سورة المائدة — الآية ٣٦

عن يزيد الفقير، قال: جلستُ إلى جابر بن عبد الله وهو يُحَدِّث، فحدَّث أنّ أناسًا يخرجون من النار. قال: وأنا يومئذ أُنكِر ذلك، فغضبت، وقلتُ: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! تزعمون أنّ الله يُخْرِج ناسًا من النار، والله يقول: ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾! فانتهرني أصحابُه، وكان أحلمَهم، فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة﴾ حتى بلغ: ﴿ولهم عذاب مقيم﴾، أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قد جمعتُه. قال: أليس الله يقول: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء:٧٩]؟! فهو ذلك المقام، فإنّ الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعُدْ بعد ذلك إلى أن أُكَذِّب به

سورة الزخرف — الآية ٥٧

قال محمد بن السّائِب الكلبي: لما نزلت: ﴿إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قام رسول الله مقابل باب الكعبة، ثم اقترأ هذه الآية، فوجد منها أهل مكة وجْدًا شديدًا، فدخل عليهم ابن الزِّبَعْرى الشاعر وقريشٌ يخوضون في ذِكر هذه الآية، فقال: أمحمد تكلّم بهذه؟ قالوا: نعم. قال: واللهِ، إن اعترف لي بهذا لأخصمنه. فلَقِيه، فقال: يا محمد، أرأيتَ الآية التي قرأتَ آنفًا، أفينا وفي آلهتنا نزلت خاصّة أم في الأمم وآلهتهم؟ قال: «لا، بل فيكم وفي آلهتكم، وفي الأمم وآلهتهم». فقال: خصمتُك، وربِّ الكعبة، أليس تُثْنِي على عيسى ومريم والملائكة خيرًا، وقد علمتَ أنّ النصارى تعبد عيسى وأمه، وأنّ طائفة من الناس يعبدون الملائكة، أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟! فسكتَ رسولُ الله، وضحكتْ قريش وضجّوا

اختُلِف في الوقت الذي يودُّ فيه الذين كفروا لو كانوا مسلمين على أقوال: الأول: عند معاينة الموت في الدنيا. الثاني: عند معاينة أهوال يوم القيامة. الثالث: عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة. وعلَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٢٧٢) على القول الثاني بقوله: «وهذا بيِّن؛ لأنّ حُسْن حال المسلمين ظاهر فَيُوَدُّ». وعلى القول الثالث بقوله: «واحتج لهذا القول بحديث رُوي في هذا من طريق أبي موسى الأشعري، وهو أنّ الله تعالى إذا أدخل عصاة المسلمين النارَ نظر إليهم الكفار، فقالوا: أليس هؤلاء مِن المسلمين؟ فماذا أغنت عنهم: لا إله إلا الله؟ قال: فيغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرِجوا مِن النار كل مسلم. قال رسول الله ﷺ: «فحينئذٍ يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين»». وانتقد القولَ الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وفيه نظر؛ إذ لا يقين للكافر حينئذٍ بحُسْن حال المسلمين»

سورة البقرة — الآية ١٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم ضرب الله للمنافقين مَثَلًا، فقال - عز وجل -: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله﴾، طَفِئت ناره، يقول الله - عز وجل -: مَثَل المنافق إذا تَكَلَّم بالإيمان كان له نور بمنزلة المستوقِد نارًا يمشي بضوئها ما دامت ناره تَتَّقِد، فإذا ترك الإيمان كان في ظُلْمَة كظُلْمَة من طَفِئَت نارُه؛ فقام لا يهتدي ولا يُبْصِر، فذلك قوله سبحانه: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، يعني: بإيمانهم، نظيرها في سورة النور: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾، يعني به: الإيمان، وقال سبحانه في الأنعام: ﴿وجعلنا له نورا يمشي به في الناس﴾، يعني: يهتدي به الذين تكلموا به

سورة النحل — الآية ١١٠

عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: في سورة النحل: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، ثم نسخ، واستثنى من ذلك، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾، وهو عبد الله بن أبي سَرْح الذي كان يكتب لرسول الله - ﷺ -، فأزلَّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النَّبِي - ﷺ - أن يُقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو عمرو عثمان بن عفان، فأجاره النَّبِي - ﷺ -

سورة النحل — الآية ١١٠

عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر- أنه قال: وقال في سورة النحل: ﴿من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، فنسخ، واستثنى، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا، من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾، هو عبد الله بن سعد بن أبي سرْح الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله ﷺ، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النبيُّ ﷺ أن يُقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبي عليه السلام

سورة الأحزاب — الآية ٢٢

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾: وكان الله قد وعدهم في سورة البقرة [٢١٤]، فقال: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ خيرهم وأصبرهم وأعلمهم بالله: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. هذا -واللهِ- البلاءُ والنقصُ الشديد، وإن أصحاب رسول الله ﷺ لَمّا رأوا ما أصابهم مِن الشدة والبلاء ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهُمْ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ وتصديقًا بما وعدهم الله، وتسليمًا لقضاء الله

سورة غافر — الآية ٧٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، ومقاتل عن الضحاك- قال: كانت فترتان؛ فترة بين إدريس ونوح، وفترة بين عيسى ومحمد، ... وكانت الأنبياء بين موسى وعيسى متواترة، وكذلك بين نوح إلى موسى متواترة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة المؤمنون [٤٤-٤٥] من بعد قصة نوح: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ بعضها على إثر بعض، ﴿كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم أرسلنا﴾ من بعدهم ﴿موسى وأخاه هارون﴾، فمن زعم أنه يعلم عُدّتهم وأسماءهم فقد كذب؛ لأن الله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾

سورة الكوثر — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ لأنه أكثر أنهار الجنة خيرًا، وذلك النهر عجّاج يطرد مثل السهم، طِينه المِسك الأذفر، ورَضْراضه الياقوت والزَّبَرْجَد واللؤلؤ، أشد بياضًا من الثلج، وأَلْين من الزُّبد، وأحلى من العسل، حافتاه قِباب الدُّرّ المُجوّف، كلّ قُبّة طولها فرسخ في فرسخ، وعرضها فرسخ في فرسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، في كلّ قُبّة زوجة من الحُور العين، لها سبعون خادمًا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل، ما هذه الخيام؟». قال جبريل عليه السلام: هذه مساكن أزواجك في الجنة، يتفجّر مِن الكوثر أربعة أنهار لأهل الجنان التي ذكر الله عز وجل في سورة محمد ﷺ: الماء، والخمر، واللبن، والعسل

علَّقَ ابن كثير (١/٤٩٤) على أثر ابن عباس هذا بقوله: «هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أيِّ الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس -رحمهم الله-. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين* ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين* قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ [الجمعة: ٦-٨]»