جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأكفرن عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ ولأدخلنهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ﴾.
يعني تعالى ذكره : فأجاب هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوا به ربهم، بأني لا أضيع عمل عامل منكم عمل خيرا ذكرا كان العامل أو أنثى، وذكر أنه قيل لرسول الله ﷺ : ما بال الرجال يذكرون ولا تذكر النساء في الهجرة ؟ فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك هذه الآية.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله، تذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر ؟ فنزلت :﴿أني لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى﴾. . . الاَية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال : سمعت رجلاً من ولد أم سلمة زوج النبي ﷺ، يقول : قالت أم سلمة : يا رسول الله لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء ! فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أني لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى﴾.
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : حدثنا أسد بن موسى، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء ! فأنزل الله تعالى :﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أني لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
وقيل : فاستجاب لهم، بمعنى : فأجابهم، كما قال الشاعر :
| وَدَاعٍ دَعا يا مَنْ يُجِيبُ إلى النّدَى | فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ |
وأدخلت «من » في قوله :﴿مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى﴾ على الترجمة والتفسير عن قوله «منكم »، بمعنى : لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور والإناث وليست «من » هذه بالتي يجوز إسقاطها وحذفها من الكلام في الجحد، لأنها دخلت بمعنى لا يصلح الكلام إلا به. وزعم بعض نحويي البصرة أنها دخلت في هذا الموضع، كما تدخل في قولهم :«قد كان من حديث » قال :«ومن » ههنا أحسن، لأن النهي قد دخل في قوله : لا أضيع. وأنكر ذلك بعض نحويي الكوفة وقال : لا تدخل «من » وتخرج إلا في موضع الجحد¹ وقال : قوله :﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ لم يدركه الجحد، لأنك لا تقول : لا أضرب غلام رجل في الدار ولا في البيت فيدخل، ولا لأنه لم ينله الجحد، ولكن «مِنْ » مفسرة.
وأما قوله :﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فإنه يعني : بعضكم أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، مِنْ بعض، في النصرة والمسألة والدين، وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل على حكم أحدكم في أني لا أضيع عمل ذكر منكم ولا أنثى.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فالّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجوا مِنْ دِيارِهِمْ وأُوذُوا فِي سَبِيلي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا ولأُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهَارُ ثَوَابا مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثّوَابِ﴾.
يعني بقوله جل ثناؤه : فالذين هاجروا قومهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، وأخرجوا من ديارهم، وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة، وأوذوا في سبيلي، يعني : وأوذوا في طاعتهم ربهم، وعبادتهم إياه، مخلصين له الدين، وذلك هو سبيل الله التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله ﷺ من أهلها¹ وقتلوا، يعني : وقتلوا في سبيل الله وقاتلوا فيها، لأكفرن عنهم سيئاتهم، يعني : لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثوابها، يعني : جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله¹ من عند الله : يعني : من قِبَل الله لهم¹ والله عنده حسن الثواب، يعني : أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه، وذلك ما لا يبلغه وصف واصف، لأنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. كما :
حدثنا عبد الرحمن بن وهب، قال : حدثنا عمي عبد الله بن وهب، قال : ثني عمرو بن الحارث : أن أبا عشانة المعافري، حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : لقد سمعت رسول الله ﷺ، يقول :«إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين، الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة، فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول : أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير عذاب، ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون : ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدّس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا، فيقول الرب جل ثناؤه : هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل الملائكة عليهم من كل باب :﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ ».
واختلفت القراء في قراءة قوله :﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ فقرأه بعضهم :«وَقَتَلُوا وَقُتِلُوا » بالتخفيف، بمعنى أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين وقرأ ذلك آخرون :«وَقاتَلُوا وَقُتّلُوا » بتشديد قتّلوا، بمعنى : أنهم قاتلوا المشركين، وقتلهم المشركون بعضا بعد بعض وقتلاً بعد قتل. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين :«وَقاتَلُوا وَقَتَلُوا » بالتخفيف، بمعنى أنهم قاتلوا المشركين وقتلوا. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين :﴿وَقُتِلُوا﴾ بالتخفيف ﴿وَقاتَلُوا﴾ بمعنى : أن بعضهم قُتل، وقاتل من بقي منهم.
والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها إحدى هاتين القراءتين، وهي :«وَقاتَلُوا وقَتَلُوا » بالتخفيف، أو ﴿وقُتِلُوا﴾ بالتخفيف ﴿وَقاتَلُوا﴾ لأنها القراءة المنقولة نقل وراثة، وما عداهما فشاذ. وبأي هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوهما قرأ قارىء فمصيب في ذلك الصواب من القراءة، لاستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قراء الإسلام مع اتفاق معنييهما.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: فأجاب هؤلاء الداعين= بما وصف من أدعيتهم أنهم دعوا به (١) = ربُّهم، بأني لا أضيع عمل عامل منكم عمل خيرًا، ذكرًا كان العامل أو أنثى.
* * *
وذكر أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما بال الرجال يُذكرون ولا تذكر النساء في الهجرة"؟ فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك هذه الآية.
٨٣٦٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، تُذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر؟ فنزلت:"أنّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى"، الآية. (٢)
وسياق الكلام"فأجاب هؤلاء الداعين... ربهم" برفع"ربهم"، وما بينهما فصل في السياق، وهو تأويل قوله: "فاستجاب لهم ربهم".
(٢) الحديث: ٨٣٦٧ - هذا إسناد صحيح. ومؤمل: هو ابن إسماعيل، وهو ثقة، كما ذكرنا في: ٢٠٥٧.
سفيان - هنا -: هو الثوري، وإن كان مؤمل يروى أيضا عن ابن عيينة. ولكن بين أنه الثوري في رواية الحاكم، كما سنذكر في التخريج، إن شاء الله.
والحديث رواه الطبري أيضا، فيما يأتي في تفسير الآية: ٢٥ من سورة الأحزاب (ج٢٢ ص٨ بولاق)، عن ابن حميد، عن مؤمل، بهذا الإسناد. وذكره سببًا لنزول تلك الآية.
والحديث مروي على أنه سبب في نزول هذه الآية وتلك.
فرواه الحاكم في المستدرك ٢: ٤١٦، من طريق الحسين بن حفص، عن سفيان بن سعيد [وهو الثوري]، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة، قالت: "قلت: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ فأنزل الله عز وجل: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" الآية، وأنزل: "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
والحسين بن حفص الهمداني الإصبهاني: ثقة، كما ذكرنا في شرح: ٢٤٣٥.
وقد ذكر ابن كثير رواية الطبري الأخرى، في سورة الأحزاب ٦: ٥٣٣، غير منسوب.
ورواه أحمد في المسند ٦: ٣٠١ (حلبي)، سببًا لنزول آية الأحزاب. رواه من وجهين، جمعهما في إسناد واحد: من رواية عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، ومن رواية عبد الرحمن بن شيبة المكي الحجبي = كلاهما عن أم سلمة.
ثم أعاده مرة أخرى، ص: ٣٠٥ من الوجهين، فرقهما إسنادين.
ورواه المزي في تهذيب الكمال، في ترجمة"عبد الرحمن بن شيبة"، بإسناده إليه.
وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أن النسائي رواه في التفسير من طريق عبد الرحمن. فهو في السنن الكبرى.
ورواه الطبري، فيما سيأتي (ج٢٢ ص٨ بولاق)، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة - سببًا لنزول آية الأحزاب.
ويحيى بن عبد الرحمن: تابعي ثقة جليل رفيع القدر.
وذكر ابن كثير ٦: ٥٣٣ أنه رواه النسائي من طريقه ثم أشار إلى رواية الطبري إياه.
وانظر أيضا الدر المنثور ٥: ٢٠٠.
فالحديث في الموضعين في الطبري، من طريق مجاهد = مختصر.
وانظر الروايتين التاليتين لهذا.
٨٣٦٩ - حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أنها
* * *
وقيل:"فاستجاب لهم" بمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعر: (٢)
| وَدَاٍع دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى؟ | فَلَم يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (٣) |
* * *
وكذلك ذكره الترمذي في روايته مبهمًا.
فرواه ٤: ٨٨، عن ابن أبي عمر، عن سفيان -وهو ابن عيينة- بهذا الإسناد.
وكذلك أبهمه سعيد بن منصور: فرواه عن سفيان، به. فيما نقله عنه ابن كثير في التفسير ٢: ٣٢٦.
وبينه الحاكم في المستدرك.
فرواه ٢: ٣٠٠، من طريق يعقوب بن حميد: "حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سلمة بن أبي سلمة: رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. سمعت أبا أحمد الحافظ - وذكر في بحثين في كتاب البخاري: يعقوب عن سفيان، ويعقوب عن الدراوردي = فقال أبو أحمد: هو يعقوب بن حميد". والذهبي وافق الحاكم على أنه على شرط البخاري.
ويعقوب بن حميد بن كاسب: مضى توثيقه في: ٤٧٧٩، ٤٨٨٠، ومضى اعتراض الذهبي على الحاكم في تصحيح حديثه هناك. فالعجب أن يوافقه هنا!
و"سلمة بن أبي سلمة" هذا: هو"سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة"، نسب إلى جده الأعلى. وبعضهم يذكر نسبه كاملا، وبعضهم ينسبه لجده، يقول: "سلمة بن عمر بن أبي سلمة". وأم سلمة أم المؤمنين: هي أم جده"عمر بن أبي سلمة".
و"سلمة" هذا: مترجم في تهذيب التهذيب، ولم يترجم في أصله"تهذيب الكمال". وله ترجمة في الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٨١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٦٦.
والحديث ذكره السيوطي ٢: ١١٢، دون التقيد بتابعي معين عن أم سلمة، وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني.
(٢) كعب بن سعد الغنوي.
(٣) مضى البيت وتخريجه فيما سلف ١: ٣٢٠، تعليق: ١ / ٣: ٤٨٣، تعليق: ١.
* * *
وزعم بعض نحويي البصرة أنها دخلت في هذا الموضع كما تدخل في قولهم:"قد كان من حديث"، قال: و"من" ههنا أحسن، لأن النهي قد دخل في قوله:"لا أضيع".
* * *
وأنكر ذلك بعض نحويي الكوفة وقال: = لا تدخل"من" وتخرج إلا في موضع الجَحد. (٣) وقال: قوله:"لا أضيع عمل عامل منكم"، لم يدركه الجحد، لأنك لا تقول:"لا أضرب غلام رجل في الدار ولا في البيت"، فتدخل،"ولا"، (٤) لأنه لم ينله الجحد، ولكن"مِنْ" مفسرة. (٥)
* * *
وأما قوله:"بعضكم من بعض"، فإنه يعني: بعضكم= أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= من بعض، في النصرة والملة والدين، (٦) وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل، على حكم أحدكم في أني لا أضيع عمل ذكرٍ منكم ولا أنثى.
* * *
(٢) انظر زيادة"من" في الجحد فيما سلف ٢: ١٢٦، ١٢٧، ٤٤٢، ٤٧٠ / ٥: ٥٨٦.
(٣) انظر ما سلف ٢: ١٢٧.
(٤) في المطبوعة"فيدخل" بالياء، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها.
(٥) يعني بقوله"مفسرة" مبينة، وانظر التعليق السالف رقم: ١.
(٦) في المطبوعة: "والمسألة والدين"، والصواب من المخطوطة.
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فالذين هاجروا" قومَهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، (١) "وأخرجوا من ديارهم"، وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة="وأوذوا في سبيلي"، يعني: وأوذوا في طاعتهم ربَّهم، وعبادتهم إياه مخلصين له الدين، وذلك هو"سبيل الله" التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله ﷺ من أهلها (٢) ="وقاتلوا" يعني: وقاتلوا في سبيل الله ="وقتلوا" فيها (٣) ="لأكفرن عنهم سيئاتهم"، يعني: لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم (٤) ="ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا"، يعني: جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله (٥) ="من عند الله"، يعني: من قبل الله لهم (٦) ="والله عنده حسن الثواب"، يعني: أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه،
(٢) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف ٣: ٥٦٣، ٥٨٣، ٥٩٢ / ٤: ٣١٨ / ٥: ٢٨٠ / ٦: ٢٣٠.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "وقتلوا: يعني، وقتلوا في سبيل الله، وقاتلوا فيها" قدم وأخر في سياق الآية، وفي سياقة المعنى، والصواب ما أثبت، وإن كانت إحدى القراءات تجيز ما كان في المخطوطة، وانظر القراآت في الآية بعد.
(٤) انظر تفسير"التكفير" فيما سلف قريبًا ص: ٤٨٢.
(٥) انظر تفسير"الثواب" فيما سلف ٢: ٤٥٨ / ٧: ٢٦٢، ٣٠٤.
(٦) انظر تفسير"عند" فيما سلف ٢: ٥٠١.
٨٣٧٠ - حدثنا عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري حدثه: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان، لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول:"أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة"، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون:"ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا" فيقول الرب جل ثناؤه:"هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي". فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). (١) [سورة الرعد: ٢٤]
* * *
والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٧١- ٧٢، من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب -وهو عبد الله- بهذا الإسناد، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ورواه أيضا الطبراني، من طريق أحمد بن صالح، عن ابن وهب - فيما نقل عنه ابن كثير ٤: ٥١٩
ورواه أحمد في المسند، بنحوه: ٦٥٧٠، من طريق معروف بن سويد الجذامي، عن أبي عشانة المعافري.
ثم رواه - بنحوه أيضًا: ٦٥٧١، من طريق ابن لهيعة، عن أبي عشانة.
ورواه أبو نعيم في الحلية - مختصرًا - من طريق معروف بن سويد ١: ٣٤٧. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ٢٥٩، من روايتي المسند، وذكر في الأولى أنه رواه أيضًا البزار، والطبراني، "ورجالهم ثقات". وذكر في الثانية أنه رواه أيضًا الطبراني، "ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير أبي عشانة، وهو ثقة". وذكره السيوطي ٢: ١١٢، ونسبه لابن جرير، وأبي الشيخ، والطبراني والحاكم"وصححه"، والبيهقي في الشعب.
ثم ذكره مرة أخرى ٤: ٥٧- ٥٨، ونسبه لأحمد، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، والحاكم"وصححه"، وابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان.
ولم يذكره ابن كثير في هذا الموضع، بل ذكره في ذاك الموضع، في تفسير سورة الرعد، كما أشرنا إليه.
* * *
فقرأه بعضهم: (" وَقَتَلُوا وَقُتِّلُوا ") بالتخفيف، بمعنى: أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: (وَقَاتَلُوا وَقُتِّلُوا) بتشديد"قتَلوا"، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقتَّلهم المشركون، بعضًا بعد بعض، وقتلا بعد قتل.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين: (وَقَاتَلُوا وَقَتَلُوا) بالتخفيف، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقَتَلوا.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين:"وَقُتِلُوا" بالتخفيف."وقاتلوا"، بمعنى: أن بعضهم قُتِل، وقاتل من بقي منهم.
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها، إحدى هاتين القراءتين، وهي:"وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا" بالتخفيف، أو"وَقَتَلُوا" بالتخفيف"وَقَاتَلُوا" لأنها القراءة المنقولة نقل وراثةٍ، وما عداهما فشاذ. وبأيّ هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوَهما، قرأ قارئ فمصيب في ذلك الصوابَ من القراءة، لاستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قرأة الإسلام، مع اتفاق معنييهما.
* * *