عن إبراهيم بن بشار، قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: قال الله عز وجل: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾، فأعْلَمَكَ أنّ بتقواه تَسْتَوْجِبُ جميلَ الثواب، وينجو المتقون مِن سكرات يوم الحساب، ويؤولون إلى خير باب. ثم قال: صدق الله: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل:١٢٨]
اختُلِف في معنى الإحسان الذي وصف به الفَتيان يوسف على قولين: الأول: أنّه كان يعود مريضهم، ويعزي حزينهم. الثاني: أنّ المعنى: إذ نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه تكون من المحسنين. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/١٥٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول الذي قاله الضحاك، وقتادة، ومقاتل، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة». ثم قال: «فإن قال قائل: وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علمتَ أن مسألتهما يوسفُ أن ينبئهما بتأويل رؤياهما ليست مِن الخبر عن صفته بأنّه يعود المريض ويقوم عليه ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال للرجل: نبِّئنا بتأويل هذا فإنك عالم. وهذا مِن المواضع التي تَحسن بالوصف بالعلم لا بغيره؟ قيل: إنّ وجه ذلك أنهما قالا له: نبِّئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيّانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك، إنا نراك من المحسنين»
ذكر ابنُ عطية (٥/١٢٨) في قوله: ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ احتمالين: أحدهما: «أن يكون مجازًا، وهم يعلمون أنّه لا يصح أخذُ حُرٍّ لِيُسْتَرَقَّ بدلَ مَن أحكمت السنة رقه، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا. وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك تبالغ في اسْتِنزاله، وعلى هذا يتجه قول يوسف: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾؛ لأنّه تَعَوُّذ مِن غير جائز». والآخر: «أن يكون قولهم: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ حقيقة، وبعيد عليهم -وهم أنبياء- أن يريدوا استرقاق حُرٍّ، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي: خذ أحدنا حتى ينصرف إليك صاحبك». وكذا ذكر في قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ احتمالين، فقال: «وقولهم: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ يحتمل أن يريدوا وصفَه بما رأوه من إحسانه في جميع أفعاله معهم ومع غيرهم. ويحتمل أن يريدوا: إنّا نرى لك إحسانًا علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا. وهذا تأويل ابن إسحاق»
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ألهم ذنوب؟ أي ربِّ نعم، ﴿لَهُمْ﴾ فيها ﴿ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهُمْ أجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقرأ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ لئلا ييأس مَن لهم الذنوب أن لا يكونوا منهم، ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢-٤]. وقرأ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب:٣٥]
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾ الآية، قال: كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية، فلما بعث الله نبيَّه قالوا: لو أتينا محمدًا ﷺ، فآمنّا به، واتّبعناه. فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسولُه في دينه؟ فقالوا: ألا نبعثُ إلى رسول الله ﷺ رجلًا! فلمّا بعثوا، نزل القرآن: ﴿قل يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِين﴾
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق يزيد- قوله: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فقال: يا أبت، اقذفني للوجه؛ كيلا تنظر إلَيَّ فترحمني، وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع، ولكن أدْخِل الشفرة مِن تحتي، وامضِ لأمر الله. فذلك قوله: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فلمّا فعل ذلك ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾
ذكر ابنُ عطية (٧/٣٩٦) لتعلق اللام في قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ احتمالين: الأول: «أن تتعلق بقوله تعالى: ﴿المُحْسِنِينَ﴾، أي: الذين أحسنوا لكي يكفِّر. قاله ابن زيد»، والثاني: «أن تتعلق بفعل مضمر مقطوع مما قبله، كأنك قلت: بشَّرهم الله تعالى بذلك ليُكَفِّر. لأن التكفير لا يكون إلا بعد التيسير للخير، و﴿أسْوَأَ الذِي عَمِلُوا﴾ هو كُفْر أهل الجاهلية ومعاصي أهل الإسلام»
عن حُمَيْدِ بن مَنهَب، قال: بلغ معاويةَ أنّ ابنَ الزبير يشتم أبا سفيان، قال: بئس -لَعَمْرُ اللهِ- ما يقول في عمّه، لكني لا أقول في أبي عبد الله إلا خيرًا، رحمة الله عليه، إن كان لامرءًا صالحًا، خرج أبو سفيان إلى باديةٍ له مُردفًا هندًا، وخرجتُ أسيرُ أمامها وأنا غلامٌ على حِمارة لي، إذ لحقنا رسولُ الله ﷺ، فقال أبو سفيان: انزل، يا معاوية، حتى يركب محمد. فنزلتُ عن الحمارة، فركبها رسول الله ﷺ، فسار أمامهما هُنَيْهَةً، ثم التفتَ إليهما، فقال: «يا أبا سفيان بن حرب، ويا هند بنت عُتبة، واللهِ، لتمُوتُنّ، ثم لتُبعثُنّ، ثم ليدخلنّ المحسن الجنة، والمسيء النار، وإن ما أقول لكم حق، وإنكم أول من أُنذر». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت:١-١١]. فقال له أبو سفيان: أفرغتَ، يا محمد؟ قال: «نعم». ونزل رسول الله ﷺ عن الحمارة، وركبتُها، فأقبلتْ هند على أبي سفيان، فقالت: ألِهَذا الساحر الكذّاب أنزلتَ ابني؟! قال: واللهِ، ما هو بساحر، ولا كذّاب
عن الضحاك بن مُزاحِم، في قوله: ﴿ما على المحُسنين من سبيلٍ﴾، قال: ما على هؤلاء مِن سبيلٍ بأنّهم نصَحوا لله ورسولِه ولم يُطِيقوا الجهاد، فعذَرهم اللهُ، وجعَل لهم مِن الأجرِ ما جعَل للمجاهدين، ألم تسمعْ أنّ اللهَ يقول: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضَّرر﴾ [النساء:٩٥]؟ فجعَل اللهُ لِلَّذين عَذَرَ مِن الضعفاءِ، وأولي الضَّرَر، والَّذين لا يَجدِون ما يُنفِقون؛ مِن الأجرِ مثلَ ما جعَل للمجاهدين
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، يقول: من المهتدين، فأخبر اللهُ -سبحانه- أنهم لو رُدّوا لم يقدروا على الهدى، قال الله تعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]، وقال: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]، قال: ولو رُدّوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حُلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا