ذَهَبَ ابنُ جرير (١٢/٢٨٦) إلى قول عبد الله بن عباس هذا. واسْتَدْرَكَ ابنُ القيم (٢/٤٢) على اختيار ابن جرير، وقول الضحاك بن مزاحم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم الآتيين، مستندًا إلى زمن النزول، ودلالة العقل بقوله: «لم يقع هؤلاء ولا هؤلاء على معنى الآية ومقصدها، وأين كان عبد الله بن سلام وقت نزول هذه الآية؟! فإنّ السورة مكيَّة، وابن سلام إذ ذاك على دين قومه. وكيف يؤمر رسول الله أن يستشهد على منكري نبوته بأتباعه؟!»
ذكر ابنُ عطية (٥/٣٠٦-٣٠٧) في معنى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ احتمالين: الأول: «أن يرجع إلى وصْفِ أمرٍ جرى قبل إعلام لوط بهلاك أُمَّته، ويدُلُّ على هذا أنّ محاجَّة لوط لقومه في الأضياف تقتضي ضعف مَن لم يعلم إهلاكهم، وأنّ الأضياف ملائكة». الثاني: «أن يكون قوله: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بعد علمه بهلاكهم، وكان قولهم ما يأتي مِن المحاورة على جهة التَّهَكُّم عنهم، والإملاء لهم، والتربُّص بهم». ثم رجَّح الاحتمال الأول مستندًا إلى النظائر قائلًا: «والاحتمال الأول عندي أرجح، وهو الظاهر من آيات غير هذه السورة»
اختُلف في المراد بـ﴿مَن﴾ على قولين: الأول: النساء والجواري. الثاني: الأصنام. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٥٦٥) -مستندًا إلى السياق- القول الأول الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسُّدّيّ، ومقاتل، فقال: «لأنّ ذلك عقيب خبر الله عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلّة معرفتهم بحقّه، ونُحلتهم إياه مِن الصفات والنِّحَل، وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم، والمنعم عليهم النِّعَم التي عدّدها في أول هذه السورة -ما لا يرضونه لأنفسهم-؛ فإتباع ذلك مِن الكلام ما كان نظيرًا له أشبه وأولى مِن إتباعه ما لم يجْر له ذِكر»
قال ابنُ عطية (٨/٢٨٣): «الذين قاتلوا في الدّين وأَخْرَجوا: هم مَرَدة قريش». وقال ابنُ القيم (٣/١٤٩): «الله سبحانه لمّا نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم؛ تَوهَّم بعضُهم أنّ برَّهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودّة، فبيَّن الله سبحانه أنّ ذلك ليس مِن الموالاة المنهي عنها، وأنه لم يَنْهَ عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبّه ويرضاه، وكتبه على كلّ شيء، وإنما المنهيّ عنه تَولّي الكفار، والإلقاء إليهم بالمودّة»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣١٢-٣١٣) هذا الحديث، ثم بيَّن أنه جاء في حديث آخر: «لو علمتُ أني إن زدتُ على السبعين غُفر لهم لزدتُ». وعلَّق عليه بقوله: «فكأنه ﷺ رجا أنّ هذا الحدّ ليس على جهة الحتم جملة، بل على أنّ ما يجاوزه يخرج عن حكمه، فلما فعل ابن أبيّ وأصحابه ما فعلوا شدّد الله تعالى عليهم في هذه السورة، وأعلم أنه لن يَغفر لهم دون حدٍّ في الاستغفار، وفي قول رسول الله ﷺ: «لو أعلم أني إن زدتُ غفر لهم» نصٌّ على رفض دليل الخطاب»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٢ بتصرف يسير) الاختلاف في مكّيّة السورة ومدنيتها، وبيّن أنّ القول بمكيتها أشهر. وذكر (٨/٦٦٣-٦٦٤ بتصرف) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.. ﴾ [البينة:٥] -مستندًا إلى النظائر، وأحوال النزول- أنّ القول بمدنيتها يقوّيه «كون الصلاة مع الزكاة في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها؛ لأنّ الزكاة فُرِضتْ بالمدينة، ولأنّ النبي ﷺ إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة»
عن محمد بن إسحاق -من طريق إسماعيل بن عيّاش- قال: لما هبّت الرّيح قام سبعة من عاد، فقالوا: نردّ الرّيح. فأتَوا فَم الشّعب الذي يأتي منه الرّيح، فوقفوا عليه، فجعلت الرّيح تهبّ، فتدخل تحت واحد منهم، فتقتلعه من الأرض، فترمي به على رأسه، فتندقّ رقبته، ففعلت ذلك بستة منهم، وتركتهم كما قال الله: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]، وبقي الخَلَجان، فأتى هودًا، فقال: يا هود، ما هذا الذي أرى في السحاب كهيئة البَخاتيّ؟ قال: تلك ملائكة ربي. فقال: مالي إنْ أسلمْتُ؟ قال: تَسْلم. قال: أيعيذني ربّك إنْ أسلمْتُ من هؤلاء؟ فقال: ويلك، أرأيتَ مَلِكًا يُعِيذ من جُنده؟ فقال: وعزّته، لو فعل ما رضيتُ. قال: ثم مال إلى جانب الجبل، فأخذ برُكنٍ منه، فهزّه، فاهتزّ في يده، ثم جعل يقول: لم يبق إلا الخَلَجان نفسه يا لك من يومٍ دهاني أمسُه بثابت الوطِء شديدٍ وطْسه لو لم يجئني جئـتُه أجُسُّه قال: ثم هبّت الريح، فألحقَتْه بأصحابه
قال مقاتل بن سليمان: ثم ضرب الله للمنافقين مَثَلًا، فقال - عز وجل -: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله﴾، طَفِئت ناره، يقول الله - عز وجل -: مَثَل المنافق إذا تَكَلَّم بالإيمان كان له نور بمنزلة المستوقِد نارًا يمشي بضوئها ما دامت ناره تَتَّقِد، فإذا ترك الإيمان كان في ظُلْمَة كظُلْمَة من طَفِئَت نارُه؛ فقام لا يهتدي ولا يُبْصِر، فذلك قوله سبحانه: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، يعني: بإيمانهم، نظيرها في سورة النور: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾، يعني به: الإيمان، وقال سبحانه في الأنعام: ﴿وجعلنا له نورا يمشي به في الناس﴾، يعني: يهتدي به الذين تكلموا به
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم الأفطس- في قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: هم رُسُلُ النجاشي الذين أرسَل بإسلامِه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اخْتارهم مِن قومِه، الخَيِّرَ فالخَيِّر، في الفقه والسِّنِّ -وفي لفظ: بعَث مِن خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ثلاثين رجلًا- فلما أتَوا رسول الله ﷺ دخَلوا عليه، فقرَأ عليهم سورة يس، فبَكَوا حينَ سمِعوا القرآن، وعرَفوا أنه الحقُّ؛ فأنزَل الله فيهم: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾ الآية. ونزَلت هذه الآية فيهم أيضًا: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ [القصص:٥٢-٥٤]
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: في سورة النحل: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، ثم نسخ، واستثنى من ذلك، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾، وهو عبد الله بن أبي سَرْح الذي كان يكتب لرسول الله - ﷺ -، فأزلَّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النَّبِي - ﷺ - أن يُقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو عمرو عثمان بن عفان، فأجاره النَّبِي - ﷺ -