اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ثم اهتدى﴾ على سبعة أقوال: الأول: لم يشك في إيمانه. الثاني: لزم الإيمان والعمل الصالح حتى يموت. الثالث: أخذ بسنة النبي ﷺ. الرابع: أصاب العمل. الخامس: عرف جزاء عمله من خير بثواب، أو شر بعقاب. السادس: ثم اهتدى إلى ولاية أهل بيت النبي ﷺ. السابع: أنه استقام. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/١٢٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية أن معناه: «ثم لزم ذلك، فاستقام ولم يضيع شيئًا منه». وعلل (١٦/١٢٩) ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك من أجل أن الاهتداء: هو الاستقامة على هدى. ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثَبَتَ عليه فلا شك في اهتدائه». وذكر ابنُ عطية (٦/١١٩) الأقوال المختلفة في الآية، ثم علّق فقال: «وهذه كلها تخصيص واحد منها دون ما هو من نوعه بعيد ليس بالقوي، والذي يقوى في معنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أن يكون: ثم حفط معتقداته مِن أن يخالف الحق في شيء من الأشياء، فإنّ الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، ورب مؤمن عمل صالحًا قد أوبقه عدم الاهتداء، كالقدرية والمرجئة وسائر أهل البدع والخوارج. فمعنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾: ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم»
اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿أنهم﴾؛ فقرأها بعضهم بفتح الهمزة، على أنها معمول (جزيتهم). وقرأها بعضهم بكسرها، على الابتداء. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧/١٢٩) قراءة الكسر مستندًا للُّغة، والعقل، وبيَّنَ المعنى عليها، فقال: «أولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة مَن قرأ بكسر الألف؛ لأن قوله: ﴿جَزَيْتُهُم﴾ قد عمل في الهاء والميم، والجزاء إنما يعمل في منصوبين، وإذا عمل في الهاء والميم لم يكن له العمل في»أن«فيصير عاملًا في ثلاثة، إلا أن ينوي به التكرير، فيكون نصب»أنّ«حينئذ بفعل مضمر، لا بقوله: ﴿جزيتهم﴾، وإنْ هي نُصبت بإضمار لام لم يكن له أيضًا كبير معنى؛ لأن جزاء الله عباده المؤمنين الجنة إنما هو على ما سَلَف مِن صالح أعمالهم في الدنيا وجزاؤه إياهم، وذلك في الآخرة هو الفوز، فلا معنى لأن يَشْرُط لهم الفوز بالأعمال ثم يخبر أنهم إنما فازوا لأنهم هم الفائزون. فتأويل الكلام إذ كان الصواب من القراءة ما ذكرنا: إني جزيتهم اليوم الجنة بما صبروا في الدنيا على أذاكم بها في أنهم اليوم هم الفائزون بالنعيم الدائم والكرامة الباقية أبدًا؛ بما عملوا من صالحات الأعمال في الدنيا، ولقوا في طلب رضاي مِن المكاره فيها»
وجَّه ابنُ جرير (١٨/٣٥١-٣٥٢ بتصرف) هذا القول الذي قاله ابن عباس من طرق خصيف عن عكرمة، والأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير، والسدي عن أبي صالح، وقاله أبو سعيد الخدري، وأبو مالك، وأبو صالح، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، فقال: «فإن قال قائل: أوَكان أُخرِج من الجنة؛ فيُقال له: نحن نعيدك إليها؟ قيل: لذلك وجهان: أحدهما: أنه إن كان أبوه آدم -صلى الله عليهما- أُخرج منها فكأن ولده بإخراج الله إيّاه منها قد أخرجوا منها، فمن دخلها فكأنما يرد إليها بعد الخروج. والثاني أن يقال: إنه كان ﷺ دخلها ليلة أسري به، كما روي عنه أنه قال: «دخلت الجنة، فرأيت فيها قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب». ونحو ذلك مِن الأخبار التي رُوِيت عنه بذلك، ثم رد إلى الأرض، فيقال له: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك﴾ لَمُصَيِّرُك إلى الموضع الذي خرجتَ منه مِن الجنة إلى أن تعود إليه». وعلَّق ابنُ عطية (٦/٦٢٠) على توجيه ابن جرير بقوله: «وإنما قال هذا من حيث تعطي لفظة»المعاد«أنّ المخاطب قد كان في حال يعود إليها، وهذا وإن كان مما يظهر في اللفظة فيتوجه أن يُسَمّى»معادًا«ما لم يكن المرء فيه مجوزًا؛ ولأنها أحوال تابعة للمعاد الذي هو النشور من القبور»
عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله ﷺ كان يقول إذا قضى صلاته: «اللَّهُمَّ، إنِّي أسألك بحقِّ السائلين عليك، فإنّ للسائلين عليك حقًّا، أيما عبد أو أمة من أهل البر والبحر تَقَبَّلْت دعوتهم، واستجبت دعاءهم، أن تُشركنا في صالح ما يدعونك به، وأن تعافينا وإيّاهم، وأن تقبل مِنّا ومنهم، وأن تجاوز عنّا وعنهم، بأنّا ﴿آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾». وكان يقول: «لا يتكلم بهذا أحدٌ مِن خلقه إلا أشركه الله في دعوة أهل بَرِّهم وأهل بحرهم، فعَمَّتْهُم وهو مكانه»
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿مصدقا لما بين يديه﴾، يقول: لِما قبلَه من الكتب التي أنزلها الله، والآياتوالرسل الذين بعثهم الله بالآيات، نحو: موسى، وعيسى، ونوح، وهود، وشعيب، وصالح، وأشباههم من المرسلين مُصَدِّقًا، يقول: فأنت تتلو عليهم يا محمد وتخبرهم غُدْوَةً وعَشِيَّةً وبَيْنَ ذلك، وأنت عندهم أُمِّيٌّ، لم تَقْرَأ كتابًا، ولم تُبْعَثْ رسولًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه وصدقه. يقول الله: في ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعقلون. (١/ ٤٨٢)
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح- قال: نَزَلت هذه الآية في رؤساء اليهود وعُلمائهم، كانوا يُصِيبُون من سَفِلَتِهم الهدايا والفَضْلَ، وكانوا يَرْجُون أن يكون النبيُّ المبعوثُ منهم، فلمّا بعث الله محمدًا ﷺ من غيرهم خافوا ذهاب مَأْكَلَتِهم، وزوال رِياسَتِهم، فعَمَدُوا إلى صِفة محمد، فغَيّروها، ثم أخرجوها إليهم، فقالوا: هذا نَعْتُ النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعتَ هذا النبي. فإذا نظرت السَّفِلَة إلى النَّعْتِ المُغَيَّر وجدوه مُخالِفًا لصفة محمد فلم يَتَّبِعوه؛ فأنزل الله: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿ليس على الذين آمنوا﴾ الآية: يعني بذلك رجالًا مِن أصحاب النبي ﷺ ماتوا وهم يشربون الخمر قبلَ أن تُحرَّمَ الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناحٌ قبلَ أن تُحرَّمَ، فلمّا حُرِّمت قالوا: كيف تكونُ علينا حرامًا وقد مات إخوانُنا وهم يَشرَبونها؟ فأنزل الله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾. يقول: ليس عليهم حرجٌ فيما كانوا يَشرَبون قبلَ أن أُحرِّمَها، إذ كانوا محسنين متَّقين، ﴿والله يحب المحسنين﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: لَمّا نزلت هذه الآية شَقَّت على المسلمين، وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءًا غيرك؟! فكيف الجزاء؟! قال: «منه ما يكون في الدنيا، فمَن يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومَن جُوزِي بالسيئة نقصت واحدة من عشر، وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحادُه أعشارَه. وأمّا ما يكون جزاءٌ في الآخرة فيُقابَل بين حسناته وسيئاته، فيلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر في الفضل، فيُعطى الجزاء في الجنة، فيؤتي كل ذي فضل فضله»
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه﴾، قالوا: ما أصابنا هذا الشرُّ إلا بك -يا موسى- وبمن معك، ما رأينا شرًّا ولا أصابنا حتى رأيناك. وقوله: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة﴾ قال: الحسنة: ما يُحِبُّون، وإذا كان ما يكرهون قالوا: إنما أصابنا هذا بشؤم هؤلاء الذين ظلموا. كما قال قوم صالح: ﴿اطيرنا بك وبمن معك﴾. فقال الله إنما: ﴿طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون﴾ [النمل: ٤٧]
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: بعَثَتْ قريشٌ النضرَ بن الحارث، وعُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، وغيرَهما إلى يهود يثربَ، وقالوا لهم: سَلُوهم عن محمد. فقَدِموا المدينةَ، فقالوا: أتَيْناكم لأمرٍ حدَث فينا؛ مِنّا غلامٌ يتيمٌ يقولُ قولًا عظيمًا؛ يزعُمُ أنّه رسول الرحمنِ! قالوا: صِفُوا لنا نعتَه. فوصَفوا لهم، قالوا: فمَن تَبِعَه منكم؟ قالوا: سَفِلَتُنا. فضَحِك حَبْرٌ منهم، وقال: هذا النَّبِيُّ الذي نجدُ نعتَه، ونجدُ قومَه أشدَّ الناسِ له عداوةً