عن أبي حَبَّة البدريّ، قال: لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخرها؛ قال جبريل: يا رسول الله، إنّ ربك يأمرك أن تُقرِئها أُبيًّا. فقال النبيُّ ﷺ لأُبيّ: «إنّ جبريل أمرني أنْ أُقرئك هذه السورة». قال أبي: وقد ذُكرتُ ثَمَّ، يا رسول الله؟! قال: «نعم». فبكى
قال مقاتل بن سليمان: كانت هذه السورةُ آيةَ موتِ النبيِّ ﷺ، فقرأها على أبي بكر وعمر، ففرحا، وسمعها عبدُ الله بن عباس فبكى، فقال له النبي ﷺ: «صدقتَ». فعاش النبيُّ ﷺ بعدها ثمانين يومًا. ومسح رسول الله ﷺ بيده على رأس ابن عباس، وقال: «اللهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾: إذ كنتم تَذابَحُون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم، أما -والله الذي لا إله إلا هو- إنّ الأُلْفة لَرحمة، وإنّ الفُرقة لَعذاب. ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ كان يقول: «والذي نفس محمد بيده، لا يتواد رجلان في الإسلام فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما، وإن أردأهما المحدث»
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله -جلَّ وعَزَّ-: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه﴾، وقوله: ﴿وتقطّعوا أمرهم بينهم﴾ [الأنبياء:٩٣]، وقوله عز وجل: ﴿إذا سمعتم آيات الله يكفر بها﴾ [النساء:١٤٠]، وقوله: ﴿ولا تتبعوا السبل﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقوله: ﴿أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ [الشورى:١٣]، ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة في القرآن، وأخبرهم: إنّما هلك مَن كان قبلكم بالمِراء والخصومات في دين الله
لم يذكر ابنُ جرير (٩/١٤٩-١٥٠) غير هذا القول وما في معناه. وساق ابنُ عطية (٣/٣١٢) هذا القول، ثم نقل عن فرقة أنها قالت: بل المعنى: أنّ النطفة التي يخلق منها الإنسان أصلها من طين، ثم يقلبها الله نطفة. ثم رجَّح القول الأول، وانتقد القول الثاني مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة، فقال: «والقول الأول ألْيَق بالشريعة؛ لأن القول الثاني إنما يترتب على قول مَن يقول بأنّ الطين يرجع بعد التولد والاستحالات الكثيرة نطفة، وذلك مردود عند الأصوليين»
وجَّه ابنُ جرير (١٠/٤٤٣) قول سفيان بن عيينة، فقال: «وتأويل ابن عيينة هذا يدُلُّ على أنّ هذا الكلام كان عنده من الله وعيدًا لأهل الكفر بالله مِمَّن بُعِث إليه نبيُّنا محمد ﷺ دون قوم موسى؛ لأن القرآن إنما أنزل على نبينا محمد ﷺ دون موسى عليه السلام». واستدرك عليه ابنُ كثير (٦/٣٩٣)، فقال: «ليس هذا بلازم؛ لأنّ ابن عيينة إنّما أراد أنّ هذا مُطَّرِدٌ في حَقِّ كُلِّ أُمَّة، ولا فرق بين أحَدٍ وأَحَدٍ في هذا»
ذكر ابنُ عطية (٦/٣٩٧) في قوله: ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ عدة أقوال، فقال: «وقوله: ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ قال الحسن: المعنى: كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه فهو يثابر عليهما ويؤديهما. وقال مجاهد: الصلاة للبشر، والتسبيح لما عداهم. وقالت فرقة: المعنى: كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذيْن أمر بهما وهَدى إليهما. فهذه إضافة خلق إلى خالق. وقال الزجاج وغيره: المعنى: كل قد علم الله صلاته وتسبيحه. فالضميران للكل»
قال ابنُ عطية (٧/٩٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيةَ: رفع للحرج عمَّن وهِمَ ونسي وأخطأ، فجرى لسانه على العادة مِن نسبة زيد إلى محمد ﷺ وغير ذلك مما يشبهه، وأبقى الجناح في التعمد مع النهي المنصوص. ثم نقل عن فرقة أنها قالت: بأن خطأهم كان فيما سلف من قولهم ذلك. ثم انتقد (٧/٩١) مستندًا إلى الدلالة العقلية ذلك قائلًا: «وهذا ضعيف، ولا يوصف ذلك بالخطأ إلا بعد النهي، وإنما الخطأ هنا بمعنى: النسيان، وما يكون مقابل العمد»
ذكر ابنُ عطية (٧/٤٣١) أن قوله: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ متصل بقوله: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لأن سرعة حسابه تعالى للخلْق إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى رؤية وفكرة، ولا لشيء مما يحتاجه الحاسبون. ثم ذكر أنّ فرقة قالت: ﴿يَعْلَمُ﴾ متصل بقوله: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهُمْ شَيْءٌ﴾، وعلَّق عليه بقوله (٧/٤٣٢): «وهذا قول حسن، يقويه تناسب المعنيين». ثم انتقده مستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «ويضعّفه بُعْدُ الآية من الآية، وكثرة الحائل»
قال ابنُ عطية (٨/٨١): «وقوله تعالى: ﴿كذلك﴾ تقديره: سيرة الأمم كذلك، أو الأمر في القديم كذلك. وقوله: ﴿إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ معناه: إلا قال بعض هذا، وبعض الجميع، ألا ترى أنّ قوم نوح لم يقولوا قط: ساحر. وإنما قالوا: ﴿به جنة﴾ [سبأ:٨]! فلما اختلف الفرق جعل الخبر عن ذلك بإدخال ﴿أو﴾ بين الصفتين، وليس المعنى أنّ كلّ أمة قالت عن نبيها: إنه ساحر أو هو مجنون، فليست هذه كالمتقدمة في فرعون، بل هذه كأنه قال: إلا قالوا: هو ساحر، وهو مجنون»