سورة الأعراف — الآية ٦٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل عن الضحاك، ومن طريق ابن إسحاق عن رجال سمّاهم، ومن طريق الكلبي- قالوا جميعًا: إنّ عادًا كانوا أصحاب أوثانٍ يعبُدُونها، اتخذوا أصنامًا على مثال وُدٍّ، وسُواعٍ، ويَغُوثَ، ونَسْرٍ، فاتَّخذوا صَنَمًا يُقال له: صَمُودُ، وصَنمًا يقال له: الهتالُ، فبعث الله إليهم هودًا، وكان هودٌ مِن قبيلة يُقال لها: الخلودُ، وكان مِن أوسطِهم نَسَبًا، وأفضلِهم موضعًا، وأشرفِهم نفسًا، وأصبَحِهم وجهًا، وكان في مثل أجسادهم، أبيضَ، جَعْدًا، باديَ العَنفَقَةِ، طويلَ اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يُوَحِّدوه، وأن يَكُفُّوا عن ظلم الناس، ولم يأمرْهم بغير ذلك، ولم يَدْعُهم إلى شريعة ولا إلى صلاةٍ، فأبَوْا ذلك، وكذَّبوه، وقالوا: ﴿من أشدُّ منا قوةً﴾ [فصلت:١٥]. فذلك قولُه تعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهُم هودًا﴾ كان من قومهم، ولم يكنْ أخاهم في الدينِ، ﴿قال يا قومِ اعبُدُوا الله﴾ يعني: وحِّدُوا اللهَ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، ﴿مّا لكم﴾ يقول: ليس لكم مِن إله غيرُه، ﴿أفلا تتقُون﴾ يعني: فكيف لا تتَّقون؟ ﴿واذكرُوا إذ جعلكُم خلفآء﴾ يعني: سُكّانًا في الأرض ﴿من بعد قومِ نوحٍ﴾ فكيف لا تعتبِروا فتؤمِنوا، وقد علِمتُم ما نَزَل بقوم نوح مِن النِّقمة حين عصَوه؟! ﴿فاذكروا آلاء اللهِ لعلكم﴾ يعني: هذه النعم، ﴿لعلكُم تُفلحونَ﴾ أي: كي تُفلِحوا. وكانت منازلهُم بالأحقافِ، والأحقافُ: الرَّمْلُ فيما بين عُمان إلى حضرموتَ باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسَدوا في الأرض كلِّها، وقهَروا أهلَها بفضل قوَّتِهم التي آتاهم اللهُ

سورة البقرة — الآية ١٨٧

عن ابن عباس -من طريق العوفي- قال: كان الناس أوّل ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه، حتى إذا أمسى طَعِم من الطعام فيما بينه وبين العَتَمَة، حتى إذا صُلّيتْ حَرُم عليهم الطعام حتى يُمْسِي من الليلة القابلة، وإنّ عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سَوَّلَتْ له نفسُه، فأتى أهلَه، ثم أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فإنها زيّنت لي، فواقعتُ أهلي، هل تجدُ لي مِن رخصةٍ؟ قال: «لم تكن حقيقًا بذلك، يا عمر». فلما بلغ بيتَه أرسلَ إليه، فأنبأه بعُذْرِه في آية من القرآن، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة، فقال: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ إلى قوله: ﴿تختانون أنفسكم﴾. يعني بذلك: الذي فعل عمر، فأنزل الله عفوه، فقال: ﴿فتاب عليكم﴾ إلى قوله: ﴿من الخيط الأسود﴾. فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح

سورة النساء — الآية ٢٤

عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ هذه الآية التي في سورة النساء: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ نزلت في امرأةٍ يُقال لها: معاذة. وكانت تحت شيخ مِن بني سَدُوس يُقال له: شجاع بن الحارث. وكان معها ضَرَّة لها قد ولدت لشجاع أولادًا رِجالًا، وإنّ شجاعًا انطلق يَمِير أهله مِن هَجَر، فمَرَّ بمعاذةَ ابنُ عمٍّ لها، فقالت له: احملني إلى أهلي؛ فإنّه ليس عند هذا الشيخ خير. فاحتملها، فانطلق بها، فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله وأفضلَ العرب، إنِّي خرجت أبغيها الطعام في رجب، فتَوَلَّتْ وأَلَطَّتْ بالذَّنَب، وهُنَّ شرٌّ غالِبٌ لِمَن غلب، رأت غلامًا وارِكًا على قَتَب، لها وله أرَبٌ. فقال رسول الله ﷺ: «عليَّ عليَّ، فإن كان الرجل كشف بها ثوبًا فارجموها، وإلا فردوا على الشيخ امرأته». فانطلق مالكُ بن شجاع وابن ضَرَّتِها، فطلبها، فجاء بها، ونزلت بيتها

سورة المائدة — الآية ٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، يعني: يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال، ولا حرام، ولا حكم، ولا حَدٌّ، ولا فريضة، غير آيتين من آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء:١٧٦]. ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يعني: شرائع دينكم، أمر الحلال والحرام؛ وذلك أنّ الله -جَلَّ ذِكْرُه- كان فَرَض على المؤمنين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، والإيمان بالبعث، والجنة، والنار، والصلاة ركعتين غدوة، وركعتين بالعشي، شيئًا غير مُؤَقَّت، والكف عن القتال قبل أن يُهاجِر النبي ﷺ، وفُرضت الصلوات الخمس ليلة المِعْراج وهو بعدُ بمكة، والزكاة المفروضة بالمدينة، ورمضان، والغُسل من الجنابة، وحج البيت، وكل فريضة، فلما حجَّ حجة الوداع نزلت هذه الآية يوم عرفة، فبَرَكَت ناقة النبي ﷺ؛ لنزول الوحي بجَمْع، وعاش النبي ﷺ بعدها إحدى وثمانين ليلة، ثم مات يوم الاثنين لليلَتَيْن خَلَتا من شهر ربيع الأول، وهي آخر آية نزلت في الحلال والحرام

سورة المائدة — الآية ٦

عن شَقِيقٍ، قال: كنتُ جالسًا مع عبد الله [بن مسعود] وأبي موسى [الأشعري]، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيتَ لو أن رجلًا أجْنَبَ، فلم يَجِد الماءَ شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يَتَيَمَّم، وإن لم يَجِد الماءَ شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ فقال عبد الله: لو رُخِّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا بَرَد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبتُ، فلم أجد الماء، فتمَرَّغْتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابةُ، ثم أتيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: «إنَّما كان يَكْفِيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه؟ فقال عبد الله: أولم ترَ عمر لم يَقْنَع بقول عَمّار؟

عن سَهْلِ بن حُنَيْف أنه قال يوم صفين: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحُدَيبية -يعني: الصُّلح الذي كان بين النبيِّ ﷺ وبين المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ، فقال يا رسول الله: ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ أليس قتْلانا في الجنّة وقتْلاهم في النار؟ قال: «بلى». قال: ففيمَ نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجع ولَمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟! فقال: «يا ابن الخطاب، إنِّي رسول الله، ولن يضيّعني الله أبدًا». فرجع مُتَغَيِّظًا، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتْلانا في الجنة وقتْلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدَّنيّة في ديننا؟! قال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله، ولن يضيّعه الله أبدًا. فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمر، فأقرأه إياها، قال: يا رسول الله، أوَفتح هو؟ قال: «نعم»

سورة النجم — الآية ٢٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ بأنّ الملائكة تشفع لهم، وذلك أنّ النبي ﷺ قرأ سورة النَّجْمِ، ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾، أعلنهما بمكة، فلما بلغ: ﴿أفَرَأَيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ﴾ نَعس، فألقى الشيطان على لسانه: تلك الثالثة الأخرى، تلك الغَرانيق العُلا، عندها الشفاعة تُرتجى. يعني: الملائكة. ففرح كفار مكة، ورَجَوا أن يكون للملائكة شفاعة، فلمّا بلغ آخرَها سجد، وسجد المؤمنون تصديقًا لله تعالى، وسجد كفار مكة عند ذِكر الآلهة، غير أنّ الوليد بن المغيرة وكان شيخًا كبيرًا فرفع التراب إلى جبهته، فسجد عليه، فقال: يحيا كما تحيا أُمّ أيمن وصواحباتها. وكانت أُمّ أيمن خادم النبي ﷺ، وأيمن خادم النبي ﷺ قُتل يوم خيبر. وقال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢] لا شكّ فيه. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ فلمّا رَجوا أنّ للملائكة شفاعة أنزل الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ يعني: الدنيا والآخرة

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏١٠٤-١٠٥) في الوعد الذي حدث به المؤمنون أن الله وعدهم به قولين، فقال: «واختلف المتأولون ماذا أرادوا بوعد الله ورسوله لهم؟ فقالت فرقة: أرادوا ما أعلمهم به رسول الله ﷺ حين أمر بحفر الخندق، فإنه أعلمهم بأنهم سيُحصرون، وأمَرَهم بالاستعداد لذلك، وبأنهم سينتصرون من بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب قالُوا هذا ما وعدنا الله ورسولُه. فسلموا الأمر وانتظروا آخره. وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ما نزل في سورة البقرة [٢١٤] من قوله: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾». ثم علّق عليهما بقوله: «ويحتمل أن يكون المؤمنون نظروا في هذه الآية، وفي قول رسول الله ﷺ عند أمرهم بحفر الخندق، وأشاروا بالوعد إلى جميع ذلك، وهي مقالتان إحداهما من الله، والأخرى من رسوله»

علَّق ابن كثير (١٤‏/‏١٢-١٣) على هذا الحديث بقوله: «انفرد بإخراجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم، عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى، به وزاد بعد قوله: سورة المنافقين ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول﴾ حتى بلغ: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى بلغ: ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾». ثم ذكر أن قد روى عبد الله بن لَهيعة، عن أبي الأسود، عروة بن الزبير في المغازي -وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أيضًا هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بلَّغ رسول الله ﷺ كلام عبد الله بن أُبيّ بن سَلول إنما هو أوس بن أرْقَم، من بني الحارث بن الخزرج. وعلَّق بقوله: «فلعلّه مبلّغ آخر، أو تصحيف من جهة السمع»

سورة الأعراف — الآية ٦٥

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، إنّ عادًا أتاهم هود، فوَعَظَهم، وذكَّرهم بما قصَّ اللهُ في القرآن، فكذَّبوه، وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب، فقال لهم: ﴿إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به﴾. وإنّ عادا أصابهم حين كفروا قحوط المطر، حتى جهدوا لذلك جهدًا شديدًا، وذلك أنّ هودًا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فلمّا دَنَتْ منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلمّا رأوها تَنادَوا: البيوتَ. فلمّا دخلوا البيوتَ دَخَلَتْ عليهم، فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم ﴿في يوم نحس﴾ والنحس: هو الشؤم، و﴿مستمر﴾ [القمر:١٩]، استَمَرَّ عليهم العذاب ﴿سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ [الحاقة:٧] حَسَمَتْ كُلَّ شيءٍ مَرَّت به. فلما أخرجتهم من البيوت قال الله: ﴿تنزع الناس﴾ من البيوت، ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠] انقَعَر من أصوله، ﴿خاوية﴾ [الحاقة: ٧]: خَوَتْ، فسَقَطَتْ. فلمّا أهلكهم الله أرسل إليهم طيرًا سُودًا، فنقلتهم إلى البحر، فألقتهم فيه، فذلك قوله: ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولم تخرج ريحٌ قطُّ إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنّها عَتَت على الخَزَنَة، فغَلَبَتْهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، وذلك قوله: ﴿فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ [الحاقة: ٦]، والصرصر: ذات الصوت الشديد