علَّقَ ابنُ كثير (٢/٤٦٥) على هذا الحديث، فقال: «وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا، ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًًا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه»
علَّقَ ابنُ عطية (٢/٨١) على فِعْلِ يزيد هذا بقوله: «وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما نزلت هذه الآية في الصدقةِ على اليهودِ والنصارى. وكان يأمر بقسم الزكاة في السِّرِّ. وهذا مردود، لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل». وينظر: تفسير ابن جرير ٥/١٧
ذكر ابنُ عطية (٧/٦١٦) أنّ كثيرًا مِن الناس ذهب إلى أن معنى الآية: ثم اسْتَقامُوا بالطاعات والأعمال الصالحات. وساق قول أبي بكر، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا القول أعمّ رجاءً وأوسع، وإن كان في الجملة المؤمنة مَن يُعذب وينفذ عليه الوعيد، فهو ممن يُخلّد في الجنة وينتفي عنه الخوف والحزن الحالّ بالكفرة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ وذلك أنّه لَمّا نزل النبي ﷺ بالحُدَيبية بعثتْ قريشٌ منهم سُهيلَ بن عمرو القرشي، وحُويطبَ بن عبد العُزّى، ومكرزَ بن حفص بن الأحنف، على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع مِن عامه ذلك، على أن تُخَلِّي قريشٌ له مكة مِن العام المقبل ثلاثة أيام، ففعل ذلك النبيُّ ﷺ، وكتبوا بينهم وبينه كتابًا، فقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: «اكتب بيننا كتابًا، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سُهيل بن عمرو وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فهمَّ أصحابُ النبي ﷺ ألّا يُقِرُّوا بذلك، فقال النبي ﷺ لعلي: «اكتب ما يقولون». فكتب: باسمك اللهم. ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله أهلَ مكة». فقال سُهيل بن عمرو وأصحابه: لقد ظلمناك إنْ علمنا أنك رسول الله ونمنعك ونردّك عن بيته! ولا نكتب هذا، ولكن اكتب الذي نعرف: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبد الله أهلَ مكة. فقال النبي ﷺ: «يا عليٌّ، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله». فهمَّ المسلمون ألا يُقِرّوا أن يكتبوا هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فأنزل الله السكينة، يعني: الطمأنينة عليهم. فذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ أن يُقرّوا لقريش حتى يكتبوا: باسمك اللهم... إلى آخر القصة، وأنزل في قول أهل مكة: لا نعرف أنك رسول الله ولو علمنا ذلك لقد ظلمناك حين نمنعك عن بيته...: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] أنّ محمدًا رسول الله، فلا شاهد أفضل منه
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: نزلت هذه الآيةُ في صُلْحِ الحديبية، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لَمّا خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، فساروا حتّى نزلوا الحديبية، فصدَّهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهَدْيَ بالحديبية، ثمّ صالحه المشركون على أن يرجع عامَه ذلك على أن يُخَلّى له بكل عامٍ قابلٍ ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت، ويفعل ما يشاء، فصالحهم رسول الله، ثمّ رجع من فوره ذلك إلى المدينة، فلما كان العام المقبل تَجَهَّزَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه لعمرة القضاء، وخافوا ألّا يَفِيَ لهم قريشٌ، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام، ويقاتلوهم، وكَرِه رسول الله ﷺ وأصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحَرَم؛ فأنزل الله: ﴿وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- يقول في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ [النساء:٥١] إلى آخر الآية، قال: جاء حُيَيُّ بنُ أخطب إلى المشركين، فقالوا له: يا حُيَيُّ، إنّكم أصحاب كتب، فنحن خيرٌ أم محمدٌ وأصحابه؟ فقال: أنتم خير منه. فذلك قوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾ [النساء:٥٢]. ثم قال للمشركين: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن﴾ رسول الله ﷺ وأصحابه ﴿فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا﴾. قال: ووعد الله المؤمنين أن يُكَفِّر عنهم سيئاتهم، ولم يَعِد أولئك. وقرأ: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ [العنكبوت:٧]
انتقد ابنُ عطية (٧/٢٠٦) قول ابن عباس من جهةِ ثبوته، ومخالفته اعتقاد أهل الحق، فقال: «وهذا قولٌ يردُّه معتقد أهل الحق والسنة، ولا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلامًا طيِّبًا فإنه مكتوبٌ له، مُتَقَبَّلٌ منه، وله حسناته، وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبَّل مِن كل مَن اتقى الشرك، وأيضًا فإن الكَلِم الطَّيِّب عملٌ صالح». غير أنه التمس له وجْهًا يمكن أن يُصَحَّح عليه، فقال: «وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافعُ للكَلِم. بأن يُتَأَوَّل أنه يزيد في رفْعِه وحُسْنِ موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلَّل أعماله كلمٌ طيِّبٌ وذكر لله كانت الأعمال أشرف، فيكون قوله: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ موعظةً وتذكرةً وحضًّا على الأعمال»
قال مقاتل بن سليمان: نزلت في أم سلمة أم المؤمنين ابنة أبى أمية المخزومي حين قالت: ما لنا معشر النساء عند الله خير، وما يذكرنا بشيء؟ ففيها نزلت: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ في الأحزاب [٣٥] إلى آخر الآية، فأشرك الله عز وجل الرجال مع النساء في الثواب، كما شاركن الرجال في الأعمال الصالحة في الدنيا
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح- قال: كان يهود أهل المدينة قبل قدوم النبي ﷺ إذا قاتلوا من يَلِيهم من مشركي العرب من أسَد وغَطَفان وجُهَيْنَة وعُذْرَة يستفتحون عليهم، ويستنصرون، يدعون عليهم باسم نبي الله، فيقولون: اللهم ربنا، انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تُنزِل عليه، الذي وعدتنا إنك باعثه في آخر الزمان
عن ابن وهب، قال: سمعت مالِكًا يقول: سمعتُ ذلك الرجل -يعني: عبد الله بن يزيد بن هرمز- وهو يصف المدينةَ وفضلَها، يُبْعَثُ منها أشرافُ هذه الأمة يوم القيامة، وحولَها الشهداء أهلُ بدرٍ وأحدٍ والخندقِ. ثم تلا هذه الآية: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾، والآية التي بعدها