عن العباس بن محمد المِنقَرِيِّ، قال: قَدِم حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدينة حاجًّا، فاحتَجنا إلى أن نُوجِّهَ رسولًا، وكان في الخوف، فأبى الرسول أن يخرج، وخاف على نفسه من الطريق، فقال الحسين: أنا أكتب لك رقعة فيها حِرْز، لن يَضُرَّك شيء -إن شاء الله-. فكتب له رقعة، وجعلها الرسول في صُرَّتِه، فذهب الرسول، فلم يلبث أن جاء سالمًا، فقال: مررت بالأعراب يمينًا وشمالًا، فما هَيَّجَني منهم أحد. والحِرز عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، وإن هذا الحِرز كان الأنبياء يَتَحَرَّزُ به من الفراعنة: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ﴿قال اخسئوا فيها ولا تُكلمون﴾ [المؤمنون:١٠٩]، ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا﴾ [مريم:١٨]، أخَذتُ بسمع الله وبصره وقوته على أسماعكم وأبصاركم وقوتكم -يا معشر الجن، والإنس، والشياطين، والأعراب، والسباع، والهوام، واللصوص- مما يخاف ويحذَر فلان بن فلان، سترتُ بينه وبينكم بستر النبوة التي استتروا بها مِن سطوات الفراعنة، جبريل عن أيمانكم، وميكائيل عن شمائلكم، ومحمد ﷺ أمامكم، والله تعالى مِن فوقكم يمنعُكم من فلان بن فلان؛ في نفسه، وولده، وأهله، وشعره، وبشره، وماله، وما عليه، وما معه، وما تحته، وما فوقه: ﴿وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا* وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ إلى قوله: ﴿نفورًا﴾. وصلى الله على محمد وسلم كثيرًا
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾، قال: فبغى على موسى، فانطلق إلى زانِيَةٍ يُقال لها: شيرتا، فقال لها: هل لكِ أن أعطيكِ ألفَيْ درهم على أن تجيئي إلى الملأ مِن بني إسرائيل إذا قعد موسى، فتقولين: إنّ موسى يُراوِدُني عن نفسي؟ قالت: نعم. فأعطاها الألفين، وختمها بخاتمه، فلما أخذتها قالت: بئست المرأة أنا إن كنت أزني، وأكذب على نبي الله، وأفتري عليه. فلمّا أصبحوا غدا قارونُ، فجلس مجلسه، واجتمعت إليه بنو إسرائيل، وحضرت شيرتا، فقال قارون: يا موسى، ما أنزل الله في الزاني؟ قال: الرجم. قال: انظر ما تقول. قال: الرجم. قال: تنظر ما تقول. قال: الرجم. قال: قومي، يا شيرتا، فأخبري بني إسرائيل بما أراد منك موسى. فقالت: إنّ قارون أعطاني ألفي درهم أن آتي الملأ مِن بني إسرائيل إذا جلس موسى، فأقول: إنّ موسى راودني عن نفسي. ومعاذَ الله من ذلك، وهذا ماله بخاتمه. فغضب موسى، فقام فصلّى ركعتين، ودعا ربَّه أن يخسف ويسلط عليه الأرض، فأمر الله الأرض أن تطيعه، قال للأرض: خذيه. فغيَّبَت رجليه، وقام هارون، فأخذ برأسه، فقال: يا موسى، أنشدك الرحم. فجعل قارون يقول: يا موسى، أنشدك الرحم. وموسى يقول للأرض: خذيه. حتى غيَّبَتْه، فذهبت به، وخسف بداره الأرض، فأوحى الله إلى موسى: استغاث بك وأنشدك الرحم وأبيت أن تغيثه! لو إيّاي دعا أو استغاث لأغثته
عن أُبَيّ بن كعب -من طريق أبي العالية الرياحي- قال:... وإذا كان [الرجلُ] في الشرِّ رأسًا يدعو إليه، ويأمر به، ويكثر عليه تبعه؛ نودي باسمه واسم أبيه، فيتقدّم إلى حسابه، ويُخرج له كتابٌ أسود بخط أسود، في باطنه الحسنات، وفي ظهره السيئات، فيبدأ بالحسنات، فيقرأها، فيفرح، ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد رُدَّت عليك. فيسوَدُّ وجهه، ويعلوه الحزن، ويقنط من الخير. ثم يقلب كتابه، فيقرأ سيئاته، فلا يزداد إلا حزنًا، ولا يزداد وجهه إلا سوادًا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضُعِّفت عليك. فيعظم للنار حتى إن فخذه لَيكون مسيرة أيام، وجلده مقدار أربعين ذراعًا، وتزرقُّ عيناه، ويسوَدُّ لونه، ويُكسى سرابيل القطران، ثم تُخلع كتفه اليسرى فتُجعل وراء ظهره، ثم يُعطى كتابه بشماله، ويُقال له: انطلق إلى أصحابك، فأخبرهم أنّ لِكلِّ إنسانٍ منهم مثل هذا. فينطلق وهو يقول: ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه﴾. قال الله: ﴿خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾. فيُسلك فيها سبعون ذراعًا، ﴿فاسلكوه﴾ كما قال الله، فيُسلك فيها سلكًا تدخل مِن فيه حتى تخرج مِن دبره، فيأتي أصحابه، فيقول: هل تعرفوني؟ فيقولون: ما ندري! ولكن قد نرى ما بك من الخزي، فمن أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان، إنّ لكل إنسان منكم مثلَ هذا. ثم ينصب للناس، وتبدو فضائحه حتى يُعيَّر، فيتمنى أن لو قد انطُلِق به إلى النار استحياءً مِمّا يبدو منه
عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد
اختُلِف في نزول قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنْصابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوه﴾ على أقوال: الأول: أنها نزلت بسببٍ كان من عمر بن الخطاب، وهو أنه ذكر مكروه عاقبة شربها لرسول الله ﷺ، وسأل اللهَ تحريمها. الثاني: أنها نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، وقصته مع الرجل الذي لاحاه على شرابٍ لهما. الثالث: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار. الرابع: بسبب الميسر حيث كان يؤدي إلى العداوة والبغضاء، لا بسبب السكر الذي يحدث لهم من شرب الخمر. ورجَّح ابن جرير (٨/٦٦٢-٦٦٣) جواز جميعها، وعدم القطع بقول منها للعموم، وعدم الدليل على تخصيص بعض دون بعض، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله تعالى قد سَمّى هذه الأشياء التي سَمّاها في هذه الآية رِجْسًا، وأمر باجتنابها، وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي مِن أجله نزلت هذه الآية، وجائزٌ أن يكون نزولها كان بسبب دعاء عمر رضي الله عنه في أمر الخمر، وجائزٌ أن يكون ذلك كان بسبب ما نال سعدًا من الأنصاريِّ عند انتشائهما من الشَّراب، وجائزٌ أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدهم عند ذهاب ماله بالقمار مِن عداوةٍ من يَسَرَه وبُغْضِه. وليس عندنا بأيِّ ذلك كان خبرٌ قاطعٌ للعُذْرِ». ثم بيَّن أن الجهل بسبب نزول هذه الآية غير مؤثرٍ في حكمها، فقال: «غير أنه أيُّ ذلك كان فقد لَزِمَ حُكْم الآية جميعَ أهل التكليف، وغيرُ ضائرهم الجهلُ بالسبب الذي له نزلت هذه الآية، فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان، فَرْضٌ على جميع من بَلَغَتْه الآية من التكليف اجتنابُ جميع ذلك، كما قال -تعالى ذكره-: ﴿فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾»
وجّه ابنُ جرير (١٣/٢٤-٢٥) هذه القراءة، فقال: «قرأته عامة قراء أهل المدينة: ‹يَرْتَعِ ويَلْعَبْ› بكسر العين من ‹يَرْتَعِ›، وبالياء في ‹يَرْتَعِ ويَلْعَبْ›، على معنى: يفتعل، مِن الرعي: ارتعيت فأنا أرتعي. كأنّهم وجهوا معنى الكلام إلى: أرسله معنا غدًا يرتع الإبل، ويلعب... وكأن الذين يقرءون ذلك: ‹يَرْتَعِ ويَلْعَبْ› بكسر العين من ‹يَرْتَعِ› يتأولونه على الوجه الذي حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ‹أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ›، قال: يرعى غنمه، وينظر ويعقل، فيعرف ما يعرف الرجل». ووجّه قراءة مَن قرأ ذلك بالياء في الحرفين جميعًا وتسكين العين، فقال: «وقرأ ذلك عامَّة قراء أهل الكوفة: ﴿أرسله معنا غدا يرتع ويلعب﴾ بالياء في الحرفين جميعًا وتسكين العين، من قولهم: رتع فلان في ماله: إذا لهى فيه ونعم وأنفقه في شهواته، ومن ذلك قولهم في مَثَل مِن الأمثال: القيد والرتعة». ثم رجّح مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأقوال السلف قراءةَ مَن قرأ ذلك بالياء في كليهما، وبسكون العين من ﴿يرتع﴾، فقال: «وأَوْلى القراءة في ذلك عندي بالصواب قراءةُ مَن قرأه في الحرفين كليهما بالياء، وبجزم العين في ﴿يرتع﴾؛ لأنّ القوم إنّما سألوا أباهم إرسال يوسف معهم، وخدعوه بالخبر عن مسألتهم إياه ذلك عمّا ليوسف في إرساله معهم من الفرح والسرور والنشاط بخروجه إلى الصحراء وفسحتها ولعبه هنالك، لا بالخبر عن أنفسهم. وبذلك أيضًا جاء تأويل أهل التأويل»
على هذا فالنبوة في الذكور فقط، وهو ما رجَّحه ابنُ كثير (٨/٩٢-٩٣) مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا قول جمهور العلماء، كما دلَّ عليه سياق هذه الآية الكريمة: أنّ الله تعالى لم يوحِ إلى امرأة مِن بنات بني آدم وحي تشريع». ثم ذكر القول بنبوة النساء استنادًا لمجيء المَلَك إليهن، وعلَّق بقوله: «وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يَكُنَّ نبيات بذلك، فإن أراد القائلُ بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أنّ هذا: هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمُجَرَّده أم لا؟ والذي عليه أئمة أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم: أنه ليس في النساء نبيّة، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مُخْبِرًا عن أشْرَفِهِنَّ مريم بنت عمران حيث قال: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ [المائدة:٧٥]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نَبِيَّةً لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنصِّ القرآن». وساق ابنُ عطية (٥/١٦١) قول الحسن، ثم علَّق بقوله: «والتَّبَدِّي مكروه إلا في الفتن، وحين يفر بالدين، كقوله ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا» الحديث». ثم ذكر (٥/١٦٢) أنّ ذلك يعترض ببدو يعقوب، وبين أنه ينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنّ ذلك البدو لم يكن في أهل عمود، بل هو بتَقَرٍّ في منازل وربوع. الثاني: أنه إنما جعله بدوًا بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر
اختلف السلف في سبب نزول هذه الآية على قولين: الأول: أنها نزلت في قتلى أحُد حين مثلت بهم قريش. الثاني: أنها نزلت في كل مظلوم أن يقتص من ظالمه. وكذا اختلفوا أمنسوخة هي أم محكمة؟ على قولين: الأول: أنها منسوخة. واختلف قائلو هذا القول فيم نسخها؛ فقيل: نسخت بقوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾. وقيل: بل نسخ ذلك بقوله في براءة [٥]: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾. وقيل: بل عنى الله تعالى بقوله: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ النبيَّ خاصة دون سائر أصحابه، ثم نسخ هذا وأمره بجهادهم. الثاني: أنها ثابتة ليست منسوخة، وأنها في كل مظلوم يقتص من ظالمه. وقد ذكر ابنُ جرير (١٤/٤٠٦) الاختلاف الوارد في نزول الآية، والاختلاف الوارد في النسخ فيها، ثم رجَّح عدم النسخ في الآية، وأنها في كل مظلوم؛ لعدم الدليل على النسخ، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته على ما كان منه إليه خير، وعزم على نبيه ﷺ أن يصبر، وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه محتملتها الآية كلها، فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أي ذلك عنى بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها إلى ناطق لا دلالة عليه، وأن يقال: هي آية محكمة أمر الله -تعالى ذِكْرُه- عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قبل غيرهم مِن حق من مال أو نفس؛ الحق الذي جعله الله لهم إلى غيره، وأنها غير منسوخة، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأن للقول بأنها محكمة وجهًا صحيحًا مفهومًا»
لم يذكر ابنُ جرير (١٩/٢٤) في معنى: ﴿لِيَسْأَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ سوى قول مجاهد. وذكر ابنُ عطية (٧/٩٤) أن «اللام في قوله تعالى: ﴿ليسأل﴾ متعلقة بـ﴿أخَذْنا﴾». وذكر لها احتمالين: الأول: «أن تكون لام كي». ووجَّهه بقوله: «أي: بعثت الرسل وأخذت عليهم الميثاق في التبليغ لكي يجعل الله خلقه فرقتين؛ فرقة يسألها عن صدقها، على معنى إقامة الحجة والتقرير، كما قال لعيسى عليه السلام: ﴿قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة:١١٦] فتجيب كأنها قد صدقت الله في إيمانها في جميع أفعالها، فيثيبُها على ذلك، وفرقة كفرت فينالها ما أعدَّ لها من العذاب الأليم». والثاني: «أن تكون اللام في قوله: ﴿لِيَسْأَلَ﴾ لام الصيرورة». ووجَّهه بقوله: «أي: أخذ الميثاق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا». ورجَّح الاحتمال الأول قائلًا: «والأول أصوب». وذكر (٧/٩٤-٩٥) أن: «الصدق في هذه الآية يحتمل أن يكون: المضاد للكذب في القول. ويحتمل أن يكون: من صدق الأفعال واستقامتها، ومنه عود صدق، وصدقني السيف والمال». ونقل عن مجاهد أن ﴿الصادقين﴾ في هذه الآية أراد بها: الرسل، أي: يسأل عن تبليغهم، وقال أيضًا: أراد المؤدِّين المبلغين من الرسل«. ثم علَّق على هذه المعاني بقوله:»وهذا كله محتمل"". ونقل ابنُ القيم (٢/٣٢٧) قول مجاهد، وقول مقاتل بأن المقصود بـ﴿الصادقين﴾: النبيين، ثم رجَّح مستندًا للنظائر قائلًا: «والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن التبليغ ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين، كما قال تعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]»
اختلف المفسرون في المراد بالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها، على قولين: الأول: هم النصارى، والمسجد بيت المقدس. والآخر: هم مشركو العرب، إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام. ورجَّحَ ابن جرير (٢/٤٤٤-٤٤٥ بتصرف) القولَ الأولَ بدلالة العقلِ، والتاريخ، فقال: «وأَوْلى التأويلات بتأويل الآية أنه: عنى الله بقوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده، والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قيامُ الحجةِ أن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: ﴿وسعى في خرابها﴾ إلا أحد المسجدين؛ إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام، ومعلوم أن مشركي قريش كانوا مشتهرين بعمارة المسجد الحرام، ولم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام -وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله عليه السلام وأصحابه من الصلاة فيه-، فلم يبق إلا أن المراد النصارى، وأن المقصود تخريبهم بيت المقدس». ورجَّحَ ابن كثير (٢/٢٥) القولَ الثاني بدلالة العقل والسّياق، فقال: «الذي يظهر -والله أعلم- القول الثاني، كما قاله ابن زيد، وروي عن ابن عباس -أن المراد بها المشركون؛ لأنهم حالوا بين رسول الله والمسجد الحرام-؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبلُ على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وأيضًا فإنه تعالى لَمّا وجَّه الذم في حق اليهود والنصارى؛ شَرَع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسولَ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام». وانتَقَدَ ابن جرير (٢/٤٤٥) القولَ الثاني بسياق الآيات، فقال: «الآية التي قبل قوله: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذمِّ أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجرِ لقريش ولا لمشركي العرب ذكرٌ، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر بقول الله عز وجل: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ إليهم وإلى المسجد الحرام، وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أوْلى بالآيَة أن يوجه تأويلها إليه هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها؛ إذ كان خبرها لخبرهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٢/٢٥-٢٦ بتصرف) بدلالة العقل، والتاريخ ما رجَّحه ابن جرير، فقال: «أما اعتماده على أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟! أخرجوا عنها رسول الله وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [الأنفال:٣٤]، وقال تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون* إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ [التوبة:١٧-١٨]، وقال تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ [الفتح: ٢٥]، فقال تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله﴾، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟! وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك»