في أول آيات القرآن نزولًا قولان، كما في قول يحيى بن سلام. وقد رجح ابنُ عطية (٨/٤٥١) -مستندًا إلى السنة- أن الآيات الأولى من سورة اقرأ هي أول القرآن نزولًا، فقال: «واختلف الناس في أول ما نزل من كتاب الله تعالى؛ فقال جابر بن عبد الله، وأبو سلمة، والنَّخَعي، ومجاهد هو: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ الآيات. وقال الزُّهريّ، والجمهور هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهذا هو الأصح، وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ نزلت في الجُلاسِ بن سويد، وسِماك بن عمر، ووداعة بن ثابت، والمَخْشِيُّ بن حُمَيِّرٍ الأشجعى، وذلك أنّ المخشي قال لهم: واللهِ، لا أدري أنِّي أشرُّ خليقة الله، واللهِ، لوددت أنِّي جُلِدت مائةَ جلدة وأنّه لا ينزل فينا ما يفضحنا. فنزل: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾
عن عمر مولى غُفْرةَ -من طريق عبد الله بن عياش-: أنّ الكنز الذي قال اللهُ في السورة التي يُذكر فيها الكهف: ﴿وكان تحته كنز لهما﴾، قال: كان لوح من ذهب مُصْمَت، مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عَجَبٌ ممن عرف الموت ثم ضحِك! وعَجَبٌ ممن أيقن بالقدر ثم نصِب! وعَجَبٌ ممن أيقن بالموت ثم أمِن! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ * وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ * وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، قال: هذا قول الملائكة، يُنَزِّهون اللهَ عما قالت اليهودُ، حيث جعلوا بينه وبين الجنة نسبًا، ويخبرون بمكانهم في السموات في صفوفهم وتسبيحهم، وهو قوله في أول السورة: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾، ليس في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد
عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن زيد، أنّ النبي - ﷺ - لَمّا رجع من الحُدَيبية قال: «لقد أُنزلت عَلَيَّ سورةٌ أحبّ إلَيَّ مِمّا طلعت عليه الشمسُ وغربت». فقالوا: اقرأها علينا، يارسول الله. فقرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وماتأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾
عن عبد الله بن عباس، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى يهود خَيْبَر: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه المصدِّق لِما جاء به موسى: ألا إنّ الله قد قال لكم -يا معشر أهل التوراة، وإنكم تجدون ذلك في كتابكم-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾» إلى آخر السورة
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: فَرض الله قيام الليل في أول هذه السورة، فقام أصحاب النبيِّ ﷺ حتى انتَفختْ أقدامهم، وأَمسَك الله خاتمتها حَوْلًا، ثم أنزل الله التّخفيف في آخرها فقال: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرْضى﴾ إلى قوله: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾، فنَسَخ ما كان قبلها، فقال: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ فريضتان واجبتان، ليس فيهما رخصة
عن ابن عباس، قال: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ يعني: ما أنت مِن عِلْمها، يا محمد! ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ يعني: مُنتهى علمها. فقال النبى ﷺ: «يا أهل مكة، إنّ الله احتجب بخمس لم يُطْلِع عليهن مَلَكٌ مُقَرَّب ولا نبي مُرْسَل، فمَن ادعى عِلمهنّ فقد كفر: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾» إلى آخر السورة [لقمان:٣٤]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ يَقرع الله عز وجل أعداءه بالعذاب، ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ تعظيمًا لها لشدّتها، وكلّ شيء في القرآن ﴿وما أدْراكَ﴾ فقد أخبر به النبي ﷺ، وكلّ شيء في القرآن ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ فما لم يخبر به؛ وفي الأحزاب [٦٣]: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، وقال فى هذه السورة: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾، ثم أخبر عنها فقال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم- قال: لَمّا اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور، وعلَّمه صنعة الحديد، فألانه له، وأمر الجبال والطير أن يُسَبِّحْنَ معه إذا سبَّح، ولم يُعط اللهُ -فيما يذكرون- أحدًا مِن خلقه مثلَ صوته، كان إذا قرأ الزبور- فيما يذكرون- تدنو له الوحوش حتى يأخذ بأعناقها، وإنها لَمُصِيخَةٌ تسمع لصوته، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصُّنوج إلا على أصناف صوته، وكان شديدَ الاجتهاد، دائب العبادة، فأقام في بني إسرائيل يحكم فيهم بأمر الله نبيًّا مُستَخلفًا، وكان شديد الاجتهاد من الأنبياء، كثير البكاء، ثم عرض مِن فتنة تلك المرأة ما عرض له، وكان له محراب يتوحَّد فيه لتلاوة الزبور، ولصلاته إذا صلى، وكان أسفل منه جُنينة لرجل مِن بني إسرائيل، كان عند ذلك الرجل المرأةُ التي أصاب داودَ فيها ما أصابه