رجّح ابنُ عطية (٣‏/‏٥٥٣) أنّ الإثم في الآيةِ لفظ عامٌّ لجميع الأقوال والأفعال التي يتعلق بمرتكبها إثم، قال: «﴿والإثْمَ﴾: لفظه عامٌّ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم». ثم أشار إلى ما جاء في قول الحسن من أنّ الإثم الخمر، وانتَقَدَه (٣‏/‏٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى زمن النزول، واللغة، ودلالة العقل قائلًا: ""وقال بعضُ الناس: هي الخمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:شربت الإثم حتى طار عقليوهذا قول مردودٌ؛ لأنّ هذه السورة مكية، ولم تعن الشريعة لتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُد؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد، وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضًا فبيت الشعر يُقال: إنّه مصنوع مُخْتَلق. وإن صحَّ فهو على حذف مضاف، وكان ظاهر القرآن على هذا القول أنّ تحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وهو في هذه الآية قد حرم، فيأتي من هذا أنّ الخمر إثم، والإثم مُحَرَّم؛ فالخمر محرمة. ولكن لا يصح هذا؛ لأن قوله: ﴿فِيهِما إثْمٌ﴾ لفظ محتمل أن يراد به: أنه يلحق الخمر من فساد العقل والافتراء وقتل النفس وغير ذلك آثام، فكأنه قال: في الخمر هذه الآثام، أي: هي بسببها ومعها، وهذه الأشياء محرمة لا محالة، وخرجت الخمر من التحريم على هذا، ولم يترتب القياس الذي ذهب إليه قائل ما ذكرناه، ويعضد هذا أنّا وجدنا الصحابة يشربون الخمر بعد نزول قوله: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾، وفي بعض الأحاديث: فتَرَكها قومٌ للإثم الذي فيها، وشربها قوم للمنافع. وإنّما حُرِّمت الخمر بظواهر القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة»

اختلف في المعنيّ بهذه الآية على أقوال: الأول: إنّما ذلك لعائشة خاصة. الثاني: أزواج النبيّ ﷺ خاصة. الثالث: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ، فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة فأوجب الجلد، وقَبِل التوبة. الرابع: نزلت في شأن عائشة، وهي عامة. ووجَّه ابنُ كثير (١٠‏/‏١٩٩) القول الأول بأنّ مراد قائليه: أنّ سبب النزول كان في عائشة دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها وغيرها. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٣٠) مستندًا إلى دلالة العموم القولَ الرابع الذي قاله ابن عباس من طريق ابن حَوْشَب، وميمون، وابن زيد، فقال: «لأنّ الله عَمَّ بقوله: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ كلَّ محصنة غافلة مؤمنة رماها رامٍ بالفاحشة، مِن غير أن يَخُصَّ بذلك بعضًا دون بعض، فكلُّ رامٍ محصنةً بالصِّفة التي ذكر الله -جلَّ ثناؤه- في هذه الآية فملعونٌ في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلّا أن يتوب مِن ذنبه ذلك قبل وفاته». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٠٠) مستندًا إلى السنة، فقال: «وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم...» وساق حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» الوارد في الآثار المتعلقة بالآية. وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٣٦٤-٣٦٥) أنّ اللعنة في هذه الآية: الإبعاد، وضرب الحدّ، واستيحاش المؤمنين منهم، وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة. ثم علَّق قائلًا: «وعلى مَن قال: إنّ هذه الآية خاصة لعائشة. تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أُبَيٍّ وأشباهه». وعلَّق ابنُ تيمية (٤‏/‏٥٠٢-٥٠٣) على القول بالعموم بقوله: «هذا قول كثير من الناس، ووجه ظاهر الخطاب؛ فإنه عام، فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا مُوجِب لخصوصه، وليس هو مختصًّا بنفس السبب بالاتفاق؛ لأنّ حكم غير عائشة من أزواج النبي ﷺ داخل في العموم، وليس هو من السبب، ولأنه لفظ جمع، والسبب في واحدة؛ ولأنّ قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئًا منها لم يقصر على سببه. والفرقُ بين الآيتين أنّه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق، وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه، وهي اللعنة في الدارين والعذاب العظيم. وقد رُوي عن النبي ﷺ من غير وجه وعن أصحابه أن قذف المحصنات من الكبائر، وفي لفظ في الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وكان بعضهم يتأول على ذلك قوله: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾». وذكر (٤‏/‏٤٩٧-٥٠٢) أنّ القول بخصوص الآية في عائشة وأزواج النبي يُؤَيِّده ما يلي: أولًا: أنّ ذلك إيذاء للنبي، ومعلوم أن إيذاءه نفاق، والمنافق يجب قتله إذ لم تقبل توبته، والله فرَّق بين إيذاء النبي وإيذاء غيره من المؤمنين فقال: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب:٥٧-٥٨]. ثانيًا: أنّ لعْنة الله في الدنيا والآخرة لا تُسْتَوْجَب بمجرد القذف؛ فتكون اللام في قوله: ﴿المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ لتعريف المعهود، والمعهود هنا أزواج النبي ﷺ؛ لأنّ الكلام في قصة الإفك ووقوع مَن وقع في أم المؤمنين عائشة، أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يُوجِب ذلك. ثالثًا: أنّ الله سبحانه رَتَّب هذا الوعيد على قَذْف محصنات غافلات مؤمنات، وقال في أول السورة: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية. فرَتَّب الحدَّ وردّ الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات، فلا بُدَّ أن يكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات؛ وذلك لأنّ أزواج النبي ﷺ مشهود لهن بالإيمان؛ ولأنهن أمهات المؤمنين أزواج النبي في الدنيا والآخرة، وعوام المسلمات إنما يُعلَم منهنَّ في الغالب ظاهر الإيمان. رابعًا: أنّ الله سبحانه قال في قصة عائشة: ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾، فتخصيصه متولي كبره دون غيره دليلٌ على اختصاصه بالعذاب العظيم، وقال: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ فعُلِم أنّ العذاب العظيم لا يَمَسُّ كُلَّ مَن قذف، وإنّما يَمَسُّ مُتَوَلِّي كبرَه فقط، وقال هنا: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، فعُلِم أنّ الذي رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله ﷺ وتولى كبر الإفك، وهذه صفة المنافق ابن أبي. وأورد إشكالًا على هذا القول حاصلُه: أنّه كان مِن أهل الإفك حمنة وحسان ومسطح، ولم يُرموا بنفاق، ولم يقتل النبي أحدًا بذلك السب، بل قد اختُلِف في جلدهم. وأجاب عليه: بأنّ هؤلاء لم يقصدوا إيذاء النبي، ولم يظهر منهم دليل على الرغبة في ذلك، بخلاف ابن سلول الذي قصد إيذاءه، ولم يكن معلومًا وقت الحادثة أنّ أزواج النبي في الدنيا أزواجه في الآخرة، فكان وقوع ذلك مِن أزواجه ممكنًا عَقْلًا، ولإمكان أن يُطَلِّق النبيُّ المرأة المقذوفة، فأمّا بعد العلم بأن زوجاته أمهات المؤمنين هُنَّ زوجاته أيضًا في الآخرة صار قذفُهُنَّ أذًى بكل حال لعدم جواز وقوع الفاحشة منهن؛ لامتناع أن يقيم النبيُّ مع بَغِيٍّ

سورة الأعراف — الآية ٨٥

عن عبد الله بن عباس، قال: كان شعيبٌ نبيًّا رسولًا من بعد يوسف، وكان مِن خبره وخبر قومه ما ذكَر الله في القرآن، يقول اللهُ: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُهُ﴾. فكانوا -مع ما كان فيهم مِن الشرك- أهلَ بَخْسٍ في مكاييلِهم وموازينِهم، مع كفرِهم بربِّهم وتكذيبهم نبيَّهم، وكانوا قومًا طُغاةً بُغاةً، يَجْلِسون على الطريق، فيَبْخَسون الناس أموالَهم، يعني: يُعشِّرونَهُ، وكان أول مَن سنَّ ذلك هُم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريبُ يأخُذون دراهمَه، ويقولون: دراهمُك هذه زُيُوفٌ. فيُقَطِّعونها ثم يَشتَرونها منه بالبَخْس، يعني: بالنقصان، فذلك قولُه: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾. وكانت بلادُهم بلادَ مِيرَة، يمتارُ الناس منهم، فكانوا يَقْعدون على الطريق، فيَصُدُّون الناسَ عن شعيب؛ يقولون: لا تسمعوا منه، فإنه كذّابٌ يَفْتِنُكم. فذلك قولُه: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون﴾ الناسَ: إن اتَّبعْتم شعيبًا فتَنَكم. ثم إنهم تواعدوه، فقالوا: يا شعيبُ، لنخرِجَنَّك مِن قريتِنا، ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾. أي: إلى دين آبائِنا، فقال عند ذلك: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت﴾ وهو الذي يعصمني، ﴿وإليه أنيب﴾ [هود:٨٨] يقول: إليه أرْجِعُ. ثم قال: ﴿أولو كنا كارهين﴾ يقول: إلى الرجعة إلى دينكم؟ إن رجَعْنا إلى دينكم فقد افتَرَيْنا على الله كذبًا، ﴿وما يكون لنا﴾ يقول: وما يَنبغِي لنا ﴿أن نعود فيها﴾ بعدَ إذ نجّانا الله منها ﴿إلا أن يشاء الله ربنا﴾ خاف العاقبةَ فردَّ المشيئة إلى الله تعالى، فقال: ﴿إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علمًا﴾ ما نَدْري ما سبَق لنا، عليه توكَّلنا، ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ يعني: الفاصلين. قال ابن عباس: كان حليمًا صادقًا وقورًا، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكَر شعيبًا يقول: «ذاك خطيبُ الأنبياء». لِحُسن مراجعتِه قومَه فيما دعاهم إليه، وفيما ردُّوا عليه، وكذَّبوه، وتواعدوه بالرَّجم، والنفي من بلادِهم. وتواعَد كبراؤُهم ضعفاءَهم، قالوا: ﴿لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون﴾. فلم ينتَهِ شعيب أنْ دعاهم، فلما عَتَوْا على الله أخَذَتْهم الرجفة؛ وذلك أنّ جبريل نزَل فوقف عليهم، فصاح صيحةً رجَفتْ منها الجبال والأرض، فخرَجت أرواحُهم مِن أبدانهم، فذلك قوله: ﴿فأخذتهم الرجفة﴾. وذلك أنهم حين سَمِعوا الصيحة قاموا قيامًا، وفزِعوا لها، فرَجَفَتْ بهم الأرضُ، فرمَتْهم مَيِّتِين، فلما رَدُّوا عليه النصيحة، وأخَذَهم الله بعذابه؛ قال: ﴿يقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف ءاسى على قوم كفرين﴾

سورة آل عمران — الآية ٧

عن عبد الله بن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخْطَب، فجاء رجلٌ من يهود لرسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخْطَبَ في رِجالٍ من اليهود، فقال: أتعلمون، واللهِ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: ألم تقل: إنّك تتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ فقال: «بلى». فقالوا: لقد بُعث بذلك أنبياء، ما نعلمُه بُيِّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه وما أجَلُ أُمَّتِهِ غيرَك! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المص﴾». قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثُمَّ قال: لقد لُبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلًا أُعطيتَ أم كثيرًا؟! ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: ما يدريكم، لعلَّه قد جُمِع هذا كله لمحمد؟! إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. فيزعمون: أنّ هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾

عن زيد بن أرْقَم -من طريق أبي سعيد- قال: غَزَونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا ناس من الأعراب، فكُنّا نَبْتَدِر الماء، وكان الأعراب يَسبقونا إليه، فَيَسبِق الأعرابيُّ أصحابَه، فيَملأ الحوض، ويَجعل حوله حجارة، ويَجعل النِّطْعَ عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى رجلٌ مِن الأنصار أعرابيًّا، فأَرخى زِمام ناقته لتَشرب، فأبى أن يَدَعه، فانتَزع حجرًا، ففاض الماء، فرفَع الأعرابيُّ خشبةً، فضَرب بها رأس الأنصاريّ، فشَجّه، فأتى عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، فأَخبَره، وكان من أصحابه، فغَضِب، وقال: لا تُنفِقوا على مَن عند رسول الله حتى يَنفَضُّوا من حوله. يعني: الأعراب، وكانوا يَحضُرون رسول الله ﷺ عند الطعام، فقال عبدُ الله لأصحابه: إذا انفَضُّوا من عند محمد فائتُوا محمدًا بالطعام فليأكل هو ومَن عنده. ثم قال لأصحابه: إذا رَجعتم إلى المدينة فليُخرِج الأَعزُّ منها الأَذلَّ. قال زيد: وأنا رِدْف عمّي، فسمعتُ عبد الله، وكُنّا أخواله، فأَخبَرتْ عمّي، فانطلَق، فأَخبَر رسول الله ﷺ، فأَرسَل إليه رسول الله، فحَلف وجَحد، فصَدَّقه رسول الله ﷺ وكذَّبني، فجاء عمّي إليّ، فقال: ما أردتَ إلا أن مقَتَك رسول الله ﷺ، وكذَّبك، وكذَّبك المسلمون. فوقع عليّ مِن الهمّ ما لم يقع على أحد قطّ، فبينما أنا أسِير وقد خَفَقْتُ برأسي من الهمّ إذ آتاني رسول الله ﷺ، فعَرَك أُذُني، وضَحك في وجهي، فما كان يَسُرُّني أنّ لي بها الخُلْد أو الدنيا، ثمّ إنّ أبا بكر لَحِقني، فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قلتُ: ما قال لي شيئًا، إلا أنّه عَرَك أُذُني، وضَحك في وجهي. فقال: أبْشِر. ثمّ لَحِقني عمر، فقلتُ له مثل قولي لأبي بكر، فلمّا أصبَحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ﴾ حتى بلغ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾

اختُلف في معنى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ -بعد اتفاقهم على أنّ «المكنون»: المصون- على أقوال: الأول: أنه كتاب في السماء. الثاني: أنه التوراة والإنجيل. الثالث: اللوح المحفوظ. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٠) القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: إنه لكتابٌ كريمٌ، ذُكِر كرمه وشرفه فِي كتابٍ مكنونٍ، فمعنى الآية -على هذا-: الاستشهاد بالكتب المنزّلة، وهذا كقوله عز وجل: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٦]». ونقل عن بعض المتأوِّلين أنّ المراد: «مصاحف المسلمين، وكانت يوم نَزَلَتْ الآية لم تكن». ثم وجَّهه بقوله: «فهي -على هذا- إخبار بغيب، وكذلك هو كتاب مصون إلى يوم القيامة، ويؤيد هذا لفظة المَسِّ؛ فإنها تشير إلى المصاحف، وهي مستعارة من مسِّ الملائكة». ورجَّح ابنُ القيم (٣‏/‏١١٧) -مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية- أنّ «الكتاب المكنون»: هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة، فقال: «والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٦]، ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾، فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسّونه، وهذا هو الصحيح في معنى الآية». ثم بيَّن أوجه ترجيح هذا القول، وانتقد قول من قال: إنّ المراد مصاحف المسلمين مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أحدها: أن ّالآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين، وأنّ محله لا يصل إليه فيمسّه إلا المطهّرون، فيستحيل على أخابث خلْق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسّوه، كما قال تعالى: ﴿وما تَنَزَلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠-٢١١]، فنفى الفعل وتَأَتِّيه منهم، وقدرتهم عليه، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم، ولا يقدرون عليه، فإنّ الفعل قد ينتفي عمّن يحسن منه، وقد يليق بمن لا يقدر عليه، فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس [١٣-١٦]: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾، فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أنّ الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به، وتقرير هذا المعنى أهمّ وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسّه إلا طاهر. الوجه الثاني: أنّ السورة مكية، والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين، من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنّة السور المدنية. الثالث: أنّ القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية، ولا في حياة رسول الله ﷺ، وإنما جُمع في المصحف في خلافة أبي بكر، وهذا وإن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار، يوضّحه الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] وهكذا قال السلف، قال الكلبي: مكنون من الشياطين. وقال مقاتل: مستور. وقال مجاهد: لا يصيبه تراب ولا غبار. وقال أبو إسحاق: مصون في السماء. يوضّحه الوجه الخامس: أنّ وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا؛ فقوله: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] يوضحّه الوجه السادس: أنّ هذا أبلغ في الردّ على المكذّبين وأبلغ في تعظيم القرآن مِن كون المصحف لا يمسّه مُحدث. الوجه السابع: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنًى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا، ومَن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كلٍّ منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي. الوجه الثامن: أنه قال: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المتطهّرون، ولو أراد به منع المُحدث مِن مسّه لقال: إلا المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وفي الحديث: «اللهم، اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين». فالمتطهّر فاعل التطهير، والمطهّر الذي طهّره غيره، فالمتوضئ متطهّر، والملائكة مطهّرون. الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة؛ إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته، فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب، وهذا أمر مشترك، والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزلٌ من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان بوجهٍ ما، ولا يمسّ محله إلا المطهّرون وهم السّفرة الكرام البررة. الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو الأحوص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، قال: ﴿المطهّرون﴾ الملائكة. وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع، وقال الحاكم: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع، ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصحّ من تفسير مَن بعد الصحابة، والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم. وقال حرب في مسائله: سمعت إسحاق في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال: النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة». وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏١٨٩) أن اللوح المحفوظ مراد من هذه الآية، فقال: «والصحيح اللوح المحفوظ الذي في السماء مراد من هذه الآية، وكذلك الملائكة مرادون مِن قوله: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ لوجوه: أحدهما: إنّ هذا تفسير جماهير السلف من الصحابة ومَن بعدهم حتى الفقهاء الذين قالوا: لا يمس القرآن إلا طاهر، من أئمة المذاهب صرّحوا بذلك، وشبهوا هذه الآية بقوله: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١١-١٦]. وثانيها: أنه أخبر أن القرآن جميعه في كتاب، وحين نَزَلَتْ هذه الآية لم يكن نزل إلا بعض المكي منه، ولم يجمع جميعه في المصحف إلا بعد وفاة النبي ﷺ. وثالثها: أنه قال: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المحرّر الذي لا تناله أيدي المضلّين، فهذه صفة اللوح المحفوظ. ورابعها: أنّ قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ صفة للكتاب، ولو كان معناها الأمر لم يصح الوصف بها، وإنما يوصف بالجملة الخبرية. وخامسها: أنه لو كان معنى الكلام الأمر لقيل: فلا يمسه؛ لتوسط الأمر بما قبله. وسادسها: أنه قال: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون تطهيرهم من غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم فقط لقيل: المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، وقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وسابعها: أنّ هذا مسوق لبيان شرف القرآن، وعلوه، وحفظه»

رجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٣٦-٢٣٧) -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- أن قوله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ معناه: «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا لِتَشْكُر ربَّك وتحمَدَه على ذلك، فيغفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر». وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله عز وجل: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر:١-٣] على صحته، إذ أمَرَه -تعالى ذِكره- أن يُسَبِّح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنّه توابٌ على مَن فعل ذلك، ففي ذلك بيانٌ واضحٌ أنّ قوله -تعالى ذكره-: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إنما هو خبرٌ من الله -جلَّ ثناؤه- نبيَّه -عليه الصلاة والسلام- عن جزائه له على شُكره له على النعمة التي أنعم بها عليه، من إظهاره له ما فتح؛ لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها». ثم استشهد بحديث عائشة، وبقول النبي ﷺ: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مئة مرة». ثم قال: «ولو كان القول في ذلك أنّه مِن خبر الله -تعالى ذكره- نبيَّه أنه قد غَفَر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، على غير الوجه الذي ذكَرْنا، لم يكن لأمره إيّاه بالاستغفار بعد هذه الآية ولا لاستغفار نبيِّ الله ﷺ ربَّه -جلَّ جلاله- من ذنوبه بعدها معنًى يُعقَل؛ إذ الاستغفار معناه: طلبُ العبد من ربِّه عز وجل غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوبٌ تُغْفَر لم يكن لمسألته إيّاه غفرانها معنًى؛ لأنه من المُحال أن يقال: اللهم، اغفر لي ذنبًا لم أعْمَلْه». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٦٦٦) أن «المراد هنا: أنّ الله تعالى فتح لك لكي يجعل لك ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك. فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا»». ثم انتقد قول ابن جرير -مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أنّ السورة ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ إنما نزلت في آخر مدة النبيِّ ﷺ ناعيةً له نفسه حسب ما قال ابن عباس رضي الله عنهما، عندما سأل عمرُ رضي الله عنهما عن ذلك. والآخر: أنّ تخصيص النبي ﷺ بالتشريف كان يذهب، لأنّ كلّ واحد من المؤمنين مخاطبٌ بهذا الذي قال الطبري، أي: سبِّح واستغفر لكي يغفر الله لك، ولا يقتضي هذا أنّ الغفران قد وقع، وما قدَّمناه أولًا يقتضي وقوع الغفران للنبي ﷺ، ويدل على ذلك قول الصحابة رضي الله عنهم له ﷺ حين قام حتى تورَّمت قدماه: أتفعل هذا -يا رسول الله- وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!». فهذا نصٌّ في أن الغفران حكمٌ قد وقع». وانتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٦٦٧) قول سفيان قائلًا: «وهذا ضعيف، وإنما المعنى: التشريف بهذا الحكم، ولو لم تكن له ذنوب البتَّة». ثم ذكر قول عطاء، ونقل عن بعضهم أن المعنى: «﴿ما تَقَدَّمَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم بدر: «اللهم، إن تهلِك هذه العصابة لم تُعبَد». ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين: «لن نُغلَبَ اليوم من قِلَّة»». ثم انتقد ذلك قائلًا: «وهذا كلُّه مُعتَرَض»

سورة البقرة — الآية ٢

قال مقاتل بن سليمان: لَمّا سمع أبو ياسر بن أخْطَب اليهودي بهؤلاء الآيات قال لأخيه جُدَيّ بن أخطب: لقد سمعتُ من محمد كلمات أنزلهن الله على موسى بن عمران. فقال جُدَيٌّ لأخيه: لا تَعْجَل حتى تَتَثَبَّتَ في أمره. فعَمَدَ أبو ياسر وجُدَيُّ ابنا أخْطَب، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضَّيْف، وحُيَيّ بن أخْطَب، وسعيد بن عمرو الشاعر، وأبو لُبابة بن عمرو، ورؤساء اليهود، فأتَوُا النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ للنبي - ﷺ -: يا أبا القاسم، أخْبَرَني أبو ياسر بكلمات تقولهنَّ آنفًا. فقرأهنَّ النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ: صدقتم، أمّا ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ فنحن هم، وأما ﴿الذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ فهو كتابك، ﴿وما أنزل من قبلك﴾ فهو كتابنا، ﴿وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ فأنتم هم، قد آمنتم بما أُنزِل إليكم وإلينا، وآمنتم بالجنة والنار، فآيتان فينا، وآيتان فيكم. ثم قالوا للنبي - ﷺ -: نَنشُدُكَ بالله أنّها نزلت عليك من السماء؟ فقال النبي - ﷺ -: «أشهد بالله أنها نزلت عَلَيَّ من السماء». فذلك قوله سبحانه في يونس: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي﴾، يعني: ويستخبرونك أحق هو؟ ﴿قل إي وربي﴾ يعني: بلى وربي، ﴿إنه لحق﴾.... فآيتان من أول هذه السورة نزلتا في أصحاب النبي - ﷺ - المهاجرين والأنصار، والآيتان اللتان تلِيانِهِما نزلتا في مشركي العرب، وثلاث عشرة آية في المنافقين من أهل التوراة

رجَّحَ ابن جرير (١/٥٩٠-٥٩١) مُسْتَدِلًّا بالسياقِ، وأقوالِ الحجّة من أهل التأويلِ أن يكون المقصود بقوله: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ أي: بيان من أمري وطاعتي، ورشادٌ إلى سبيلي وديني، فقال: «وقول أبي العالية في ذلك، وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية؛ فأقرب إلى الصواب منه عندي، وأشبه بظاهر التلاوة أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم مني، يا معشر من أهبطتُه إلى الأرض من سمائي، وهو آدم وزوجته وإبليس، كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها: إما يأتينكم مني بيان من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتَّبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليَّ معصية، وخلاف لأمري وطاعتي. يعرِّفهم بذلك -جَلَّ ثناؤه- أنّه التائب على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيم لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾، وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم -جلَّ ثناؤه-: ﴿اهبطوا منها جميعا﴾، والذين خُوطِبوا به هم مَن سمَّينا في قول الحُجَّة من الصحابة والتابعين الذين قد قَدَّمنا الرواية عنهم. وذلك وإن كان خطابًا من الله -جلَّ ذِكْرُه- لِمَن أُهبِط حينئذ من السماء إلى الأرض، فهو سنة الله في جميع خلقه، وتعريف منه بذلك للذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة:٦]، وفي قوله: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة:٨]، وأنّ حكمه فيهم إن تابوا إليه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد ﷺ، أنّهم عنده في الآخرة مِمَّن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأنّهم إن هلكوا على كفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة كانوا من أهل النار المُخَلَّدين فيها»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بـ﴿هَؤُلاءِ﴾، والمعنيِّ بالقوم الموكَّلين بها على أقوال: الأول: فإن يكفر بها كفار قريش، فقد وكَّلنا بها الأنصار. وهو قول قتادة من طريق أبي هلال، والضحاك، والسدي، وابن جريج، وابن عباس. الثاني: فإن يكفر بها أهل مكة، فقد وكَّلنا بها الملائكة. وهو قول أبي رجاء العطاردي. الثالث: فإن يكفر بها كفار قريش، فقد وكَّلنا بها الأنبياء الذين ذُكِروا في الآيات السابقة. وهو قول قتادة من طريق معمر. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٩٠) مستندًا إلى السياق القول الثالث، وقال معلِّلًا: «وذلك أنّ الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذُكِر، فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم أوْلى وأحقُّ من أن يكون خبرًا عن غيرهم». واختار ابنُ القيم (١‏/‏٣٥٤-٣٥٥) الجمع بين هذه الأقوال كلها عدا القول بكون القوم الموكلين بها هم الملائكة، مستندًا إلى زمن النزول، فقال: «السورة مكية، والإشارة بقوله: ﴿هَؤُلاءِ﴾ إلى مَن كفر به من قومه أصلًا، ومَن عداهم تبعًا، فيدخل فيها كلُّ مَن كفر بما جاء به من هذه الأمة، والقوم الموكَّلون بها هم الأنبياء أصلًا، والمؤمنون بهم تبعًا، فيدخل كل مَن قام بحفظها، والذبِّ عنها، والدعوة إليها، وهذا ينتظم في الأقوال التي قيلت في الآية». وانتقد مستندًا إلى السياق، ونظائر القرآن قولَ من قال: إنهم الملائكة، فقال: «وأما قول من قال: إنهم الملائكة، فضعيف جدًّا لا يدل عليه السياق، وتأباه لفظة ﴿قَوْمًا﴾؛ إذ الغالب في القرآن، بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة، وأما قول إبراهيم لهم: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فإنّما قاله لَمّا ظنهم من الإنس»