قال مقاتل بن سليمان:.... فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلتْ عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية. فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن ما لك عند الله وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنّة، وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾
عن عبد الله بن عمرو، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ، فقال: أقرِئني، يا رسول الله. قال: «اقرأ ثلاثًا مِن ذوات ﴿الر﴾». فقال الرجل: كَبر سِنّي، واشتد قلبي، وغَلُظ لساني. قال: «اقرأ ثلاثًا من ذوات ﴿حم﴾». فقال مثل مقالته الأولى، فقال: «اقرأ ثلاثًا من المسبّحات». فقال مثل مقالته، ولكن أقرِئني -يا رسول الله- سورة جامعة. فأقرَأه: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها﴾ حتى فرغ منها، قال الرجل: والذي بعثك بالحقّ، لا أزيد عليها. ثم أدبَر، فقال رسول الله ﷺ: «أفلح الرُّويجل، أفلح الرُّويجل»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ قال: كان الرجل إذا أراد سفرًا نظر في أمره؛ فإن كان السفر الذي يريده يعلم أنه يذهب ويرجع قبل أن يمضي الشهر الحرام توجَّه آمنًا، ولم يُقَلِّد نفسه ولا راحلته، وإن كان يعلم أنه لا يقدر على الرجوع حتى يمضي الشهر الحرام قلَّد نفسَه وبعيرَه من [لحاء] شجر الحرم، فيأمن به حيث ما توجَّه من البلاد، فمِن ثَمَّ قال سبحانه: ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾، كل ذلك كان قوامًا لهم وأمنًا في الجاهلية. نظيرها في أول السورة
عن موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، في قوله: ﴿محمد رسول الله﴾ قال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ أبو بكر الصديق، ﴿أشداء على الكفار﴾ عمر بن الخطاب، ﴿رحماء بينهم﴾ عثمان بن عفان، ﴿تراهم ركعًا سجدًا﴾ علي بن أبي طالب، ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ إلى آخر السورة
انتَقَدَ ابنُ عطية (٢/١٥٨-١٥٩) قولَ أبي فاختة: أنّ أُمَّ الكتاب هي فواتح السور؛ لمخالفته ظاهر القرآن، فقال: «وهذا قولٌ مُتَداعٍ للسقوط مُضْطَرِبٌ، لم ينظر قائلُه أوَّلَ الآية وآخرَها ومقصدَها. وإنّما معنى الآية: الإنحاءُ على أهلِ الزيغ والإشارة بذلك؛ أوّلًا إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمد عليه السلام، فإنّهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ثم تَعُمُّ بعد ذلك كُلَّ زائغ»
ذكر ابن تيمية (٧/٢٠٩) أنّ طائفة من المفسرين قالوا: «أنّ هذه السورة منسوخة، أي: فيما ظنوها دلّتْ عليه من تَرْك القتال، فإنهم ظنوا أنّ قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ يتضمّن تَرْك القتال». ثم انتقدهم -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «ومعلوم أنّ الله لم يأمر نبيّه بمكة بالقتال، بل إنما أمره بالقتال بالمدينة، وأول آية نزلت في القتال قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، فأذن الله لهم أولًا فيه، ثم كتب عليهم ثانيًا، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]»، ثم رجَّح -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «والصواب أنّ هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي، بل مضمونها البراءة من دين الكفار، وهذا أمرٌ مُحكَم لا ينسخ أبدًا، وأمّا أن يقال فيها أو في غيرها رضي الرسول بدين كافرٍ فهذا لم يقُله أحدٌ مِن علماء المسلمين أصلًا، ولا أحد من سلف الأُمّة، ولا من الأولين ولا من الآخرين، ولا يقول ذلك إلا مَن هو مُفْتَرٍ على الله ورسوله، لم يرض الله بغير دين الإسلام، وهو الذي بعث الله به محمدًا لم يرض الله ولا رسوله من أحد من الخَلْق بغير هذا الدين قطّ، وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجْز المسلمين وقلّتهم». وانتقد ابنُ القيم (٣/٣٧٩) قول مقاتل -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وقد غلط في السورة خلائق، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف؛ لاعتقادهم أنّ هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظنّ آخرون أنها مخصوصة بمن يُقرّون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نصٌّ محفوظ، وهي مِن السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإنّ أحكام التوحيد التي اتفقتْ عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تُسمّى سورة الإخلاص كما تقدم. ومنشأ الغلط: ظنهم أنّ الآية اقتضتْ إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أنّ هذا الإقرار زال بالسيف، فقالوا: منسوخ. وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم مَن لا كتاب لهم، فقالوا: هذا مخصوص بأهل الكتاب. ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضتْ تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا، بل لم يزل رسول الله من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم، وعيب دينهم، وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد كلّ وقت، وفي كلّ نادٍ، وقد سألوه أن يكُفّ عن ذِكْر آلهتهم، وعيب دينهم، ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مُضيًّا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إنّ الآية اقتضتْ تقريره لهم؟ معاذ الله مِن هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأنّ ما هم عليه مِن الدين لا نوافقكم عليه أبدًا، فإنه دين باطل، فهو مختصٌّ بكم، لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصُّل مِن موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يَدَّعوا النسخ أو التخصيص؟! أفَترى إذا جُوهدوا بالسيف كما جُوهدوا بالحجّة لا يصح أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾؟! بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِّر الله منهم عباده وبلاده»
ذكر ابنُ جرير (١/٣٩٧-٣٩٨) اختلاف المفسرين في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿من مثله﴾، هل هو عائد على القرآن، أو عائد على الرسول ﷺ؟. ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة القرآن، والدلالة العقلية عودَ الضمير على القرآن بقوله: «والتأويل الذي قاله مجاهد وقتادة هو التأويل الصحيح؛ لأن الله -جَلَّ ثناؤه- قال في سورة أخرى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله﴾ [يونس:٣٨]، ومعلومٌ أن السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه، فيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل محمد». ورجَّحه ابنُ كثير (١/٣١٤) مستندًا إلى أحوال النزول، ودلالة العقل، فقال بعد حكاية القول بعَوْدِه على القرآن: «وقال بعضهم: من مِثْل محمد ﷺ، يعني: من رَجُلٍّ أُمِّيٍّ مِثْلِه، والصحيح الأول؛ لأنّ التَّحَدِّي عامٌّ لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تَحَدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك». وزاد ابنُ عطية (١/١٤٧) عن طائفة: أن «الضمير في ﴿مثله﴾ عائد على الكتب القديمة: التوراة، والإنجيل، والزبور»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: ولقد علمت الجنة إنهم لمُشْهَدون الحساب. والثاني: أن المعنى: ولقد علمت الجنة أنّ قائلي هذا القول سيحضرون العذاب في النار. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧/٣١٥) على القولين، فقال: «مَن جعل ﴿الجنة﴾: الشياطين؛ جعل العلامة في ﴿عَلِمَت﴾ لها، والضمير في ﴿إنهم﴾ عائد عليهم، أي: جعلوا الشياطين بنسب من الله، والشياطين تعلم ضد ذلك مِن أنها ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه. ومَن جعل ﴿الجنة﴾: الملائكة؛ جعل الضمير في ﴿إنهم﴾ للقائلين هذه المقالة، أي: علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله وعقابه. وقد يتداخل هذان القولان». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/٦٤٦) القولَ الثانيَ -وهو قول السديّ- استنادًا إلى نظائرها في السورة، فقال: «أولى القولين في ذلك بالصواب قول مَن قال: إنهم لمحضرون العذاب. لأن سائر الآيات التي ذكر فيها الإحضار في هذه السورة إنما عني به: الإحضار في العذاب، فكذلك في هذا الموضع». وظاهر كلام ابن كثير (١٢/٦٢) أنه ذهب إلى هذا أيضًا
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- قال:... فلما أتى الشيخَ، وقصَّ عليه القصص، قال: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾. فأمر إحدى ابنتيه أن تأتيه بعصا، وكانت تلك العصا عصًا استودعه إياها ملَك في صورة رجل، فدفعها إليه، فدخلت الجاريةُ، فأخذت العصا، فأتته بها، فلما رآها الشيخُ قال لابنته: ائتيه بغيرها. فألقتها، وأخذت تريد أن تأخذ غيرها، فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل يَرْدُدُها، وكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها، فلمّا رأى ذلك عهد إليه، فأخرجها معه، فرعى بها، ثم إنّ الشيخ ندِم، وقال: كانت وديعة. فخرج يتلقى موسى، فلما رآه قال: أعطني العصا. فقال موسى: هي عصاي. فأبى أن يعطيه، فاختصما، فرضيا أن يجعلا بينهما أولَ رجل يلقاهما، فأتاهما ملَك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضَعوها في الأرض، فمن حملها فهي له. فعالجها الشيخ فلم يُطِقْها، وأخذها موسى عليه السلام بيده فرفعها، فتركها له الشيخ
قال ابنُ عطية (٥/ ٣٩٨): «قوله: ﴿لكل شيء﴾، أي: مما نحتاج في الشرع، ولا بد منه في المِلَّة، كالحلال والحرام، والدعاء إلى الله والتخويف من عذابه، وهذا حصر ما اقتضته عبارات المفسرين». وقال ابن كثير (٨/٣٤٣): «ووجه اقتران قوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب﴾ مع قوله: ﴿وجئنا بك شهيدا على هؤلاء﴾ أن المراد -والله أعلم-: أنّ الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم القيامة، ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين﴾ [الأعراف:٦]، ﴿فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر:٩٢-٩٣]، ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾ [المائدة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [القصص:٨٥]، أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه، ومعيدك يوم القيامة، وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو متجه حسن»