سورة القلم — الآية ٤٢

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «يَجمع الله الناس يوم القيامة، ويَنزل الله في ظُلل من الغمام، فيُنادي منادٍ: يا أيها الناس، ألم تَرضَوا من ربكم الذي خَلَقكم وصوَّركم ورزقكم أن يُولِيّ كلّ إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويَتولّى، أليس ذلك مِن ربكم عَدلًا؟ قالوا: بلى. قال: فليَنطلِق كلُّ إنسان منكم إلى ما كان يَتولّى في الدنيا. ويَتمثّل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عُزَيرًا شيطان عُزَير، حتى يُمثَّل لهم الشجرة والعُود والحَجر، ويَبقى أهل الإسلام جُثومًا، فيَتمثَّل لهم الرّبّ عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تَنطلِقوا كما انطَلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا ربًّا ما رأيناه بعد. فيقول: فبِم تَعرفون ربَّكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة؛ إن رأيناه عَرفناه. قال: وما هي؟ قالوا: يَكشف عن ساق. فيَكشف عند ذلك عن ساقٍ، فيَخرّ كلُّ مَن كان يَسجد طائعًا ساجدًا، ويَبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصِيّ البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون، فيَرفعون رؤوسهم، فيُعطَون نورهم على قدْر أعمالهم، فمنهم مَن يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم مَن يُعطى نوره فوق ذلك، ومنهم مَن يُعطى نوره مثل النّخلة بيمينه، ومنهم مَن يُعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك مَن يُعطى نوره على إبهام قَدميه، يضيء مرة ويُطفِئ مرة، فإذا أضاء قَدّم قدمه، وإذا طُفئ قام فيَمُرّ، ويَمُرُّون على الصراط، والصراط كحدّ السيف دَحْض مَزَلَّة، فيقال لهم: انجُوا على قدْر نوركم. فمنهم مَن يَمُرّ كانقضاض الكوكب، ومنهم مَن يَمُرّ كالطّرف، ومنهم مَن يَمُرّ كالريح، ومنهم مَن يَمُرّ كشدّ الرَّحل ويَرمُل رَمَلًا، يَمُرّون على قدْر أعمالهم، حتى يَمُرّ الذي نوره على إبهام قدمه؛ يَجُرّ يدًا ويُعلّق يدًا، ويَجُرّ رِجلًا ويُعلّق رِجلًا، وتُصيب جوانبه النار، فيَخلُصُون، فإذا خَلَصُوا قالوا: الحمد لله الذي نجّانا منك بعد الذي أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يُعط أحدًا. فيَنطلِقون إلى ضَحْضاح عند باب الجنة، فيَغتسِلون، فيعود إليهم ريحُ أهل الجنة وألوانهم، ويَرون من خَلَلِ باب الجنة وهو مُصْفَقٌ منزلًا في أدنى الجنة، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نَجّيتكم من النار؟! فيقولون: ربّنا، أعطِنا، اجعل بيننا وبين النار هذا الباب، لا نَسمع حَسيسها. فيقول لهم: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوا غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال: فيَدخلون الجنة، ويُرفع لهم منزلٌ أمام ذلك كأن الذي رَأوا قبل ذلك حُلْمٌ عنده، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أعطيتكموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟! فيُعطَونه، ثم يُرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كأن الذي أُعطوه قبل ذلك حُلْمٌ عند الذي رَأوا، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل أحسن منه؟! ثم يَسكتون، فيقال لهم: ما لكم لا تَسألون؟ فيقولون: ربّنا، قد سألناك حتى استحيينا. فيقال لهم: ألم تَرضَوا أنْ أُعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خَلَقتُها إلى يوم أفنيتُها وعشرة أضعافها؟ فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت ربّ العالمين؟!». قال مسروق: فلمّا بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث ضحك، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُحدّثه مرارًا، فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تَبدوَ لهَواتُه، ويَبدوَ آخر ضِرس مِن أضراسه لقول الإنسان، قال: «فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر فسلوني. قالوا: ربّنا، ألحِقنا بالناس. فيقال لهم: الحقُوا الناس. فينطَلِقون يَرْمُلون في الجنة، حتى يَبدوُ للرجل منهم في الجنة قصر؛ دُرّة مُجَوّفة، فيَخِرّ ساجدًا، فيقال له: ارفع رأسك. فيَرفع رأسه، فيقول: رأيتُ ربي! فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك. فيَنطلِق، فيستقبله رجل، فيَتهيّأ للسجود، فيُقال له: ما لك؟ فيقول: رأيتُ مَلكًا! فيقال له: إنما ذلك قَهْرمان من قهارمتكَ، عبد من عبيدك. فيأتيه، فيقول: إنما أنا قَهْرمان من قهارمتكَ على هذا القصر، تحت يدي ألف قَهْرمان، كلّهم على ما أنا عليه. فيَنطلِق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوفة، سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها. قال: فيفتح له القصر، فتستقبله جوهرة خضراء مُبطّنة بحمراء سبعون ذراعًا فيها ستون بابًا، كلّ باب يُفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كلّ جوهرة سُررٌ وأزواج ونصائف، أو قال: ووصائف. فيَدخل فيه، فإذا هو بحَوْراء عَيناء عليها سبعون حُلّة، يُرى مخ ساقها من وراء حُلَلها، كبدها مرآته، وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددتَ في عيني سبعين ضعفًا. ويقول لها مثل ذلك. قال: فيُشرف على مُلكه مَدّ بصره، مسيرة مائة عام». قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع -يا كعب- ما يُحدّثنا به ابن أُمّ عبد عن أدنى أهل الجنة ماله، فكيف بأعلاهم؟! فقال: يا أمير المؤمنين، ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ، إنّ الله كان فوق العرش والماء، فخَلَق لنفسه دارًا بيده، فزيَّنها بما شاء، وجَعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقَها، فلم يَرها أحد من خَلْقه منذ خَلَقها، لا جبريل ولا غيره من الملائكة. ثم قرأ كعب: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة:١٧]. وخَلَق دون ذلك جَنّتين، فزيّنهما بما شاء، وجعل فيهما ما ذَكر من الحرير والسُّندس والإسْتَبرق، وأراهما مَن شاء من خَلْقه من الملائكة، فمَن كان كتابه في عِلّيّين نَزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عِلّيّين في مُلكه لم يَبق خَيمة من خِيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، حتى إنهم ليَستنشِقون ريحه، ويقولون: واهًا لهذه الريح الطّيّبة. ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عِلّيّين. فقال عمر: ويحك -يا كعب- إنّ هذه القلوب قد استَرسلتْ، فاقْبضها. فقال كعب: يا أمير المؤمنين، إنّ لِجهنم زَفرةً ما من مَلك ولا نبي إلا يَخرّ لرُكْبته، حتى يقول إبراهيم خليل الله: ربّ، نفسي نفسي. وحتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لَظننتَ أن لن تَنجو منها

سورة النور — الآية ١١

عن ابن عمر، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقْرَع بين نسائه ثلاثًا، فمَن أصابته القُرْعَة خرج بها معه، فلمّا غزا بني المُصْطَلِق أقرَعَ بينهنَّ، فأصابت عائشةَ وأمَّ سلمة، فخرج بهما معه، فلمّا كانوا في بعض الطريق مال رحل أمِّ سلمة، فأناخوا بعيرَها لِيُصْلِحوا رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة، فلمّا أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي: إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي. قالت: فنزلت مِن الهَوْدَج، ولم يعلموا بنزولي، فأتيت جَوْبَةً، فانقطعت قلادتي، فاحتبست في جمعها ونِظامها، وبعث القومُ إبلهم، ومضوا، وظنوا أنِّي في الهودج، فخرجت ولم أرَ أحدًا، فاتبعتهم حتى أعييت، فقلت في نفسي: إنّ القوم سيفقدوني، فيرجعون في طلبي. فقُمتُ على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المُعَطِّل، وكان سأل النبيَّ ﷺ أن يجعله على السّاقَةِ، فجعله، وكان إذا رحل الناسُ قام يُصَلِّي، ثُمَّ اتَّبَعَهُم، فما سقط منهم مِن شيء حمله حتى يأتي به أصحابَه، قالت عائشة: فلمّا مَرَّ بي ظَنَّ أني رجل، فقال: يا نَوْمانُ، قُمْ؛ فإنّ الناس قد مضوا. فقلت: إني لست رجلًا، أنا عائشة. قال: إنّا لله وإنا اليه راجعون. ثم أناخ بعيرَه، فعقل يديه، ثم ولّى عَنِّي، فقال: يا أُمَّه، قومي فاركبي، فإذا ركبتُ فآذِنيني. قالت: فركبتُ، فجاء حتى حَلَّ العِقال، ثم بعث جمله، فأخذ بخِطام الجمل. قال ابن عمر: فما كلَّمها كلامًا حتى أتى بها رسولَ الله ﷺ، فقال عبد الله بن أبي بن سلول المنافق: فَجَرَ بِها، وربِّ الكعبة. وأعانه على ذلك حسّان بن ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَةُ، وشاع ذلك في العسكر، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فكان في قلب النبي ﷺ مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، وأشاع عبدُ الله بن أُبَيٍّ هذا الحديثَ في المدينة، واشْتَدَّ ذلك على رسول الله ﷺ. قالت عائشةُ: فدخلتْ ذاتَ يومٍ أمُّ مِسْطَح، فرأتني وأنا أريد المذهب، فحملت معي السَّطْلَ وفيه ماءٌ، فوقع السطل منها، فقالت: تَعِس مِسْطَح. قالت لها عائشة: سبحان الله! تَسُبِّين رجلًا مِن أهل بدر، وهو ابنُكِ؟ قالت لها أم مسطح: إنّه سال بكِ السَّيْلُ وأنتِ لا تدرين! وأخبَرَتْها بالخبر. قالت: فلمّا أخبرتني أخذتني الحُمّى، فتَقَلَّص ما كان، ولم أجد المذهب. قالت عائشة: وقد كنت أرى مِن النبي ﷺ قبل ذلك جفوةً، ولم أدرِ مِن أيِّ شيء هو، فلما حدثتني أمُّ مِسْطَحٍ علمتُ أنّ جفوةَ رسول الله ﷺ كانت لِما أخبرتني أمُّ مسطح، فقلتُ للنبيِّ ﷺ: أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟ قال: «اذهبي». فخرجت عائشةُ حتى أتت أباها، فقال لها: ما لكِ؟ قلت: أخرجني رسول الله ﷺ مِن بيته. قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله ﷺ من بيته وآويك أنا؟! واللهِ، لا آويك حتى يأمر رسول الله ﷺ. فأمره رسولُ الله ﷺ أن يؤويها، فقال لها أبو بكر: واللهِ، ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط، فكيف وقد أعزَّنا اللهُ بالإسلام؟ فبَكَتْ عائشةُ، وأمُّها أمُّ رَومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار، وبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فصعد المنبر، فحَمِد الله، وأثنى عليه، فقال: «أيها الناسُ، مَن يعذرني مِمَّن يؤذيني؟». فقام إليه سعد بن معاذ، فسَلَّ سيفَه، وقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن يكن مِن الأوسِ أتيتُك برأسه، وإن يكن مِن الخزرج أمرتَنا بأمرك فيه. فقام سعدُ بن عبادة، فقال: كذبتَ، واللهِ، ما تقدر على قتله، إنّما طلبتنا بذُحُولٍ كانت بيننا وبينكم في الجاهلية. فقال هذا: قال الأوس. وقال هذا: قال الخزرج. فاضطربوا بالنِّعال والحجارة، وتلاطموا، فقام أسيد بن حُضَير، فقال: فيمَ الكلام؟ هذا رسول الله يأمرنا بأمره، فينفُذُ عن رغم أنف مَن رغِم. ونزل جبريلُ وهو على المنبر، فلمّا سُرِّي عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل: ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات:٩] إلى آخر الآيات. فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله. وقام بعضُهم إلى بعض، فتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبيُّ ﷺ عن المنبر، وانتظر الوحيُ في عائشة، فبعث النبيُّ ﷺ إلى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يَعْدُ عَلِيًّا، وأسامةَ بعد موت أبيه زيد. فقال لعلي: «ما تقول في عائشة؟ فقد أهمني ما قال الناس». قال: يا رسول الله، قد قال الناس، وقد حلَّ لك طلاقُها. وقال لأسامة: «ما تقول أنت؟». قال: سبحان الله! ما يَحِلُّ لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. فقال لبريرة: «ما تقولين، يا بريرة؟». قالت: واللهِ، يا رسول الله، ما علِمْتُ على أهلِكَ إلا خيرًا، إلا أنها امرأة نَؤُوم، تنام حتى تجيءَ الدّاجِنُ فتأكل عجينها، وإن كان شيءٌ مِن هذا ليخبرنك اللهُ. فخرج ﷺ حتى أتى منزلَ أبي بكر، فدخل عليها، فقال لها: «يا عائشة، إن كنتِ فعلتِ هذا الأمرَ فقولي لي حتى أستغفرَ اللهَ لكِ». فقالت: واللهِ، لا أستغفر الله منه أبدًا، إن كنتُ قد فعلتُه فلا غَفَرَ الله لي، وما أجد مَثَلي ومَثَلُكم إلا مَثَلَ أبي يوسف -وذهب اسم يعقوب مِن الأسف-، قال: ﴿انما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ [يوسف:٨٦]. فبينا رسول الله ﷺ يُكَلِّمها إذ نزل جبريلُ بالوحي، فأخذتِ النبيَّ ﷺ نعسةٌ، فسُرِّي وهو يتبسم، فقال: «يا عائشةُ، إنّ الله قد أنزل عذركِ». فقالت: بحمد الله، لا بحمدك. فتلا عليها سورةَ النور إلى الموضع الذي انتهى خبرُها وعذرُها وبراءتُها، فقال رسول الله ﷺ: «قُومي إلى البيت». فقامت، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فجيء به، فضربه النبيُّ ﷺ حَدَّيْن، وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة، فضُرِبوا ضربًا وجيعًا، ووَجَأَ في رقابهم. قال ابن عمر: إنّما ضرب رسولُ الله ﷺ عبد الله بن أُبَيٍّ حَدَّيْن؛ لأنّه مَن قذف أزواج النبي ﷺ فعليه حَدّان. فبعث أبو بكر إلى مِسْطَح: لا وصَلْتُك بدرهمٍ أبدًا، ولا عطفتُ عليك بخير أبدًا. ثم طرده أبو بكر، وأخرجه من منزله، فنزل القرآن: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ إلى آخر الآية. فقال أبو بكر: أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأُضاعِفَنَّ لك. وكانت امرأة عبد الله بن أُبَيٍّ مُنافقة معه؛ فنزل القرآن: ﴿الخبيثات﴾ يعني: امرأة عبد الله ﴿للخبيثين﴾ يعني: عبد الله، ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ يعني: عبد الله وامرأته، ﴿والطيبات﴾ يعني: عائشة وأزواج النبي ﷺ ﴿للطيبين﴾ يعني: النبي ﷺ

سورة الفتح — الآية ٢٤

عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومروان بن الحكم -من طريق عروة بن الزبير- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحُدَيبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحُلَيْفة قلّد رسول الله ﷺ الهَدْي وأَشْعَرَه، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له مِن خُزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله ﷺ، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبًا من عُسفان أتاه عينُه الخُزاعي، فقال: إنِّي قد تركتُ كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: «أشيروا عَلَيَّ؛ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا مَوتورين مَحْزونين، وإن نَجَوا تكن عُنقًا قطعها الله، أم ترون أن نؤُمّ البيت؛ فمَن صدَّنا عنه قاتلناه؟». فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، يا رسول الله، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبيُّ ﷺ: «فروحوا إذن». فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبيُّ ﷺ: «إنّ خالد بن الوليد بالغميم، في خيلٍ لقريش طليعة؛ فخذوا ذات اليمين». فواللهِ، ما شعر بهم خالد، حتى إذا هو بقَتَرَة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبيُّ ﷺ، حتى إذا كان بالثَّنيّة التي يهبط عليهم منها برَكت به راحلته، فقال النبيُّ ﷺ: «حلْ حلْ». فألحّتْ فقالوا: خَلَأتِ القَصْواء. فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلَأتِ القصواء، وما ذاك لها بُخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطّةً يُعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم إياها». ثم زجرها، فوثبتْ به، فعدل بهم، حتى نزل بأقصى الحُدَيبية على ثَمَدٍ قليل الماء إنما يتَبَرّضُه الناس تَبَرُّضًا، فلم يلبثه الناس أنْ نَزحوه، فشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا مِن كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فواللهِ، ما زال يجيش لهم بالرِّيّ حتى صَدَروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بديلُ بن ورقاء الخُزاعيّ في نَفرٍ من قومه مِن خُزاعة، وكانوا عَيْبَة نُصْحِ رسول الله ﷺ مِن أهل تِهامة، فقال: إني تركتُ كعب بن لؤيّ، وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحُدَيبية، معهم العُوذُ المطافيل، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ: «إنّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشًا قد نَهِكَتهم الحرب، وأضَرّتْ بهم، فإن شاءوا مادَدْتُهم مُدّة ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظْهر فإن شاءوا أن يَدْخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإنْ هُم أبَوا -فوالذي نفسي بيده- لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالِفَتي، أو ليُنفِذَنّ الله أمره». فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلَق حتى أتى قريشًا، فقال: إنّا قد جئناكم مِن عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تُحدّثنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول. قال: سمعتُه يقول كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال رسول الله ﷺ، فقام عُروة بن مسعود الثَّقَفيّ، فقال: أيْ قومِ، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: أوَلستُ بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنّي استَنفرتُ أهلَ عكاظ، فلمّا بلَّحُوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومَن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا قد عرض عليكم خُطّة رُشْدٍ؛ فاقبلوها، ودَعُوني آتِه. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يُكلّم النَّبِيّ ﷺ، فقال له النَّبِيّ ﷺ نحوًا مِن قوله لبُدَيل، فقال عُروة عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ إن استأْصلْتَ قومك، هل سمعتَ أحدًا مِن العرب اجتاح أهلَه قبلك؟! وإن تكن الأخرى -فواللهِ- إني لأرى وجوهًا وأرى أشْوابًا من الناس خَليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوك. فقال له أبو بكر: امْصُص بَظَر اللّات، أنحن نَفِرّ عنه ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قال: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِك بها لأجبْتُك. قال: وجعل يُكلّم النبيَّ ﷺ، فكُلّما كَلّمه أخذ بلحيته، والمُغيرة بن شُعبة قائم على رأس النبيّ ﷺ ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكُلّما أهوى عروةُ بيده إلى لحية النبيّ ﷺ ضَرب المُغيرة يده بنَعل السيف، وقال: أخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عُروة رأسه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرة بن شُعبة. فقال: أي غُدَر، ألستُ أسعى في غَدْرَتك؟! وكان المُغيرة صَحِب قومًا في الجاهلية، فقتَلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبيُّ ﷺ: «أمّا الإسلام فأقبل، وأمّا المال فلستُ منه في شيء». ثم إنّ عُروة جعل يَرمُق أصحاب النَّبِيّ ﷺ بعينيه. فقال: فواللهِ، ما تنخَّم رسول الله ﷺ نُخامة إلا وقعتْ في كفّ رجل منهم، فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمْره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضُوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النّظر تعظيمًا له. فرجع عُروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، واللهِ، لقد وفدتُ على الملوك، ووفدتُ على قَيْصر وكِسْرى والنَّجاشي، واللهِ، إن رأيتُ مَلِكًا قطّ يُعظِّمه أصحابه ما يُعظّم أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللهِ، إن يَتنَخّم نُخامة إلا وقعتْ في كفّ رجل منهم، فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضُوئه، وإذا تكلَّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النَّظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خُطّة رُشْدٍ، فاقبلوها. فقال رجل مِن بني كنانة: دعوني آتِه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النَّبِيّ ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ: «هذا فلان، وهو من قوم يُعظِّمون البُدْن، فابعثوها له». فبُعِثتْ له، واستقبله القوم يُلَبُّون، فلمّا رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْن قد قُلِّدتْ وأُشْعِرتْ، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل يُقال له: مِكْرَز بن حفص. فقال: دعوني آتِه. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النَّبِيّ ﷺ: «هذا مِكْرَز، وهو رجل فاجر». فجعل يُكلّم النَّبِيّ ﷺ، فبينما هو يُكلّمه إذ جاء سُهيل بن عمرو، فقال النَّبِيُّ ﷺ: «قد سَهُل لكم مِن أمركم». فجاء سُهَيل، فقال: هاتِ اكتبْ بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتب، فقال رسول الله ﷺ: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». قال سُهيل: أما الرحمن، فواللهِ، ما أدري، ما هي؟ ولكن اكتب: باسمك، اللهم؛ كما كنتَ تكتب. فقال المسلمون: واللهِ، ما نكتبها إلا: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النَّبِيُّ ﷺ: «اكتب: باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله». فقال سُهيل: واللهِ، لو كُنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبيُّ ﷺ: «واللهِ، إني لَرسول الله وإن كذَّبتموني، اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله». -قال الزُّهريّ: وذلك لقوله: «لا يسألوني خُطّة يُعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم إياها»- فقال النَّبِيّ ﷺ: «على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت، فنطوف به». قال سُهيل: واللهِ، لا تتحدث العرب أنّا أُخِذنا ضُغْطة، ولكن لك مِن العام المقبل. فكتب، فقال سُهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل، وإنْ كان على دينك، إلا رددّته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سُهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سُهيل: هذا -يا محمد- أول مَن أقاضيك عليه أن تَرُدّ إلَيَّ. فقال النَّبِيّ ﷺ: «إنّا لم نقضِ الكتاب بعد». قال: فواللهِ، لا أصالحك على شيء أبدًا. قال النَّبِيّ ﷺ: «فأَجِزْه لي». قال: ما أنا بمجيزه. قال: «بلى، فافعل». قال: ما أنا بفاعل. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا؟! ألا ترون ما لقيتُ في الله؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله، فقال عمر بن الخطاب: واللهِ، ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ، فأتيتُ النَّبِيَّ ﷺ، فقلت: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال: «بلى». فقلتُ: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: «بلى». قلت: فلِمَ نُعطي الدَّنيّة في ديننا إذن؟ قال: «إني رسول الله، ولستُ أعْصِيه، وهو ناصري». قلتُ: أوَليس كنتَ تُحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتُك أنك تأتيه العام؟». قلتُ: لا. قال: «فإنك آتيه، ومُطوِّف به». فأتيتُ أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نعطي الدَّنِيّة في ديننا إذن؟! قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربَّه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه تفُز حتى تموت، فواللهِ، إنّه لعلى الحق. قلتُ: أوليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت، ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبَرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه، ومُطوِّف به. قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا، فانحروا، ثم احلِقوا». فواللهِ، ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقُم منهم أحد قام فدخل على أُمّ سَلَمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أُمّ سَلَمة: يا نبي الله، أتحبّ ذلك؟ قال: «نعم». قالت: فاخرج، ثم لا تُكلّم أحدًا منهم حتى تَنحر بُدنك، وتدعو حالِقك فيحلِقك. فقام النبيُّ ﷺ، فخرج، فلم يُكلّم أحدًا منهم كلمة حتى فعل ذلك؛ نَحر بُدنه، ودعا بحالِقه فحلَقه، فلمّا رأَوا ذلك قاموا فنَحَروا، وجعل بعضهم يحلِق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتُل بعضًا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فطلَّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُميّة، ثم رجع النَّبِيّ ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بَصير -رجل من قريش- وهو مُسلم، فأَرسلوا في طَلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلتَه لنا! فدفعه النَّبِيّ ﷺ إلى الرّجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحُلَيفة، فنزلوا يأكلون مِن تمْرٍ لهم، فقال أبو بَصير لأحد الرّجلين: واللهِ، إنِّي لأرى سيفك هذا -يا فلان- جيِّدًا. فاستلّه الآخر، وقال: أجَلْ، واللهِ، إنّه لَجَيِّد، لقد جَرَّبتُ به وجَرَّبتُ. فقال له أبو بَصير: أرِني أنظر إليه. فأمْكَنه منه، فضربه حتى بَرَدَ، وفَرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدُو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعرًا». فلما انتهى إلى النَّبِيّ ﷺ قال: قد قُتل -واللهِ- صاحبي، وإنِّي لمقتول. فجاء أبو بَصير، فقال: يا نبي الله، قد أوفى الله بذِمّتك، قد رَدَدتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. فقال النَّبِيُّ ﷺ: «ويْلُ أُمِّهِ، مِسْعَر حربٍ لو كان له أحد!». فلمّا سمع ذلك عرف أنه سيردّه إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. قال: وينفَلِتُ منهم أبو جندل، فلحِق بأبي بصير، فجعل لا يخرج رجلٌ مِن قريش رجل قد أسلم إلا لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، قال: فواللهِ، ما يسمعون بِعِيرٍ لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلتْ قريش إلى النبِيّ ﷺ تُناشده اللهَ والرَّحِم لَما أرسل إليهم، فمَن أتاه منهم فهو آمن. فأرسَل إليهم النَّبِيُّ ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٤-٢٦]، وكانت حَمِيّتهم أنهم لم يُقِرّوا أنّه نبيُّ الله، ولم يقروا بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، وحالوا بينه وبين البيت

سورة التوبة — الآية ١١٨

عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أنّ عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب مِن بنيه حين عَمِي- قال: سمعتُ كعب بن مالك يُحدِّث حديثَه حين تَخَلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتَخَلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوةٍ غزاها قطُّ إلا في غزوة تبوك، غير أنِّي تَخَلَّفْتُ في غزاة بدر، ولم يُعاتِب أحدًا تَخَلَّف عنها، إنّما خرج رسول الله ﷺ يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدُوِّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العَقَبَة حين تَواثَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذْكَرَ في الناس منها وأَشْهَر، وكان مِن خَبَرِي حين تَخَلَّفْتُ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أنِّي لم أكُن قطُّ أقوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حين تَخَلَّفْتُ عنه في تلك الغزاة، واللهِ، ما جمعتُ قبلَها راحِلَتَيْن قطُّ حتى جَمَعْتُهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قَلَّما يُريدُ غزاةً إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومَفازًا، واستقبل عَدُوًّا كثيرًا، فجَلّى للمسلمين أمرَهم لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهم، فأخبرهم وجهَه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كِتاب حافِظٌ -يريد: الديوان-. قال كعب: فقلَّ رجلٌ يُريد أن يتغيَّبَ إلا ظنَّ أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزِل فيه وحْيٌ مِن الله. وغزا رسولُ الله ﷺ تلك الغزاة حين طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ، وأنا إليها أصْعَرُ، فتجهَّز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، وطفِقْتُ أغدو لكي أتَجَهَّزَ معهم، فأرجع ولا أقضي شيئًا، فأقول لنفسي: أنا قادِرٌ على ذلك إذا أردتُ. فلم يزل ذلك يَتَمادى بي حتى اسْتَمَرَّ بالناس الجِدُّ، فأصبح رسولُ الله ﷺ غادِيًا والمسلمون معه، ولم أقْضِ مِن جَهازي شيئًا، وقلت: الجَهازُ بعد يوم أو يومين ثم ألْحَقُه. فغَدَوْتُ بعدما فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فرجعتُ ولم أقضِ مِن جَهازي شيئًا، ثم غدوتُ فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتَهَوْا، وتَفارَطَ الغزوُ، فهممتُ أن أرتحل فأُدركهم، وليت أنِّي فعلتُ، ثم لم يُقَدَّر ذلك لي، فطَفِقْتُ إذا خرجتُ في الناس بعد رسول الله ﷺ يُحْزِنُني أن لا أرى إلا رجلًا مَغْمُوصًا عليه في النِّفاق، أو رجلًا مِمَّن عَذَرَهُ الله. ولم يذكرني رسولُ الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: «ما فعل كعبُ بنُ مالك؟». قال رجل مِن بني سَلِمةَ: حَبَسَهُ -يا رسول الله- بُرداه، والنَّظَرُ في عِطْفَيْه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلتَ، واللهِ، يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ. قال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ قد تَوَجَّه قافِلًا من تبوك حَضَرَنِي بَثِّي، فطَفِقْتُ أتَفَكَّرُ الكَذِب، وأقول: بِماذا أخرج مِن سخطه غدًا؟ أستعين على ذلك كُلَّ ذي رَأْيٍ مِن أهلي. فلمّا قيل: إنّ رسول الله ﷺ قد أظَلَّ قادِمًا. زاح عَنِّي الباطِل وعرَفت أنِّي لم أنجُ مِنه بشيء أبدًا، فأجمعتُ صِدْقَه، وصبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قَدِم مِن سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع ركعتين، ثم جلس للناس، فلمّا فعل ذلك جاءه المُتَخَلِّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقَبِل منهم رسولُ الله ﷺ عَلانِيَتَهم، واسْتَغْفَر لهم، ويَكِل سرائِرهم إلى الله، حتى جئتُ، فلمّا سلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَب، ثم قال لي: «تعال». فجئتُ أمْشِي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلَّفَكَ؟ ألم تكن قد اشتريتَ ظَهْرَك؟». فقلتُ: يا رسول الله، لو جَلَسْتُ عند غيرك مِن أهل الدنيا لَرَأْيتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِه بعُذْرٍ، لقد أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنَّه -واللهِ- لقد علمتُ لَئِن حدَّثتُك اليوم حَديثَ كَذِبٍ ترضى عنِّي به؛ لَيُوشِكَنَّ الله يُسخِطُك عَلَيَّ، ولَئِن حدَّثتُك الصِّدْقَ تَجِدُ عَلَيَّ فيه، إنِّي لأرجُو قربَ عُقْبى مِن الله، واللهِ، ما كان لي عذر، واللهِ، ما كنت قطُّ أفْرَغ ولا أيْسَر مِنِّى حين تخلَّفتُ عنك. فقال رسول الله ﷺ: «أمّا هذا فقد صَدَق، فقُم حتى يقضِي اللهُ فيك». فقمتُ، وبادرني رجال مِن بني سلِمة، واتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ، ما علِمناك كنتَ أذْنَبْتَ ذنبًا قبل هذا، ولقد عَجَزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعْتَذر به المُتَخَلِّفون! فلقد كان كافيك مِن ذنبك استغفارُ رسول الله ﷺ. قال: فواللهِ، ما زالوا يُؤَنِّبونني حتى أردتُ أن أرجع فأُكَذِّب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقِي هذا معي أحدٌ؟. قالوا: نعم، لَقِيَه معك رجلان، قالا ما قلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: مَن هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهِدا بدرًا، لي فيهما أُسْوَة، فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسولُ الله ﷺ الناس عن كلامنا -أيُّها الثلاثة- مِن بين مَن تخلَّف عنه، فاجتنبنا الناسَ، وتغيَّروا لنا، حتى تَنَكَّرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التى كنت أعرفُ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما، وأمّا أنا فكُنتُ أشدَّ القومِ وأجْلَدَهم، فكنت أشهد الصلاةَ مع المسلمين، وأطوفُ بالأسواق، فلا يُكَلِّمني أحد، وآتي رسولَ الله ﷺ وهو في مَجْلِسه بعد الصلاة فأُسَلِّم وأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بِرَدِّ السلام أم لا؟ ثم أُصَلِّي قريبًا منه وأُسارِقُه النَّظَر؛ فإذا أقْبَلْتُ على صلاتى نظر إلَيَّ، فإذا التَفَتُّ نحوَه أعْرَض. حتى إذا طال عَلَيَّ ذلك مِن هجر المسلمين مَشَيْتُ حتى تَسَوَّرْتُ حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبُّ الناسِ إلَيَّ، فسلَّمت عليهِ، فواللهِ، ما ردَّ السلام عَلَيَّ، فقلتُ له: يا أبا قتادة، أنشُدُك الله، هل تعلم أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه؟ قال: فسكَتَ. قال: فعُدت فنشَدته، فسكتْ، فعدت فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتَوَلَّيْتُ حتى تَسَوَّرْتُ الجدارَ. وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطِيُّ مِن أنباط الشام مِمَّن قدِم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: مَن يدُلُّ على كعب بن مالك؟ فطفِق الناس يُشيرون له إلَيَّ، حتى جاء فدفَع إلَيَّ كتابًا مِن مَلِك غَسّان، وكُنتُ كاتِبًا، فإذا فيه: أمّا بعدُ، فقد بَلَغَنا أنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللهُ بدارِ هوانٍ ولا مَضْيَعة، فالحَقْ بِنا نُواسِكَ. فقلتُ حين قرأتُها: وهذا أيضًا مِن البلاء. فتَيَمَّمْتُ بها التَّنُّورَ، فَسَجَرتُه فيها. حتى إذا مضت أربعون ليلة مِن الخمسين إذا برسولِ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إنّ رسولَ الله ﷺ يأمُرُك أن تَعْتَزِل امرأتَك. فقلت: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: بلِ اعتزِلها ولا تقربْها. وأرسل إلى صاحِبَيَّ مثلَ ذلك، فقلتُ لامرأتى: الحقي بأهلِك، فكوني عندهم حتى يقضي اللهُ في هذا الأمر. فجاءت امرأةُ هلال بن أمية رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنّ هلالًا شيخ ضائع، وليس له خادِم، فهل تكره أن أخدمه؟. قال: «لا، ولكن لا يَقْرَبَنَّكِ». قالت: وإنّه -واللهِ- ما بِه حَرَكَةٌ إلى شيء، واللهِ، ما زال يبكي مِن لدن أن كان مِن أمرِك ما كان إلى يومِه هذا. فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله ﷺ في امرأتِك؛ فقد أذِن لامرأة هلال أن تخدمه. فقلتُ: واللهِ، لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما أدري ما يقولُ إذا استأذنتُه وأنا رجل شابٌّ. قال: فلبِثنا عشرَ ليال، فكمل لنا خمسون ليلة مِن حين نهى عن كلامنا. قال: ثُمَّ صليتُ صلاةَ الفجر صباح خمسين ليلة على ظهرِ بيتٍ مِن بيوتنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحال التى ذكر الله عَنّا؛ قد ضاقت عَلَيَّ نفسي، وضاقت عَلَيَّ الأرض بما رَحُبَت، سَمِعْتُ صارِخًا أوْفى على جبل سَلْعٍ يقولُ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبْشِرْ. فخررتُ ساجِدًا، وعرفتُ أن قد جاء فَرَجٌ، فآذَنَ رسولُ الله ﷺ بتوبةِ الله علينا حين صلّى الفجرَ، فذهب الناسُ يُبَشِّرُوننا، وذهب قِبَل صاحِبَيَّ مُبَشِّرون، وركض إلَيَّ رجلٌ فرسًا، وسعى ساعٍ مِن أسلم وأَوْفى على الجبل، فكان الصوتُ أسرعَ مِن الفرس، فلمّا جاءنى الذي سمعتُ صوتُه يُبَشِّرُني نَزَعت له ثوبَيَّ فكسوتُهما إيّاه ببشارته، واللهِ، ما أملك غيرَهما يومئذ، فاستعرتُ ثوبين فلبستُهما، فانطلقت أؤُمُّ رسولَ الله ﷺ، يَتَلَقّاني الناسُ فَوْجًا بعد فَوْجٍ يُهَنِّئوني بالتوبة، يقولون: لِيَهْنِكَ توبةُ الله عليك. حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ الله ﷺ جالس في المسجد حولَه الناس، فقام إلَيَّ طلحةُ بن عبيد الله يُهَرْوِل حتى صافَحني وهنَّأني، واللهِ، ما قام إلَيَّ رجل مِن المهاجرين غيرُه -قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة-. قال كعب: فلمّا سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يَبْرق وجهُه مِن السرور: «أبْشِرْ بخير يومٍ مرَّ عليك منذُ ولَدَتْك أمُّك». قلتُ: أمِن عندِك -يا رسول الله- أم مِن عند الله؟ قال: «لا، بل مِن عند الله». وكان رسولُ الله ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنار وجهُه حتّى كأنه قِطْعَةُ قَمَر، فلمّا جلَستُ بين يديه قلتُ: يا رسول الله، إنّ مِن توبتى أن انْخَلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله ﷺ. قال: «أمْسِكْ بعضَ مالِك فهو خيرٌ لك». قلتُ: إنِّي أُمْسِك سهمِي الذي بخيبر. وقلتُ: يا رسول الله، إنّما نجّاني الله بالصِّدق، وإنّ مِن توبتي ألّا أُحَدِّثَ إلا صِدْقًا ما بَقِيتُ. قال: فواللهِ، ما أعلمُ أحدًا مِن المسلمين أبلاه الله مِن الصدق في الحديث منذُ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مِمّا أبلاني الله تعالى، واللهِ، ما تعمَّدتُ كِذبةً منذُ قلتُ ذلك إلى يومي هذا، وإنِّي لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: وأنزل الله: ﴿لقد تاب الله على النَّبِىّ والمهاجرين والأنصار﴾ إلى قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾. فواللهِ، ما أنعم الله عَلَيَّ مِن نعمة قطُّ بعد أن هداني الله للإسلام أعْظَمَ في نفسي مِن صدق رسول الله ﷺ يومئذ ألّا أكون كذَبتُه فأهلِكَ كما هلَك الذين كذبوه، فإنّ الله قال للذين كَذَبُوه حين أنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحد، فقال: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتُعرِضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس﴾ إلى قوله: ﴿الفاسقين﴾ [التوبة:٩٥]. قال: وكُنّا خُلِّفنا -أيُّها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول الله ﷺ حين حلَفُوا، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجَأ رسولُ الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا﴾. وليس تخليفُه إيّانا وإرجاؤه أمرَنا -الذي ذكر مما خُلِّفنا- بتخلُّفِنا عن الغزو، وإنّما هو عمَّن حلَفَ له واعتذر إليه فقَبِل منه

سورة الكهف — الآية ١٠

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- فيما ذُكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم مَلَكَ أهلَ تلك البلادِ رجلٌ صالح يُقال له: تيذوسيس، فلما ملك بقي ملكه ثمانيًا وستين سنة، فتحزب الناس في ملكه، فكانوا أحزابًا؛ فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله، وتضرع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لَمّا رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث النفوس، ولا تبعث الأجساد. ونسوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيس يرسل إلى مَن يظن فيه خيرًا، وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يُكذبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس دخل بيته، فأغلقه عليه، ولبس مسحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليلَه ونهارَه زمانًا يتضرع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس، ثم إنّ الرحمن الرحيم الذي يكره هَلَكَة العباد أراد أن يُظهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتم نعمته عليه، فلا ينزع منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، وأن يجمع مَن كان تبدد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل مِن أهل ذلك البلد الذي به الكهف -وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذاك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل: أولياس- أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله مِن الناس بالرعب، فيزعمون أنّ أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا عليهم باب الكهف أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظَهْرَي الكهف، فجلسوا فرحين، مسفرة وجوههم، طيبة أنفسهم، فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة، فصَلُّوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيء ينكرونه، كهيئتهم حين رقدوا بعشي أمس، وهم يرون أنّ ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم. فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون قالوا ليمليخا -وكان هو صاحب نفقتهم الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أنّ دقينوس يلتمسهم، ويسأل عنهم-: أنبِئْنا، يا أخي، ما الذي قال الناس في شأننا عشي أمس عند هذا الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيِّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿كم لبثتم﴾ نيامًا؟ ﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾. وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا: افتُقِدتم والتُمِسْتم بالمدينة، وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم مُلاقَون، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ولا تنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة، فتسمَّع ما يُقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطف، ولا تُشعِرَنَّ بنا أحد، وابتع لنا طعامًا فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به؛ فإنّه قد كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورِقًا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجًا، فلمّا مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبالِ بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريق تَخَوُّفًا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاث مائة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مائة وتسع سنين. فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرًا فيها، فلمّا رآها عجِب، وجعل ينظر مستخفيًا إليها، فنظر يمينًا وشمالًا، فتعجَّب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوَّل إلى باب آخر مِن أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كل باب مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أنّ المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسًا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب، ويخيل إليه أنه حيران، ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه، ويقول: يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة! لعلي حالم! ثم يرى أنه ليس بنائم، فأخذ كساءه، فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها، فيسمع أناسًا كثيرًا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده فرقًا، ورأى أنه حيران، فقام مسندًا ظهره إلى جدار مِن جدر المدينة، ويقول في نفسه: واللهِ، ما أدري ما هذا؟ أما عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فأسمعهم وكل إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف! ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدًا منهم! واللهِ، ما أعلم مدينةً قرب مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجه وجهًا، ثم لقي فتًى من أهل المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة، يا فتى؟ قال: اسمها: أفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مَسًّا، أو بي أمر أذهب عقلي؟ واللهِ، يحقُّ لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها، أو يصيبني شر فأهلك. هذا الذي يحدث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به، ثم إنه أفاق، فقال: واللهِ، لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي. فدنا مِن الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورِق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعني بهذه الورِق -يا عبد الله- طعامًا. فأخذها الرجل، فنظر إلى ضرب الورِق ونقشها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجل مِن أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم مِن رجل إلى رجل، ويتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم، ويقول بعضهم لبعض: إنّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرض منذ زمان ودهر طويل. فلما رآهم يتشاورون من أجله فرِق فرَقًا شديدًا، وجعل يرتعد، ويظن أنهم قد فطِنوا به وعرفوه، وأنهم إنّما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسَلِّمونه إليه، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم وهو شديد الفرَق منهم: أفضلوا عليَّ، فقد أخذتم ورِقي، فأمسِكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به. قالوا له: مَن أنت، يا فتى؟ وما شأنك؟ واللهِ، لقد وجدت كنزًا من كنوز الأولين، فأنت تريد أن تخفيه مِنّا، فانطلق معنا فأرِناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وجدت، فإنّك إن لا تفعل نأتِ بك السلطان، فنسلمك إليه، فيقتلك. فلما سمع قولهم عجب في نفسه، فقال: قد وقعتُ في كل شيء كنت أحذر منه. ثم قالوا: يا فتى، إنّك –واللهِ- ما تستطيع أن تكتم ما وجدت، ولا تظن في نفسك أنه سيخفى حالك. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفَرِق حتى ما يُحِير إليهم جوابًا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه، فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سِكَك المدينة مُلَبَّبًا، حتى سمع به مَن فيها، فقيل: أُخذ رجل عنده كنز. واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه، ويقولون: واللهِ، ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط، وما نعرفه. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فَرِق، فسكت فلم يتكلم، ولو أنه قال: إنّه من أهل المدينة؛ لم يُصَدَّق، وكان مستيقنًا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه من أهل المدينة مِن عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرًا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدًا. فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعضُ أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه، فانطلقوا به إلى رأسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسم أحدهما: أريوس، واسم الآخر: أسطيوس، فلما انطُلق به إليهما ظن يمليخا أنه يُنطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينًا وشمالًا، وجعل الناس يسخرون منه كما يُسخر من المجنون والحيران، فجعل يمليخا يبكي، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهم إله السماوات والأرض، أوْلِج معي روحًا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار. وجعل يبكي، ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأني يُذهب بي إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون فيأتون، فنقوم جميعًا بين يدي دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونن معًا، لا نكفر بالله، ولا نشرك به شيئًا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله، فرق بيني وبينهم، فلن يروني ولن أراهم أبدًا، وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟ أقاتلي هو أم لا؟ ذلك الذي يحدث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم. فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يذهب به إلى دقينوس أفاق، وسكن عنه البكاء، فأخذ أريوس وأسطيوس الورِق، فنظرا إليها، وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت، يا فتى؟ هذا الورِق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدت كنزًا، ولكن هذه الورِق ورِق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن –واللهِ- ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكم. فقال له أحدهما: مِمَّن أنت؟ فقال له يمليخا: أما ما أرى فكنت أرى أنِّي من أهل هذه القرية. قالوا: فمَن أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرفه ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذّاب لا تُنبئنا بالحق. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض. فقال له بعض مَن حوله: هذا رجل مجنون. فقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمِّق نفسه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظن أنك إذ تَتَجانَنُ نرسلك ونصدقك بأنّ هذا مال أبيك، وضرب هذه الورِق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مائة سنة؟ وإنما أنت غلام شابٌّ تظن أنك تأفكنا، ونحن شُمْط كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها، إني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابًا شديدًا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجل: ليس على وجه الأرض رجل اسمه: دقينوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة. فقال له يمليخا: فواللهِ، إني إذًا لحيران، وما هو بمصدقي أحد من الناس بما أقول، واللهِ، لقد علمتُ، لقد فررنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي. فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم، لعل هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرِنا أصحابه، كما قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوس، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم. ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ظنوا أنه قد أُخذ فذهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجَلَبَة الخيل مُصْعِدَةً نحوهم، فظنوا أنهم رسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته. فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهري الكهف، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وسبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقص عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نيامًا بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ثم دخل على أثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نحاس مختومًا بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف، ثم دعا رجالًا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبًا فيهما كتاب، فقرأهما، فوجد فيهما: أن مكسلمينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وكشطونس، ويبورس، ويكرنوس، ويطبيونس، وقالوس، كانوا ثمانية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخبر بمكانهم أمر بالكهف فسُد عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم. فلما قرؤوه عجبوا، وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوجدوهم جلوسًا بين ظهريه، مشرقة وجوههم، لم تبل ثيابهم. فخرَّ أريوس وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضًا، وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه. ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس: أن عَجِّل؛ لعلك تنظر إلى آية من آيات الله، جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين، لتكون لهم نورًا وضياء، وتصديقًا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مائة سنة. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبر قام من المسندة التي كان عليها، ورجع إليه رأيه وعقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله عز وجل، فقال: أحمدك اللهَ رب السماوات والأرض، أعبدك، وأحمدك، وأسبح لك، تطولت عليَّ، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك. فلما نُبئ به أهل المدينة ركبوا إليه، وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهل المدينة، وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخروا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه، ويقول: واللهِ، ما أشبه بكم إلا الحواريون حين رأوا المسيح. وقال: فرج الله عنكم، كأنكم الذين تُدعون فتحشرون من القبور. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نودعك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك ملكك بالسلام، ونعيذك بالله من شر الجن والإنس، فآمِن بعيش من خلد وشيك، إنّ أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا كرامة إن أُكرم بها، ولا هوان إن أُهين به. فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم، فناموا، وتوفى الله أنفسهم بأمره. وقام الملك إليهم، فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوتًا من ذهب، فلما أمسوا ونام أتوه في المنام، فقالوا: إنا لم نُخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من تراب، وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوهم فيه، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم. وأمر الملك فجعل كهفهم مسجدًا يصلى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة. فهذا حديث أصحاب الكهف

سورة الأنفال — الآية ٧

عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عُقْبَة-، وموسى بن عُقْبَة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبَة-، قالا: مكث رسول الله - ﷺ - بعد قَتْل ابن الحضْرمي شَهْرين، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عِير لقريش من الشام، ومعه سبعون راكبًا من بطون قريش كلِّها، وفيهم مَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرُو بن العاصي، وكانوا تُجّارًا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عِيرُهم ألفَ بعير، ولم يكن لأحدٍ من قريش أُوقيَّةٌ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان، إلا حُوَيطِبَ بن عبد العُزّى، فلذلك كان تخلَّفَ عن بدر فلم يشهده، فذُكِروا لرسول الله - ﷺ - وأصحابه، وقد كانت الحربُ بينهم قبل ذلك، وقتْلُ ابن الحضْرمي، وأَسْرُ الرجلين؛ عثمان والحكم، فلما ذُكِرت عِيرُ أبي سفيان لرسول الله - ﷺ - بعَث رسول الله - ﷺ - عَدِيَّ بن أبي الزَّغْباءِ الأنصاري من بني غَنْمٍ -وأصلُه من جُهَينة- وبَسْبَسًا -يعني: ابن عمرو- إلى العِير عَيْنًا له، فسارا حتى أتَيا حيًّا من جُهَيْنة قريبًا من ساحل البحر، فسألُوهم عن العِير وعن تجار قريش، فأخبَرُوهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبراه، فاستنفَرَ المسلمين للعير، وذلك في رمضان. وقدم أبو سفيان على الجُهَنِيِّين وهو مُتَخَوِّفٌ من رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقال: أحِسُّوا من محمد. فأخبَروه خبر الراكبين؛ عدي بن أبي الزَّغْباءِ وبَسبَسٍ، وأشاروا له إلى مُناخِهِما، فقال أبو سفيان: خُذوا من بَعْرِ بعيرِهما. ففَتَّه فوجَد فيه النَّوى، فقال: هذه علائفُ أهل يثرب، وهذه عيون محمدٍ وأصحابه. فسارُوا سِراعًا خائفين للطلب، وبعَثَ أبو سفيان رجلًا من بني غِفار -يقال له: ضَمْضمُ بن عمرو- إلىقريش: أن انفِرُوا، فاحمُوا عِيرَكم من محمد وأصحابه؛ فإنه قد استَنْفَر أصحابَه ليَعرِضُوا لنا. وكانت عاتكة بنتُ عبد المطلب ساكنةً بمكة، وهي عمة رسول الله - ﷺ -، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبل بدر، وقبل قدوم ضَمْضَمٍ عليهم، ففزِعتْ منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها، فجاءها العباس، فقالت: رأيتُ الليلة رُؤْيا قد أشفَقتُ منها، وخشِيتُ على قومِك منها الهَلَكة. قال: وماذا رأيتِ؟ قالت: لن أُحدِّثَك حتى تعاهِدَني أنك لا تذكُرُها؛ فإنهم إن سمِعوها آذَوْنا، وأسمعُونا ما لا نحبُّ. فعاهَدَها العباس، فقالت: رأيتُ راكبًا أقبَل من أعلى مكة على راحلته، يصيح بأعلى صوته: يا لَغُدُرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فأقبَل يصيحُ حتى دخل المسجد على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزِعَ له الناس أشدَّ الفزع، قالت: ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر الكعبة على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، فقال: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر أبي قُبَيْسٍ كذلك يقول: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ. حتى أسمَعَ مَن بينَ الأخْشَبَيْن من أهل مكة، ثم عمَدَ إلى صخرة فنزعها مِن أصلها، ثم أرْسَلَها على أهل مكة، فأقبلت الصخرة لها حسٌّ شديد، حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفَضَّت، فلا أعلمُ بمكة دارًا ولا بيتًا إلا وقد دخَلَتها فِلْقةٌ من تلك الصخرة، فقد خشيتُ على قومك. ففزِعَ العباس من رؤياها، ثم خرج من عندها فلَقِيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة، وكان الوليد خليلًا للعباس، فقصَّ عليه رؤيا عاتكة، وأمره ألا يذكُرها لأحد، فذكَرَها الوليد لأبيه عتبة، وذكَرَها عتبة لأخيه شيبة، فارتفَعَ الحديث حتى بلَغَ أبا جهل بن هشام، واستفاض في أهل مكة. فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت، فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابنيْ ربيعة، وأميةَ وأُبَيًّا ابنيْ خَلَف، وزَمْعَةَ بن الأسود، وأبا البَخْتريّ في نفرٍ من قريش يتحدَّثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل، إذا قضيتَ طوافَك فهلُمَّ إلينا. فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم، فقال له أبو جهل: مارؤيا رأَتْها عاتكة؟ فقال: ما رأَتْ من شيء. فقال أبو جهل: أما رضِيتُم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتُمونا بكذب النساء؟ إنّا وإياكم كفَرَسَيْ رِهانٍ، فاسْتَبَقْنا المجدَ منذُ حين، فلما تحاكَّتِ الرُّكَبُ قلتُم: منّا نبيٌّ. فما بقِيَ إلا أن تقولوا: مِنّا نَبِيَّةٌ. فما أعلمُ في قريش أهل بيتٍ أكذبَ امرأة ولا رجلًا منكم. وآذاهُ أشدَّ الأذى، وقال أبو جهل: زعمتْ عاتكة أن الراكب قال: اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضتْ هذه الثلاثُ تبيَّنتْ قريشٌ كذِبَكم، وكتَبْنا سِجِلًّا أنكم أكذَبُ أهل بيت في العرب رجلًا وامرأة، أما رضيتمُ يا بني قُصَيٍّ إن ذهَبتم بالحِجابة، والنَّدوة، والسِّقاية، واللواء، والرِّفادة، حتى جئتُمونا بنبيٍّ منكم؟! فقال العباس: هل أنتَ مُنتهٍ؟ فإنّ الكذبَ منك وفي أهل بيتك. فقال مَن حضَرَهما: ما كنتَ يا أبا الفضل جهولًا ولا خَرِقًا. ولقِيَ العباس من عاتكة فيما أفْشى عليها من رؤياها أذىً شديدًا. فلما كان مساءُ الليلة الثالثة من الليلة التي رأتْ عاتكة فيها الرؤيا، جاءَهم الراكب الذي بعَثَ أبو سفيان، وهو ضَمْضَمُ بن عمرو الغِفاري، فصاح وقال: يا آل غالب بن فِهْرٍ، انفِرُوا، فقد خرَجَ محمد وأهل يثرب يعترِضُون لأبي سفيان، فأحرِزُوا عِيرَكم. ففَزِعتْ قريشٌ أشدَّ الفزع، وأشفقُوا مِن رؤيا عاتكة. وقال العباس: هذا زعمتم كذا، وكذَّبَ عاتكة. فنفرُوا على كلِّ صَعْبٍ وذَلول، وقال أبو جهل: أيظُنُّ محمدٌ أن يصيبَ مثلَ ما أصابَ بِنَخْلَةَ؟! سيعلمُ أنمنعُ عيرَنا أم لا. فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقُوا مائة فرس، ولم يَتْرُكوا كارهًا للخروج يظنُّون أنه في صَغْوِ محمدٍ وأصحابه، ولا مسلمًا يعلمُون إسلامَه، ولا أحدًا من بني هاشم -إلا مَن لا يتَّهمون- إلا أشْخَصُوه معهم، فكان مِمَّن أشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيلُ بن أبي طالب في آخرين. فهنالك يقول طالب بن أبي طالب: لاهُمَّ إمّا يخرُجَنَّ طالبْ بمِقْنَبٍ من هذه المقانِبْ في نفَرٍ مُقاتلٍ يُحاربْوليكن المسلوبَ غيرَ السّالبْ والرّاجعَ المغْلوبَ غيرَ الغالبْ فسارُوا حتى نزَلُوا الجُحْفَة، نزلُوها عِشاءً يتزوَّدُون من الماء، وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مَناف، يقال له: جُهَيْمُ بن الصَّلت بن مَخْرَمة. فوَضَعَ جُهَيْمٌ رأسَه فأغْفى، ثم فزِع، فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقَفَ عَلَيَّ آنِفًا؟ فقالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقَفَ عَلَيَّ فارسٌ آنِفًا، فقال: قُتِل أبو جهل، وعُتبة، وشيبة، وزَمْعَة، وأبو البَخْتَرِيّ، وأُميَّةُ بن خلف. فعدَّ أشرافًا مِن كفار قريش، فقال له أصحابه: إنما لعِب بك الشيطان. ورُفِع حديثُ جُهَيمٍ إلى أبي جهل، فقال: قد جئتُم بكذِب بني المطلب مع كذب بني هاشم، سَتَرَوْنَ غدًا مَن يُقتَلُ. ثم ذُكرَ لرسول الله - ﷺ - عِيرُ قريش، جاءتْ من الشام وفيها أبو سفيان بن حرب، ومَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرو بن العاصي، وجماعةٌ مِن قريش، فخرَج إليهم رسول الله - ﷺ -، فسلَك حينَ خرج إلى بدر على نَقْبِ بني دينار، ورجَعَ حين رجَعَ من ثَنِيَّة الوَداع، فنَفَر رسول الله - ﷺ - حين نَفَرَ ومعه ثلاثُمائةٍ وستةَ عشرَ رجلًا -وفي رواية ابن فُلَيْح: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا-، وأَبْطَأَ عنه كثير من أصحابه، وتَرَبَّصُوا، وكانت أولَ وقْعةٍ أعزَّ الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان على رأس ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مَقْدَمِه المدينة، ومعه المسلمون لا يُريدون إلا العِير، فسَلَك على نَقْبِ بني دينار، والمسلمون غيرُ مُقْوِين من الظَّهْر، إنما خرَجُوا على النَّواضِح، يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحد، وكان زَميلُ رسول الله - ﷺ - عَلِيَّ بن أبي طالب، ومَرْثَدَ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوي حليفَ حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعيرٌ واحد، فسارُوا، حتى إذا كانوا بعِرْقِ الظُّبْيَة لَقِيَهم راكبٌ من قِبَلِ تِهامة، والمسلمون يسيرُون، فوافَقَه نفرٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسألُوه عن أبي سفيان، فقال: لا عِلمَ لي به. فلما يَئِسُوا مِن خبره قالوا له: سلِّم على النبي - ﷺ -. فقال: وفيكم رسول الله؟! قالوا: نعم. قال: أيُّكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنتَ رسول الله كما تقول؟ قال: «نعم». قال: إن كنتَ رسول الله كما تزعُمُ فحدِّثنيبما في بطن ناقتي هذه؟ فغضب رجل من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له: سلمةُ بن سلامةَ بن وقْشٍ. فقال للأعرابي: وقَعْتَ على ناقتِك فحمَلتْ منك. فكَرِه رسول الله - ﷺ - ما قال سلمةُ حينَ سمِعَه أفْحَشَ، فأَعْرَضَ عنه، ثم سار رسول الله - ﷺ - لا يلقاه خبرٌ، ولا يعلمُ بنَفْرة قريش، فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيرُوا علينا في أمرنا ومسيرنا». فقال أبو بكر: يا رسول الله، أنا أعلمُ الناس بمسافة الأرض، أخْبَرنا عدي بن أبي الزَّغْباءِ أن العِيرَ كانت بوادِي كذا وكذا، فكأَنّا وإيّاهم فرسا رهانٍ إلى بدر. ثم قال: «أشيروا عَلَيَّ». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إنها قريشٌ وعِزُّها، واللهِ ما ذلَّت منذُ عزَّت، ولا آمنتْ منذ كفرت، والله لتُقاتِلَنَّك، فتأهَّبْ لذلك أُهْبَتَه، وأعِددْ له عُدَّتَه. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فقال المِقْداد بن عمرو: إنا لا نقولُ لك كما قال أصحاب موسى: اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنّا معكم مُتَّبِعون. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فلما رأى سعد بن معاذ كثرةَ استشارة النبي - ﷺ - أصحابَه، فيُشيرون، فيَرجِعُ إلى المشورة، ظنَّ سعدٌ أنه يستنطِقُ الأنصار شَفَقًا ألّا يَسْتَحْوِذُوا معه على ما يريدُ من أمره، فقال سعد بن معاذ: لعلك يا رسول الله تخشى ألا تكون الأنصار يريدون مواساتَك، ولا يرَوْنها حقًّا عليهم إلا بأن يرَوْا عدوًّا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم يا رسول الله، فاظْعَنْ حيث شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، ثم أعْطِنا ما شئتَ، وما أخَذتَه منّا أحبُّ إلينا مما ترَكتَ، وما ائتمَرْتَ من أمر فأَمْرُنا بأمرِك فيه تَبَعٌ، فوالله لو سِرْتَ حتى تبلغَ البَرْكَ من غِمْدِ ذي يَمَنٍ لَسِرْنا معك. فلما قال ذلك سعد قال رسول الله - ﷺ -: «سيروا على اسم الله، فإني قد رأيتُ مَصارِعَ القوم». فعَمَد لبدرٍ. وخفَض أبو سفيان فلَصِقَ بساحل البحر، وكتب إلى قريش حين خالف مسيرَ رسول الله - ﷺ -، ورأى أنه قد أحرَز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا؛ فإنما خرَجتُم لتُحرِزوا رَكْبَكم فقد أُحرِزَ لكم. فلَقِيَهم هذا الخبر بالجُحْفَة، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نَقدَمَ بدرًا، فنُقيم بها، ونُطعِم مَن حَضَرَنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ فيُقاتلَنا. فكَرِه ذلك الأَخْنَسُ بن شَرِيقٍ، فأحبَّ أن يرجِعوا، وأشار عليهم بالرجعة، فأبَوْا وعَصَوْا، وأخَذَتهم حَمِيَّةُ الجاهلية، فلما يئِسَ الأخنسُ من رجوع قريش أكَبَّ على بني زُهْرةَ، فأطاعوه فرجَعوا، فلم يشهَد أحد منهم بدرًا، واغْتَبَطُوا برأي الأخنس، وتَبَرَّكوا به، فلم يزَلْ فيهم مُطاعًا حتى مات، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوعَفيمن رجَع، فاشتَدَّ عليهم أبو جهل، وقال: والله لا تُفارِقُنا هذه العصابة حتى نرجع. وسار رسول الله - ﷺ - حتى نزل أدنى شيء من بدر، ثم بعث عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وبَسْبَسًا الأنصاري، في عصابةٍ من أصحابه، فقال لهم: «اندفِعوا إلى هذه الظِّرابَ». وهي في ناحية بدر، «فإني أرجو أن تجدُوا الخبرَ عندَ القَلِيبِ الذي يلى الظِّرابَ». فانطَلَقوا متوشِّحِي السيوف، فوجدوا وارِدَ قريشٍ عند القَلِيبِ الذي ذكَر رسول الله - ﷺ -، فأخَذوا غلامين؛ أحدُهما لبني الحجاج بن أسود، والآخرُ لأبي العاصي يقال له: أسلَم، وأفلَت أصحابُهما قِبَلَ قريش، فأقبَلوا بهما حتى أتَوا بهما رسول الله - ﷺ - وهو في مُعَرَّسِهِ دونَ الماء، فجعَلوا يسأَلون العَبدَينِ عن أبي سفيان وأصحابه، لا يرَوْن إلا أنهما لهم، فطَفِقا يُحدِّثانِهم عن قريش ومَن خرج منهم وعن رءُوسهم فيكذِّبونهما، وهم أكرَهُ شيء للذي يُخبرانِهم، وكانوا يطمَعون بأبي سفيان وأصحابِه ويكرَهون قريشًا، وكان رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلِّي، يسمعُ ويرى الذي يصنعون بالعبدَيْن، فجعل العبدان إذا أذلَقُوهما بالضرب يقولان: نعم، هذا أبو سفيان. والرَّكبُ كما قال الله تعالى: ﴿أسفل منكم﴾. قال الله: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ [الأنفال: ٤٢]. قال: فطفِقوا إذا قال العبدان: هذه قريشٌ قد جاءَتْكم. كذَّبوهما، وإذا قالا: هذا أبو سفيان. ترَكوهما، فلما رأى رسول الله - ﷺ - صَنِيعَهم بهما سلَّم من صلاته، وقال: «ماذا أخبَراكم؟». قالوا: أخبرانا أن قريشًا قد جاءت. قال: «فإنهما قد صدَقا، والله إنكم لتضرِبونهما إذا صدَقا، وتترُكونهما إذا كذَبا، خرَجت قريش لتُحرِزَ رَكْبَها، وخافوكم عليهم». ثم دعا رسول الله - ﷺ - العبدَين، فسأَلهما، فأخبَراه بقريش، وقالا: لا عِلْمَ لنا بأبي سفيان. فسألهما رسول الله - ﷺ -: «كم القوم؟». قالا: لا ندري، والله هم كثير. فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أطعَمَهم أمس؟». فَسَمَّيا رجلًا من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: عشْرَ جزائرَ. قال: «فمن أطعمهم أولَ أمس؟». فسمَّيا رجلًا آخرَ من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: تسعًا. فزعَموا أن رسول الله - ﷺ - قال:«القومُ ما بينَ التسعِمائة والألف». يعتبرُ ذلك بتسع جزائرَ ينحَرونها يومًا، وعشرٍ ينحَرونها يومًا، فقام رسول الله - ﷺ - فقال: «أشيروا عليَّ في المنزل». فقام الحُبابُ بن المنذر، أحد بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها، إن رأيتَ أن تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرَفتُها كثيرةَ الماء عذبة، فتنزِلَ إليها، وتَسْبِقَ القومَ إليها، وتُغَوِّرَ ما سِواها. فقال رسول الله - ﷺ -: «سِيروا، فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم». فوقع في قلوب ناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله - ﷺ - والمسلمون مُسابِقين إلى الماء، وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا؛ فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً خفيفة، لَبَّد لهم المسيرَ والمَنزلَ، وكانت بَطْحاءُ، فسبَق المسلمون إلى الماء، فنزَلوا عليه شَطرَ الليل، فاقْتَحَم القوم في القليبِ فماحُوها حتى كثُر ماؤُها، وصنَعوا حوضًا عظيمًا، ثم غَوَّروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله - ﷺ -: «هذه مَصارِعُهم -إن شاء الله- بالغداة». وأنزَل الله: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ويُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدامَ». ثم صفَّ رسول الله - ﷺ - على الحِياضِ، فلما طلَع المشركون قال رسول الله - ﷺ -: «اللهمّ هذه قريش قد جاءت بِخُيَلائِها وفخرِها، تُحادُّك وتكذِّبُ رسولك، اللهمَّ إني أسألك ما وعَدتَني». ورسول الله - ﷺ - ممسكٌ بعَضُدِ أبي بكر، يقول: «اللهم إني أسألك ما وعَدتَني». فقال أبو بكر: أبشِرْ، فوالذي نفسي بيده، ليُنجِزَنَّ اللهُ لك ما وعَدَك. فاستنصَرَ المسلمون الله واستغاثوه، فاستجاب الله لنبيِّه وللمسلمين. وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ يحدِّثُهم أن بني كِنانَةَ وراءهم قد أقبلوا لنصرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، لما أخبَرهم من مَسِير بني كِنانَةَ، وأنزل الله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾. هذه الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وقال رجال من المشركين لَمّا رأوا قِلَّةَ مَن مع محمد - ﷺ -: غَرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٤٩]. وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال، والشيطان معهم لا يُفارقُهم، فسعى حكيمُ بن حِزام إلى عُتْبَةَ بن رَبِيعَة، فقال له: هل لك أن تكون سيدَ قريش ما عِشْتَ؟ قال عتبة: فأفعلُ ماذا؟ قال: تُجِيرُ بينَ الناس، وتَحْمِلُ دمَ ابن الحضرمي وبما أصاب محمدٌ من تلك العير، فإنهم لا يطلُبون من محمدٍ غيرَ هذه العير ودم هذا الرجل. قال عتبة: نعم، قد فعَلتُ، ونِعِمّا قلتَ ونِعمّا دَعَوتَ إليه، فاسعَ في عشيرتِك فأنا أتحمَّلُ بها. فسعى حكيمٌ في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركِبَ عُتْبَة جملًا له، فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قومِ، أطيعوني، فإنكم لا تطلُبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عِيرِكم تلك، وأنا أتحمَّلُ بوفاءِ ذلك، ودَعُوا هذا الرجل؛ فإن كان كاذبًا ولِيَ قتلَه غيرُكم من العرب، فإنّ فيهم رجالًا لكم فيهم قرابةٌ قَرِيبَةٌ، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه، أو ابنه، أو ابن أخيه، أو ابن عمِّه، فيُوَرِّثُ ذلك فيهم إحَنًا وضَغائِن، وإن كان هذا الرجلُ مَلِكًا كنتم في مُلْكِ أخيكم، وإن كان نَبِيًّا لِمَ تَقتُلوا النبي فتُسَبُّوا به؟! ولن تَخْلُصُوا إليهم حتى يُصِيبوا أعدادَهم، ولا آمَنُ أن تكونَ لهم الدَّبْرَةُ عليكم. فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله إلا أن يُنفِذَ أمره، وعَمَد أبو جهل إلى ابن الحَضْرَمِيّ، وهو أخو المقتول، فقال: هذا عتبةُ يُخَذِّلُ بين الناس، وقد تحمَّلَ بدِيَةِ أخيك يزعمُ أنك قابلُها، أفلا تَسْتَحْيُون من ذلك أن تَقْبَلوا الدِّيَة؟! فزعَموا أن النبي - ﷺ - قال وهو ينظر إلى عتبة: «إن يكن عند أحد من القوم خيرٌ فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يَرشُدوا». فلما حَرَّض أبو جهلقريشًا على القتال أمَر النساء يُعْوِلْنَ عَمْرًا، فقُمْن يَصِحْنَ: واعَمْراه، واعَمْراه. تحريضًا على القتال، فاجتمَعت قريشٌ على القتال، فقال عتبة لأبي جهل: ستَعلمُ اليوم أيّ الأمرين أرشد. وأخَذَت قريش مَصافَّ هذا القتال، وقالوا لعُمَير بن وهب: اركَبْ فاحْزُرْ لنا محمدًا وأصحابَه. فقعَد عُميرٌ على فرسِه، فأطاف برسول الله - ﷺ - وأصحابه، ثم رجع إلى المشركين، فقال: حَزَرْتُهم بثلاثمائة مقاتل، زادوا شيئًا أو نقَصوا شيئًا، وحزَرتُ سبعين بعيرًا أو نحوَ ذلك، لكن أنظِروني حتى أنظرَ هل لهم مَدَد أو كَمِين؟ فأطاف حولَهم، وبعَثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم، ثم رجعوا فقالوا: لا مَدَدَ لهم ولا كَمِينَ، وإنما هم أكَلَةُ جَزُورٍ. وقالوا لعمير: حَرِّشْ بينَ القوم. فحمَل عُمَيرٌ على الصفِّ بمائةِ فارس، واضطجَع رسول الله - ﷺ -، وقال لأصحابه: «لا تُقاتِلوا حتى أُوذِنَكم». وغَشِيَه نومٌ فغلبه، فلما نظر بعضُ القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله، قد دنا القومُ ونالوا مِنّا. فاستيقظ رسول الله - ﷺ -، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلًا، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين، حتى طَمِع بعضُ القوم في بعض، ولو أراه عددًا كثيرًا لفشِلوا وتنازَعوا في الأمر كما قال الله. وقام رسول الله - ﷺ - في الناس فوعَظهم، وأخبَرهم أن الله قد أوجَب الجنة لمن استُشهِد اليوم، فقام عُمَيْرُ بن الحُمامِ عن عجينٍ كان يعجنُه لأصحابه حين سمع قول النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن لي الجنة إن قُتِلتُ؟ قال: «نعم». فشَدَّ على أعداء الله مكانَه فاستُشهِد، وكان أولَ قتيلٍ قُتِل. ثم أقبَل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلفُ بآلهته لَيَشْرَبَنَّ من الحوض الذي صنَع محمدٌ، ولَيَهْدِمَنَّه، فلما دنا من الحوض لَقِيَه حمزة بن عبد المطلب، فضَرَب رِجْلَه، فقطَعها، فأقبَل يحبو حتى وقَع في جَوْف الحوض، وأَتْبَعه حمزة حتى قتله، ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله، ونادى: هل من مُبارِز؟ ولَحِقَه أخوه شيبة والوليد ابنُه، فنادَيا يسألان المُبارزة، فقام إليهم ثلاثةٌ من الأنصار، فاسْتَحْيا النبي - ﷺ - من ذلك، فناداهم: أن ارجِعوا إلى مَصافِّكم، ولْيَقُمْ إليهم بنو عمِّهم. فقام حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعُبيدةُ بن الحارث بن المطلب؛ فقتَل حمزةُ عتبة، وقتَل عبيدةُ شيبة، وقتَل عليٌّ الوليد، وضرَب شيبةُ رِجْلَ عبيدة فقطَعها، فاستَنْقَذه حمزة وعلي، فحُمِل حتى تُوفِّيَ بالصَّفْراء، وعندَ ذلك نذَرت هند بنتُ عتبة لَتَأْكُلَنَّ من كَبِدِ حمزة إن قَدرت عليها، فكان قَتْلُهؤلاء النفر قبل التقاءِ الجَمْعَين، وعَجَّ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأَوُا القتال قد نَشِبَ، ورفع رسول الله - ﷺ - يَدَيْه إلى الله يسأله ما وعَدَه، ويسأله النصر، ويقول: «اللهمَّ إن ظُهِر على هذه العصابة ظَهَر الشِّرْكُ، ولم يقُمْ لك دينٌ». وأبو بكر يقول: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لَيَنصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزل الله من الملائكة جُندًا في أكْنافِ العدو، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة، أبشِرْ يا أبا بكر، فإني قد رأيتُ جبريل مُعْتَجِرًا يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبَط إلى الأرض جلس عليها، فتَغيَّب عني ساعة، ثم رأيتُ على شَفَتِه غُبارًا». وقال أبو جهل: اللهمَّ انصُرْ خيرَ الدِّينَيْن، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث. ونكَص الشيطان على عَقِبَيه حين رأى الملائكة، وتَبَرَّأ من نُصرة أصحابه، وأخذ رسول الله - ﷺ - مِلءَ كفِّه من الحَصْباءِ، فرمى بها وجوهَ المشركين، فجعل الله تلك الحَصْباءَ عظيمًا شأنُها، لم تترُكْ من المشركين رجلًا إلا ملأَت عينيه، والملائكة يقتُلونهم ويأسِرونهم، ويجِدون النفرَ كلَّ رجلٍ منهم مُنكَبًّا على وجهه لا يدري أين يتوجَّهُ، يُعالِجُ التراب ينزِعُه من عينيه. ورجَعت قريش إلى مكة مُنهَزِمين مَغلوبين، وأذلَّ الله بوقعة بدر رقابَ المشركين والمنافقين، فلم يبقَ بالمدينة منافقٌ ولا يهوديٌّ إلا وهو خاضعٌ عنقُه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرَّق الله بين الشرك والإيمان، وقالت اليهود تيقُّنًا: إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفعُ رايةً بعد اليوم إلا ظهرت. ورجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، فدخل من ثَنِيَّةِ الوداع، ونزَل القرآن يُعَرِّفُهم الله نعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله - ﷺ - إلى بدر، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ هذه الآية وثلاثَ آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ الآية وأخرى معها، وأنزَل فيما غشِيَهم من النُّعاس: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» الآية، ثم أخبَرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرِهم، فقال: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ الآية والتي بعدها، وأنزَل في قتلِ المشركين والقبضةِ التي رمى بها رسول الله - ﷺ -: ﴿فلم تقتلوهم ولكنالله قتلهم﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ١٧، ١٨]، وأنزل في استفتاحِهم: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ [الأنفال: ١٩]، ثم أنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ في سبعِ آيات منها [الأنفال: ٢٠ - ٢٦]، وأنزل في منازلهم: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٢، ٤٣]، وأنزل فيما يَعِظُهم به: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ الآية وثلاث آيات معها [الأنفال: ٤٥ - ٤٨]، وأنزل فيما تكلَّم به مَن رأى قِلَّة المسلمين: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ الآية [الأنفال: ٤٩]، وأنزل في قتلى المشركين ومَن اتَّبَعَهم: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ الآية وثمانَ آياتٍ معها [الأنفال: ٥٠ - ٥٨]