قال مقاتل بن سليمان: ثم اختار من الأديان دين الإسلام، فقال عز وجل: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله﴾ يعني: أخلص دينه لله، ﴿وهو محسن﴾ في عمله. وأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿هذان خصمان﴾ يعني: كفار أهل الكتاب ﴿اختصموا﴾ يعني: ثلاثتهم؛ المسلمين، واليهود، والنصارى ﴿في ربهم﴾ أنهم أولياء الله. ثم أخبر بمستقر الكافر، فقال: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ [الحج:١٩]، يعني: جعلت لهم ثياب من نار، إلى آخر الآية. ثم أخبر سبحانه بمستقر المؤمنين، فقال: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار... ﴾ إلى آخر الآية [الحج:٢٣]
عن قتادة بن دعامة -من طريق أبي بكر بن عبد الله- في قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾، قال: كان إحسانُه -فيما ذُكِر لنا- أنّه كان يُعزِّي حزينَهم، ويُداوي مريضَهم، ورأوا منه عبادًة واجتهادًا، فأحبُّوه. وقال: لَمّا انتهى يوسفُ إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقَطَع رجاؤُهم، واشْتَدَّ بلاؤُهم، وطال حُزنُهم، فجعل يقول: أبشِروا، اصبِرُوا تُؤْجَروا، إنّ لِهذا أجرًا، إنّ لِهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك، ما أحسن وجهكَ، وأحسن خَلْقَك، وأحسن خُلُقَك! لقد بُورك لنا في جِوارك، ما نُحِبُّ أنّا كُنّا في غير هذا منذ حُبِسنا؛ لِما تُخْبِرُنا مِن الأجر والكفّارة والطهارة، فمَن أنت، يا فتى؟ قال: أنا يوسف، ابن صَفِيِّ الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام-. وكانت عليه مَحَبَّة، وقال له عامل السجن: يا فتى، واللهِ، لو استطعتُ لَخَلَّيْتُ سبيلَك، ولكن سأُحْسِن جِوارك، وأُحْسِنُ إسارَك، فكُن في أيِّ بيوت السِّجن شئت
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: التَقى ناسٌ من المسلمين واليهود والنصارى، فقالت اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا مَن كان يهودِيًّا. وقالت النصارى مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم، وقد أُمِرْتُم أن تَتَّبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا مَن كان على ديننا. فردَّ الله عليهم قولهم، فقال: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾. ثم فضَّل الله المؤمنين عليهم، فقال: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح-: أنّ يوسف قال لهما حين قالا له ذلك: أنشُدُكما اللهَ ألّا تُحِبّاني، فواللهِ، ما أحَبَّني أحدٌ قطُّ إلا دخل عَلَيَّ مِن حُبِّه بلاءٌ؛ لقد أحَبَّتني عَمَّتي فدخل عَلَيَّ مِن حُبِّها بلاءٌ، ثم أحبني أبي فدخل عَلَيَّ بحبِّه بلاءٌ، ثم أحبَّتني زوجةُ صاحبي هذا فدخل عليَّ بحُبِّها إيّاي بلاءٌ، فلا تُحِبّاني، بارك الله فيكما. فأبيا إلا حُبَّه وإلْفَه حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان مِن فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين أُدخلا السجن رؤيا؛ فرأى مجلث أنّه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ورأى نبو أنه يعصِرُ خمرًا، فاسْتَفْتَياه فيهما، وقالا له: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾
قال ابنُ كثير (١١/١٨٩): «المتعة ههنا أعم مِن أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمي لها، قال الله تعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾، وقال عز وجل: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾، وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد، وأبي أسيد رضي الله عنهما قالا: إن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلمّا أن دخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيَّين»
وجه ابنُ تيمية (٥/٩١) تفسير الحسنة بكلمة التوحيد، والسيئة بالشرك، فقال: «فأهل القول الأول قالوه لدخول أعمال البر في التوحيد؛ لأنه عبادة الله بما أمر به، كما قال تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ [البقرة:١١٢]، وقال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة... ﴾ [إبراهيم:٩١]، فالكلمة الطيبة هي التوحيد، وهي كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل وقت، وكذلك السيئة هي العمل لغير الله، وهذا هو الشرك، فالإنسان حارث همام لابد له مِن عمل، ولابد له من مقصود يعمل لأجله، وإن عمل لله ولغيره فهو شِرك، والذنوب من الشرك، فإنها طاعة للشيطان، قال: ﴿إني كفرت بما أشركتموني من قبل﴾ [إبراهيم:٢٢]، ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان﴾ [يس:٦٠]، وفي الحديث: «وشر الشيطان، وشركه»»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تفسير قوله: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ على أقوال: أحدها: أنّ الحسنى: الجنة. والزيادة: النَّظَر إلى وجه الله تعالى. والثاني: أنّ الحسنى: واحدة من الحسنات. والزيادة: مضاعفتها إلى عشر أمثالها. الثالث: أنّ الحسنى: حسنة مثل حسنة. والزيادة: مغفرة ورضوان. والرابع: أنّ الحسنى: الجزاء في الآخرة. والزيادة: ما أُعْطُوا في الدنيا. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/١٦٤-١٦٥) جميعَ تلك المعاني استنادًا إلى العموم، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تبارك وتعالى- وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إيّاه الجنةَ، وأن تبْيَضَّ وجوهُهم، ووعدهم مع الحسنى الزيادةَ عليها، ومِن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرَفًا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانًا ورضوانًا؛ كل ذلك مِن زيادات عطاءِ الله إيّاهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمَّ ربُّنا -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿وزيادة﴾ الزيادات على الحسنى، فلم يُخَصِّص منها شيئًا دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم -إن شاء الله-. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُعمّ كما عَمَّه -عزَّ ذِكْرُه-». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧/٣٥٤). وعلَّق ابنُ عطية (٤/٤٧٤) على ترجيح ابن جرير للعموم بقوله: «ويُؤَيِّد ذلك أيضًا قولُه: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٤٧٣) القول الأول استنادًا إلى أقوال السلف. وكذا رجَّحه ابنُ القيم (٢/٣٥) استنادًا إلى السُّنَّة، وأقوال السلف، وذكر أنّ مَن فَسَّر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤيته -تبارك وتعالى-. وأورد ابنُ عطية (٤/٤٧٤) إشكالًا على القول الأول؛ بأنّه لو كان معنى الحسنى: الجُنَّة، لكان في القول تكرير بالمعنى، وأجاب عنه بقوله: «على أنّ هذا ينفصل عنه بأنّه وصف المحسنين بأنّ لهم الجنة، وأنّهم لا يرهق وجوهَهم قترٌ ولا ذِلَّة، ثم قال: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ على جهة المدح لهم، أي: أولئك مُسْتَحِقُّوها وأصحابها حقًّا وباستيجاب»
نقل ابنُ القيم (٢/٥٦-٥٧) عن ابن الأنباري في قوله: ﴿إن ربي على صراط مستقيم﴾ قولين، فقال: «وقال ابن الأنباري: لَمّا قال: ﴿هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ كان في معنى: لا يخرج مِن قبضته، وأنّه قاهِرٌ بعظيم سلطانه لكل دابة، فأتبع قوله: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: وهذا نحو كلام العرب إذا وصَفُوا بحسن السيرة والعدل والإنصاف قالوا: فلان على طريقة حسنة، وليس ثمَّ طريق. ثم ذكر وجهًا آخر، فقال:»لَمّا ذكر أنّ سلطانه قد قهر كل دابة أتبع هذا قوله: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: لا تخفى عليه مشيئتُه، ولا يعدل عنه هارِبٌ، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به: الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه، كما قال: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر:١٤]«. ثم وجّه ابنُ القيم معنى الآية على القولين، فقال:»فعلى هذا القول الأول يكون المراد: أنّه في تصرُّفه في ملكه يتصرَّف بالعدل، ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا يظلم مثقال ذرة، ولا يُعاقِب أحدًا بما لم يَجْنِه، ولا يهضمه ثوابَ ما عمله، ولا يحمل عليه ذنبَ غيره، ولا يأخذ أحدًا بجريرة أحد، ولا يُكَلِّف نفسًا ما لا تطيقه، فيكون من باب: له الملك وله الحمد، ومن باب: ماضٍ فِيَّ حُكْمُك عدلٌ فِيَّ قضاؤك، ومن باب: الحمد لله رب العالمين، أي: كما أنّه رب العالمين المتصرف فيهم بقدرته ومشيئته فهو المحمود على هذا التصرف، وله الحمد على جميعه. وعلى القول الثاني المراد به: التهديد والوعيد، وأنّ مصير العباد إليه، وطريقهم عليه، لا يفوته منهم أحد، كما قال تعالى: ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر:٤١]""
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «لن تنفَكُّوا بخيرٍ ما استغنى أهلُ بَدْوكم عن أهل حَضركم، ولَتسوقنَّهم السُّنون والسناتُ حتى يكونوا معكم في الديار، ولا تمتنعوا منهم لكثرة مَن يسير عليكم منهم». قال: «يقولون: طالما جُعنا وشَبِعتم، وطالما شَقِينا ونَعِمتم، فواسُونا اليوم. ولتَسْتصعِبنّ بكم الأرض حتى يَغبط أهلُ حَضركم أهلَ بَدْوكم، ولتميلنَّ بكم الأرضُ مَيْلة يَهلك منها مَن هلك، ويبقى من بقي، حتى تُعتق الرقاب، ثم تهدأ بكم الأرض بعد ذلك حتى يندم المُعتِقون، ثم تميل بكم الأرض ميلة أخرى فيَهلك فيها مَن هلك، ويبقى من بقي، يقولون: ربنا نُعتِق، ربنا نُعتق. فيُكذّبهم الله: كذبتم، كذبتم، أنا أُعتِق. قال: وليُبْتلينّ أخريات هذه الأُمّة بالرجف، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإنْ عادوا عاد الله عليهم الرجف والقذف والخذف والمسخ والخسف والصواعق، فإذا قيل: هلك الناس، هلك الناس. فقد هلكوا، ولن يُعذّب الله أُمّةً حتى تُعذَر». قالوا: وما عذرها؟ قال: «يعترفون بالذنوب ولا يتوبون، ولتطمئن القلوب بما فيها مِن بِرِّها وفجورها كما تطمئن الشجرة بما فيها، حتى لا يستطيع محسن يزداد إحسانًا، ولا يستطيع مُسِيء استعتابًا. قال الله: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ يقول: كما يُمَتِّع الرجل امرأته إذا طلَّقها سوى المهر، ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ يقول: حسنًا في غير ضرار، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ يعني: الجنة ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة. فقالت عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وحين خيّرهن النبي ﷺ: بل نختار الله والدار الآخرة، وما لنا وللدنيا! إنما جُعلت الدنيا دار فناء، والآخرة هي الباقية أحبُّ إلينا من الفانية. فرضي نساؤه كلهن بقول عائشة رضي الله عنها، فلما اخترن الله ورسوله أنزل الله عز وجل: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢]