اختُلف في معنى: ﴿فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ على قولين: الأول: فأوحى الله إلى عبده محمدٍ ﷺ وحْيَه. الثاني: فأوحى جبريل عليه السلام إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى إليه ربُّه. ووجَّه ابنُ جرير (٢٢‏/‏٢٠) القول الثاني بقوله: «وقد يتوجَّه على هذا التأويل ﴿ما﴾ لوجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى: الذي، فيكون معنى الكلام: فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربُّه. والآخر: أن تكون بمعنى المصدر». ثم رجَّحه مستندًا إلى دلالة السياق، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن افتتاح الكلام جرى في أول السورة بالخبر عن محمد ﷺ، وعن جبريل عليه السلام، وقوله: ﴿فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ في سياق ذلك، ولم يأت ما يدل على انصراف الخبر عنهما فيوجَّه ذلك إلى ما صُرِف إليه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٥٦) على القول الأول والثاني بقوله: «وكلا المعنيين صحيح». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏١١٠) عن بعض العلماء أن المعنى: «فأوحى الله تعالى إلى عبده جبريل عليه السلام ما أوحى»

سورة البقرة — الآية ٥٦

قال مقاتل بن سليمان:... قال السبعون لموسى: نحن أصحابك، جئنا معك، ولم نخالفك في أمر، ولنا عليك حق؛ فأرنا الله جهرة -يعني: مُعايَنة- كما رأيته. فقال موسى: واللهِ، ما رأيتُه، ولقد أردتُه على ذلك، فأبى، وتجلى للجبل فجعله دكًّا -يعني: فصار دَكًّا-، وكان أشدَّ مني وأقوى. فقالوا: إنّا لا نؤمن بك ولا نقبل ما جئت به حتى تُرِيَناهُ مُعايَنَةً. فلما قالوا ذلك أخذتهم الصاعقة، يعني: الموت عقوبة... ثم أنعم الله عليهم، فبعثهم، وذلك أنهم لما صعقوا قام موسى يبكي، وظن أنهم إنما صعقوا بخطيئة أصحاب العجل، فقال عز وجل في سورة الأعراف [١٥٥]: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾. وقال: يا ربِّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم وقد أهلكتَ أحبارهم؟! فبعثهم الله عز وجل لما وجد موسى من أمرهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾، يقول: لكي تشكروا ربكم في هذه النعمة، فبعثوا يوم ماتوا، ثم انصرفوا مع موسى راجعين

سورة سبأ — الآية ٥١

عن حذيفة بن اليمان، قال: ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ فتنةً تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: «فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفيانِيُّ مِن الوادي اليابس، في فورة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين؛ جيشًا إلى المشرق، وجيشًا إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقُرون بها أكثر مِن مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيُخرّبون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج رايةُ هدًى مِن الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم، لا يُفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم مِن السبي والغنائم، ويُخَلِّي جيشه الثاني بالمدينة، فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريلَ، فيقول: يا جبريل، اذهب فأَبِدهم. فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم، فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ الآية. فلا ينفلت منهم إلا رجلان؛ أحدهما بشير، والأخر نذير، وهما من جهينة». فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين

سورة الزخرف — الآية ٤٤

عن عديّ بن حاتم، قال: كُنتُ قاعدًا عند رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنّ الله عَلِم ما في قلبي مِن حُبّي لقومي، فسرَّني فيهم، فقال: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ فجعل الذِّكْرَ والشرف لقومي في كتابه، ثم قال: ﴿وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤-٢١٥] يعني: قومي، فالحمد لله الذي جعل الصّدِّيق من قومي، والشهيد من قومي، والأئمة مِن قومي، إنّ الله قلّب العباد ظهرًا وبطنًا، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بها: قريشًا، ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ يقول: أصلها كَرم، ﴿وفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ [إبراهيم:٢٤] يقول: الشرف الذي شرَّفهم الله بالإسلام الذي هداهم له، وجعلهم أهله، ثم أنزل فيهم سورة من كتاب الله مُحكمة: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾» إلى آخرها. قال عَديّ بن حاتم: ما رأيتُ رسول الله ﷺ ذُكرتْ عنده قريش بخير قطّ إلا سرّه، حتى يتبيّن ذلك السرور للناس كلّهم في وجهه، وكان كثيرًا ما يتلو هذه الآية: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُون﴾

عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود-، ومحمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق موسى بن عقبة- قالا: أقبل رسول الله ﷺ من الحُدَيبية راجعًا، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: واللهِ، ما هذا بفتح؛ لقد صُدِدنا عن البيت، وصُدّ هَدْيُنا. وعكف رسول الله ﷺ بالحُدَيبية، وردّ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح. فقال رسول الله ﷺ: «بئس الكلام، هذا أعظم الفتح؛ لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالرّاحِ عن بلادهم، ويسألوكم القَضِيَّةَ، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد كرهوا منكم ما رأَوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردّكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أُحد إذ تُصعِدون ولا تَلْوُون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟! أنسيتم يوم الأحزاب ﴿إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب:١٠]؟!». قال المسلمون: صدق اللهُ ورسولُه، هو أعظم الفتوح، واللهِ، يا نبي الله، ما فكّرنا فيما فكّرتَ فيه، ولأنت أعلم بالله وبالأمور مِنّا. فأنزل الله سورة الفتح

عن أبي الأسود -من طريق ابن لَهيعة- عن عروة: أنّ أوْس بن أقرم، وهو رجل من بني الحارث بن الخَزْرَج، هو الذي سمع قول عبد الله بن أُبيّ، فأَخبَر بذلك عمر بن الخطاب، وذَكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، وبعَث رسول الله ﷺ إلى ابن أُبيّ، فسأله عما تَكلّم به، فحَلف بالله ما قال من ذلك شيئًا، فقال له رسول الله ﷺ: «إن كان سَبق منك قول فتُبْ». فجَحد وحَلف، فوقع رجال بأَوْس بن أقرم، وقالوا: أسأتَ بابن عمّك وظَلمتَه، ولم يُصدّقك رسول الله ﷺ. فبينما هم يسيرون إذ رَأوا رسول الله ﷺ يُوحى إليه، فلما قضى الله قضاءَه في موطنه ذلك، وسُرِّي عنه؛ نظر رسول الله ﷺ، فإذا هو بأَوْس بن أقرم، فأَخذ بأُذُنه، فعصَرها، حتى استشرف القوم؛ فقام رسول الله ﷺ، فقال: «أبْشِر، فقد صدق الله حديثك». ثم قرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أُبيّ: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى بلغ: ﴿ولكن المنافقين لا يعلمون﴾

سورة العلق — الآية ١

عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب: أنّ أول ما رأى النبي ﷺ أنّ الله عز وجل أراه رؤيا في المنام، فشقّ ذلك عليه، فذكرها رسول الله ﷺ لامرأته خديجة بنت خُوَيْلد بن أسد، فعصمها الله عز وجل من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشِر، فإنّ الله عز وجل لن يصنع بك إلا خيرًا. ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها، فأخبرها أنه رأى بطنه شُقّ، ثم طُهِّر وغُسِل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا -والله- خيرٌ، فأبشِر. ثم استعلن له جبريل عليه السلام وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلس كريم مُعجب كان النبي ﷺ يقول: «أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ». فبشّره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن النبي ﷺ، فقال له جبريل عليه السلام: اقرأ. فقال: «كيف أقرأ؟». قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:١-٥]، ويزعم ناس أنّ ﴿يا أيها المدثر﴾ أول سورة أُنزِلَتْ عليه، والله أعلم

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٩) أن هذا القول بيِّن، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل اللفظ أن يريد بالزكاة: الفضائل، كأنه أراد الأزكى مِن كل فعل، كما قال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]». وعلَّق ابنُ كثير (١٠‏/‏١٠٨)بقوله: «الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا: زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام [١٤١]، وهي مكية: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، وكقوله: ﴿وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت:٦-٧]، على أحد القولين في تفسيرها. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٣٣١-٣٣٣): «الألف واللام في قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ للجِنس، وذلك يُعْطِي أنّها عامَّةٌ في جميع الزناة. وهذه الآية باتفاقٍ ناسخةٌ لآية الحبس وآية الآذى اللتين في سورة النساء. وجماعة العلماء على عموم هذه الآية، وأنّ حكم المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في الناسخ: فقالت فرقة: الناسخ السُّنَّة المتواترة في الرجم. وقالت فرقة: بل القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه، وهو الذي قرأه عمر على المنبر بمحضر الصحابة: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ). وقال: إنّا قرأناه في كتاب الله. واتَّفق الجميعُ على أنّ لفظَه رُفِع وبقي حكمُه. وقال الحسن بن أبي الحسن، وابن راهويه: ليس في هذه الآية نسْخ، بل سُنَّة الرجم جاءت بزيادة. فالمحصن على رأي هذه الفرقة يُجْلَد ثم يُرْجَم، وهو قول علي بن أبي طالب، وفعله بشُراحَة، ودليلهم قول النبي ﷺ: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». ويرد عليهم فِعْلُ النبي ﷺ حيث رجم ولم يجلد، وبه قال جمهور الأمة؛ إذ فِعْلُه كقوله رفع الجلد عن المحصن. وقال ابن سلام وغيره: هذه الآية خاصة في البِكْرَينِ»

سورة الرعد — الآية ١٧

قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ ضرب اللهُ تعالى مَثَل الكفر والإيمان، ومَثَل الحقِّ والباطل، فقال: ﴿أنزل من السماء ماءً فسالت أوديةُ بقدرها﴾ وهذا مَثَل القرآن الذي علِمَه المؤمنون، وتَرَكَه الكفارُ، فسال الوادي الكبير على قدر كِبَرِه، منهم مَن حمل منهم كبيرًا، والوادي الصغير على قَدْرِه، ﴿فاحتمل السيل﴾ يعني: سيل الماء ﴿زبدًا رابيًا﴾ يعني: عاليًا، ﴿ومما يوقدون عليه في النار﴾ أيضًا ﴿ابتغآء حليةٍ﴾ يعني: الذهب، والفضة. ثم قال: ﴿أو متاع﴾ يعني: المشبه، والصفر، والحديد، والرصاص، له أيضًا ﴿زبدُ مثله﴾ فالسيل [له] زَبَدٌ لا يُنتَفَع به، والحُلِيُّ والمتاع له أيضًا زَبَد إذا أُدْخِل النار أخْرَجَ خَبَثَه، ولا يُنتَفَعُ به، والذهب والفضة والمتاع يُنتَفَعُ به، ومَثَل الماء مَثَل القرآن، وهو الحق، ومَثَل الأودية مَثَل القلوب، ومَثَل السَّيل مَثَل الأهواء، فمَثَلُ الماء والحُلِيّ والمتاع الذي يُنتَفَع به مَثَلُ الحق الذي في القرآن، ومَثَل زَبَد الماء وحيثُ المتاعُ الذي لا يُنتَفَعُ به مَثَلُ الباطل، فكما يُنتَفَع بالماء وما خلص مِن الحُلِيِّ، والمتاع الذي ينتفع به أهلُه في الدنيا فكذلك الحقُّ ينتفع به أهلُه في الآخرة، وكما لا ينتفع بالزَّبَد وخَبَث الحُلِيِّ والمتاع أهلُه في الدنيا فكذلك الباطلُ لا ينتفع أهلُه في الآخرة، ﴿كذلك يضرب الله الحق والبطل فأما الزبد فيذهب جفاءً﴾ يعني: يابِسًا لا ينتفع به الناس كما لا ينتفع بالسيل، ﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ فيَسْتَقُون، ويَزْرَعُون عليه، وينتفعون به، يقول: ﴿كذلك يضرب الله الأمثال﴾ يعني: الأشباه، فهذه الثلاثة الأمثال ضَرَبَها اللهُ في مَثَل واحد