقد تقدم قيامه إليها بالتيمم لصلاة قبلها، ففرض التيمم له لازم بظاهر التنزيل بعد طلبه الماء إذا أعْوَزه»