جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : وأرسلنا إلى ولد مدين. ومدين : هم ولد مدين بن إبراهيم خليل الرحمن، فيما :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.
فإن كان الأمر كما قال : فمدين قبيلة كتميم. وزعم أيضا ابن إسحاق أن شعيبا الذي ذكر الله أنه أرسله إليهم من ولد مدين هذا، وأنه شعيب بن ميكيل بن يشجر، قال : واسمه بالسريانية بثرون.
فتأويل الكلام على ما قاله ابن إسحاق : ولقد أرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيب بن ميكيل، يدعوهم إلى طاعة الله والانتهاء إلى أمره وترك السعي في الأرض بالفساد والصدّ عن سبيله، فقال لهم شعيب : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، ما لكم من إله يستوجب عليكم العبادة غير الإله الذي خلقكم وبيده نفعكم وضرّكم. قَدْ جاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مِنْ رَبّكُمْ يقول : قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول وصدق ما أدعوكم إليه. فَأَوْفُوا الكَيْلَ والمِيزَانَ يقول : أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تكيلون به وبالوزن الذي تزنون به. وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ يقول ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها. ومن ذلك قولهم : تحسبها حمقاء وهي باخسة، بمعنى ظالمة، ومنه قول الله : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ يعني به : رديء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : وَلا نَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهّمْ يقول : لا تظلموا الناس أشياءهم.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهمْ : قال : لا تظلموا الناس أشياءهم.
وقوله : وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْض يقول : ولا تعملوا في أرض الله بمعاصيه وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه، من عبادة غير الله والإشراك به وبخس الناس في الكيل والوزن. بَعْدَ إصْلاحِها يقول : بعد أن قد أصلح الله الأرض بابتعاث النبيّ عليه السلام فيكم، ينهاكم عما لا يحلّ لكم وما يكرهه الله لكم. ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يقول : هذا الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل والوزن وترك الفساد في الأرض، خير لكم في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم عند الله يوم القيامة. إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يقول : إن كنتم مصدقيّ فيما أقول لكم وأودّي إليكم عن الله من أمره ونهيه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى ولد مدين= و"مدين"، هم ولدُه مديان بن إبراهيم خليل الرحمن، (١) فيما:-
١٤٨٤٠-حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.
* * *
فإن كان الأمر كما قال: فـ"مدين"، قبيلة كَتميم.
=وزعم أيضًا ابن إسحاق: أن شعيبًا الذي ذكر الله أنه أرسله إليهم، من ولد مدين هذا، وأنه"شعيب بن ميكيل بن يشجر"، قال: واسمه بالسريانية،"بثرون". (٢)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام= على ما قاله ابن إسحاق: ولقد أرسلنا إلى ولد مدين، أخاهم شعيب بن ميكيل، يدعوهم إلى طاعة الله، والانتهاء إلى أمره، وترك السعي في الأرض بالفساد، والصدِّ عن سبيله، فقال لهم شعيب: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، ما لكم من إله يستوجب عليكم العبادة
(٢) (٢) في المخطوطة: "يثروب"، غير منقوطة، بالباء، وهذه أسماء لا أستطيع الآن ضبطها، وانظر تاريخ الطبري ١: ١٦٧، والبداية والنهاية ١: ١٨٥.
=ومن ذلك قولهم:"تَحْسَبُها حَمْقَاءَ وهي بَاخِسَةٌ"، (٤) بمعنى: ظالمة = ومنه قول الله: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ)، [سورة يوسف: ٢٠]، يعني به: رديء.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٨٤١-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، يقول: لا تظلموا الناس أشياءهم.
١٤٨٤٢-حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، : قال: لا تظلموا الناس أشياءهم.
* * *
قوله: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)، يقول: ولا تعملوا في أرض
(٢) انظر تفسير"إيفاء الكيل والميزان" فيما سلف ص٢٢٤.
(٣) انظر تفسير"البخس" فيما سلف ٦: ٥٦.
(٤) هذا مثل، انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨٣، ٢١٩، وأمثال الميداني ١: ١٠٨، وجمهرة الأمثال: ٦٨، واللسان (بخس)، وروايتهم: "وهي باخس"، بمعنى: ذات بخس، على النسب. يضرب المثل لمن يتباله وفيه دهاء. وذلك أن رجلا من بني العنبر بن عمرو بن تميم، حاورته امرأة فحسبها حمقاء، لا تعقل، ولا تحفظ مالها. فقال لها: ألا أخلط مالي ومالك؟ يريد أن يخلط ثم يقاسمها، فيأخذ الجيد ويدع لها الرديء. فلما فعل وجاء يقاسمها، نازعته، فلم يخلص منها حتى افتدى منها بما أرادت. فلما عوتب في اختداعه المرأة على ضعفها قال: "تحسبها حمقاء وهي باخس".