سورة سبأ — الآية ١٦

عن عكرمة مولى ابن عباس، في قوله: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ الآيات، قال: كان لهم مجلِس مُشيَّد بالمرمر، فأتاهم ناس مِن النصارى، فقالوا: اشكروا الله الذي أعطاكم هذا. قالوا: ومَن أعطاناه؟! إنّما هذا كان لآبائنا فورثناه. فسمع ذلك ذو يزن، فعرف أنه سيكون لكلمتهم تلك غِيَرٌ، فقال لابنه: كلامك عَلَيَّ حرامٌ إن لم تأتِ غدًا وأنا في مجلس قومي فتَصُكَّ وجهي. ففعل ذلك، فقال: لا أقيم بأرضٍ فعل هذا ابني بي فيها، ألا مَن يبتاع مِنِّي مالي. فابتدره الناس، فابتاعوه، فبعث الله جرذًا أعمى -يُقال له: الخلد- مِن جرذانٍ عُمْيٍ، فلم يزل يحفر السد حتى خرقه، فانهدم، وذهب الماء بالجنتين

سورة الممتحنة — الآية ١١

عن عُروة بن الزّبير -من طريق الزُّهريّ- في قول الله: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ قال: إن فات أحد منهم أهله إلى الكفار، فإنْ أتتْكم امرأة منهنّ فأصبتم غنيمة أو فيئًا فعوضوهم مما أصبتم صَداق المرأة التي أتتْكم، فأمّا المؤمنون فأقَرُّوا بحكم الله، وأبى المشركون أنْ يُقرُّوا بذلك، وإن ما فات للمشركين على المسلمين من صداق مَن هاجر من أزواج المشركين، ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم﴾ من مال المشركين في أيديكم، ولسنا نعلم امرأة من المسلمين فاتتْ زوجها بلُحوق المشركين بعد إيمانها، ولكنه حُكْم الله حَكم الله به لأمرٍ إن كان، والله عليم حكيم

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في صوم الشهرين هل هو عن الرقبة، أم عن الدية والرقبة؟ على أقوال: الأول: عن الرقبة دون الدية. الثاني: عن الدية والرقبة. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٣٣٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعلَّل ذلك، فقال: «لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع الحُجَّة على ذلك، نقلًا عن نبيِّها ﷺ، ولا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله». وانتقد ابنُ عطية (٢‏/‏٦٣١) القول الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذا القول وهم؛ لأن الدية إنما هي على العاقلة، وليست على القاتل»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏١٢٧): «السؤال في كلام العرب يجيء لاقتضاء معنىً في نفس المسؤول، وقد يجيء لاقتضاء مالٍ أو نحوه. والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال، فهو من الضرب الأول. وقالت فرقة: إنما سألوه الأنفال نفسها أن يعطيهم إياها. واحتجوا في ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر محمد بن علي، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، وطلحة بن مُصَرِّف، وعكرمة، والضحاك، وعطاء (يسألونك الأنفال)، وقالوا في قراءة مَن قرأ: ﴿عن﴾ أنها بمعنى: مِن. فهذا الضرب الثاني من السؤال»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في صفة تَبَدُّلِهِم الخبيثَ بالطّيِّب الذي نُهُوا عنه في قوله تعالى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُواْ الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ ومعناه، على أقوال؛ أولها: هو أن يجعل الزائفَ بدل الجيِّد، والمهزول بدل السمين. وهذا قول إبراهيم النخعي، وابن المسيب، والزهري، والضحاك، والسديّ. والثاني: هو استعجال أكل الحرام قبل إتيان الحلال. وهذا قول مجاهد، وأبي صالح. والثالث: أنّ أهل الجاهلية كانوا لا يُوَرِّثون الصغار والنساءَ، ويأخذه الرجل الأكبر، فكان يستبدل الخبيث بالطيب؛ لأن نصيبَه من الميراث طيب، وأخذه الكل خبيث. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٥٤ بتصرف) القولَ الأولَ؛ استنادًا إلى السياق، والدلالة اللغوية، فقال: «تبدل الشيء بالشيء في كلام العرب: أخذ شيءٍ مكانَ آخر غيره، يعطيه المأخوذُ منه أو يجعله مكان الذي أخذ. ذلك هو الأظهر من معانيه؛ لأنّ الله -جل ثناؤه- إنّما ذكر ذلك في قصة أموال اليتامى وأحكامها، فلأن يكون ذلك من جنس حُكمِ أول الآية وآخرها أولى مِن أن يكون من غير جنسه». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٥٤) القولَ الثالثََ استنادًا إلى اللغة، فقال: «الذي قاله ابن زيد -مِن أنّ معنى ذلك: هو أخذ أكبرِ ولد الميت جميعَ مال ميِّته ووالده، دون صغارهم إلى ماله- قولٌ لا معنى له؛ لأنه إذا أخذ الأكبرُ مِن ولده جميعَ ماله دون الأصاغر منهم فلم يستبدل مما أخذ شيئًا، فما التبدُّلُ الذي قال -جل ثناؤه-: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾، ولم يتبدَّل الآخذُ مكان المأخوذِ بدلًا؟!». وعلَّقَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٥٤-٣٥٥) على قول مجاهد وأبي صالح بقوله: «إن لم يكونا أرادا بذلك نحوَ القول الذي رُوِي عن ابن مسعود أنّه قال: إنّ الرجلَ لَيُحْرَمَ الرِّزْقَ بالمعصية يأتيها. ففسادُه نظيرُ فسادِ قول ابن زيد؛ لأنّ مَن استعجل الحرامَ فأكله ثُمَّ آتاه الله رزقَه الحلالَ فلم يُبَدِّل شيئًا مكان شيء. وإن كانا قد أرادا بذلك أنّ الله -جل ثناؤه- نهى عبادَه أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال، فيكون أكلُهم ذلك سببًا لحرمان الطيِّب منه؛ فذلك وجهٌ معروف، ومذهبٌ معقول يحتمله التأويل. غير أنّ أشبه مَن في ذلك بتأويل الآية ما قلنا»

سورة البقرة — الآية ٤٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يعني: اليهود، وذلك أن الله عز وجل عهد إليهم فِي التوراة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا بمحمد ﷺ وبالنبيين والكتاب، فأخبر اللَّه عز وجل عنهم فِي المائدة، فقال: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ بمحمد ﷺ، ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ يعني: ونصرتموهم، ﴿وأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة:١٢]، فهذا الذي قال اللَّه: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي عهدت إليكم في التوراة، فإذا فعلتم ذلك ﴿أُوفِ﴾ لكم ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾، يعني: المغفرة والجنة، فعاهدهم إن أوْفوا له بما قال المغفرةَ والجنةَ، فكفروا بمحمد ﷺ، وبعيسى عليه السلام، فذلك قوله سبحانه: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ولَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾، فهذا وفاء الرب عز وجل لهم

سورة المائدة — الآية ٢٢

عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: إنّ موسى عليه السلام قال لقومه: إنِّي سأبعث رجالًا يأتونني بخبرهم. وإنّه أخذ مِن كل سِبْطٍ رجلًا، فكانوا اثني عشر نقيبًا، فقال: سيروا إليهم، وحدِّثوني حديثَهم وما أمرُهم، ولا تخافوا؛ إنّ الله معكم ما أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسله، وعزرتموهم، وأقرضتم الله قرضًا حسنًا. وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسام عَجَبٌ عِظَمًا وقُوَّةً، وإنّه -فيما ذُكِر- أبصرهم أحد الجبارين، وهم لا يألون أن يُخفوا أنفسهم حين رأوا العجب، فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالًا، فأتى رئيسهم، فألقاهم قُدّامه، فعجبوا، وضحكوا منهم، فقال قائل منهم: إنّ هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم، وإنّه لولا ما دفع الله عنهم لَقُتِلوا. وإنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام، فحدثوه العجب

سورة يس — الآية ٤٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ أنْفِقُوا﴾ وذلك أنّ المؤمنين قالوا بمكة لكفار قريش لأبي سفيان وغيره: أنفِقوا على المساكين مِن الذي زعمتم أنه لله. وذلك أنهم كانوا يجعلون نصيبًا لله من الحرث والأنعام بمكة للمساكين، فيقولون هذا لله بزعمهم، ويجعلون للآلهة نصيبًا، فإن لم يَزكُ ما جعلوه للآلهة من الحرث والأنعام، وزكا ما جعلوه لله عز وجل، ليس للآلهة شيء، وهي تحتاج إلى نفقة، فأخذوا ما جعلوه لله، قالوا: لو شاء الله لأزكى نصيبه. ولا يعطون المساكين شيئًا مما زكى لآلهتهم، فقال المؤمنون لكفار قريش: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقالت كفار قريش: ﴿أنُطْعِم﴾ المساكين الذي للآلهة ﴿مَن لو يشاء الله أطعمه﴾؟! يعني: رزقه، لو شاء الله لأطعمه، وقالوا لأصحاب النبي ﷺ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

اختلف في معنى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ على أقوال: الأول: سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاة طوقًا في أعناقهم، كهيئة الأطواق المعروفة. الثاني: سيجعل في أعناقهم طوقًا من نار. الثالث: سيُحمَّل الذين كتموا نبوة محمد ﷺ من أحبار اليهود ما كتموا من ذلك. الرابع: سيُكَلَّفون أن يأتوا يوم القيامة بما بخلوا به في الدنيا من أموالهم. وعلَّق ابن عطية (٢‏/‏٤٣١) على القول الرابع -وهو قول مجاهد- بقوله: «وهذا يضطرب مع قوله: إن البخل هو بالعلم الذي تفضل الله عليهم بأن علمهم إياه». ورجَّح ابنُ جرير (٦‏/‏٢٧٦) القول الأول مستندًا إلى السُنَّة، وهو قول ابن مسعود من طريق أبي وائل، والشعبي من طريق المغيرة، والسدي من طريق أسباط، وأبي وائل من طريق أبي هاشم، وعلَّل ذلك بقوله: «للأخبار التي ذكرنا في ذلك عن رسول الله ﷺ، ولا أحد أعلم بما عنى الله تبارك وتعالى بتنزيله منه عليه السلام»

علّق ابنُ عطية (٣‏/‏١٧٢-١٧٣ بتصرف) على الآية بقوله: «قال كثير من العلماء: هي محكمة، وتخيير الحُكّام باقٍ. وهذا هو الأظهر إن شاء الله. وفِقْهُ هذه الآية: أنّ الأمة -فيما علمتُ- مجمعةٌ على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم، ويتسلط عليهم في تغييره، وينقِّر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم: حبس السلع المبيعة، وغصب المال، وغير ذلك. فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر، وإنما هي دعاوى محتملة، وطلب ما يحِلُّ ولا يحل، وطلب المخرج من الإثم في الآخرة، فهذه هي التي الحاكم فيها مخيَّر، وإذا رضي به الخصمان فلا بُدَّ مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار. قاله ابن القاسم في العتبية، قال: وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين، أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم. قال القاضي أبو محمد: وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف، وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكيرٌ فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار ردَّ ذلك الحكم، وهل تستوي النوازل في هذا، كالرجم في زانيين، والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر، وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار، أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضة؟ ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراضَ عنهم وتركَهم إلى دينهم. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: قوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك﴾ يعني: أهل نازلة الزانيين. قال القاضي أبو محمد: ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل»