اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ على قولين: أحدهما: غَيِّر أموالهم عن هيئتها، وبَدِّلها إلى غير الحال التي هي بها. والثاني: أهلكها ودمّرها. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢/٢٦٣) إلى القول الأول -وهو قول محمد بن كعب القرظي، وأبي العالية، والربيع، وقتادة، وسفيان، وأبي صالح، والضحاك بن مزاحم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم- مستندًا إلى اللغةِ، وأقوال السلف، والنظائر؛ وذلك نحو قوله: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ [النساء:٤٧]، يعني به: من قبل أن نُغَيّرها عن هيئتها التي هي بها
علَّق ابنُ كثير (٩/٢٤٨-٢٤٩) على هذا الحديث بقوله: «هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث الأعمش، به. ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، مثله. وفي سنن ابن ماجه وغيره، من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه، وهو في الصحيحين عن ابن عمر. ورواه ابن جريج قال: قال ابن عباس: فذكر من قِبَلِهِ نحوه»
ذكر ابنُ عطية (٧/٦٥٨-٦٥٩) في قوله: ﴿وصدوا﴾ احتمالين، فقال: «وقوله تعالى: ﴿وصدوا﴾ يحتمل أن يكون المعنى: وصدُّوا غيرهم. ويحتمل أن يكون غير متعدٍّ، بمعنى: وصدُّوهم في أنفسهم». وذكر أيضًا احتمالين في قوله: ﴿وسيحبط أعمالهم﴾، فقال: «وقوله: ﴿وسيحبط أعمالهم﴾ إمّا على قول مَن يرى أنّ أعمالهم الصالحة من صِلة رحم ونحوه تكتب فيجيء هذا الإحباط فيها متمكّنًا، وإمّا على قول من لا يرى ذلك، فمعنى: ﴿وسيحبط أعمالهم﴾ أنها عبارة عن إعدامه أعمالهم وإفسادها، وأنها لا توجد شيئًا منتفعًا به، فذلك إحباط على تشبيه واستعارة»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣٥٦) في قوله: ﴿بالغيب﴾ احتمالين، ووجّههما، فقال: «﴿بِالغَيْبِ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: بالغَيْبِ الذي أُخبروا به من الحَشْر والصراط والميزان والجنة والنار، فآمَنوا بذلك، وخَشوا ربهم فيه، ونحا إلى هذا قتادة. والمعنى الثاني: أنهم يَخشَون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، أي: في خلواتهم، ومنه تقول العرب: فلان سالم الغيب، أي: لا يضر، فالمعنى: يعملون بحسب الخشية في صلاتهم وعباداتهم، وانفرادهم، فالاحتمال الأول: مدحٌ بالإخلاص والإيمان، والثاني: مدحٌ بالأعمال الصالحة في الخلوات، وذلك أحرى أن يعملوها علانية»
اختُلِف في الذبيح المفْدِيِّ من ولد إبراهيم، المُبَشَّر به في قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ على قولين: الأول: أنه إسحاق عليه السلام. والثاني: أنه إسماعيل عليه السلام. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/٥٩٨-٥٩٩) القولَ الأولَ استنادًا إلى دلالة القرآن، ونظائره، والدلالة العقلية، فقال: «هو إسحاق؛ لأن الله قال: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ فإذ كان المفدي بالذبح من ابنيه هو المبشر به، وكان الله -تبارك اسمه- قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال -جل ثناؤه-: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾، وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيِّنًا أن تبشيره إياه بقوله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن». ورجَّحَ ابنُ عطية (٤/٦١١، ٧/٣٠١)، وكذا ابنُ تيمية (٥/٣٥٢-٣٥٣)، ومثلهما ابنُ كثير (٧/٤٥٣، ١٢/٣٧-٣٨) القولَ الثانيَ استنادًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية، وانتَقَدَ الأخيران القول الأول بكلام طويل، ملخصه ما يلي:١- أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولًا، فلما استوفى ذلك قال: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين*وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾ فبين أنهما بشارتان: بشارة بالذبيح، وبشارة ثانية بإسحاق، وهذا بيِّنٌ. ٢- أنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع، وفي سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة، ولم يذكر أنّه الذبيح، ثم لَمّا ذكر البشارتين جميعًا: البشارة بالذبيح، والبشارة بإسحاق بعده كان هذا مِن الأدلة على أنّ إسحاق ليس هو الذبيح. ٣- أنه ذكر في الذبيح أنه غلام حليم، ولما ذكر البشارة بإسحاق ذكر البشارة بغلام عليم في غير هذا الموضع، والحلم مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح: ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾، وإسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ [الأنبياء:٨٥]. ٤- أنّ البشارة بإسحاق كانت مشتركة بين إبراهيم وامرأته، أما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه السلام، وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة به، وهذ يوافق الأخبار الواردة في الصحيح وغيره أن سارة غارت لما ولدت هاجر إسماعيل، فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة، وهناك أُمِر بالذبح. ٥- أن قرن الكبش كان معلقًا بالكعبة، ولم ينقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة. ٦- أن الله تعالى قال: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ [هود:٧١]، والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب، ولا خلاف بين الناس أنّ قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب. ورَدَّ ابنُ جرير (١٩/٥٩٩-٦٠٠) عللًا مِمّا احتج بها مَن يقول: إن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، فقال: «أما الذي اعتل به من اعتل في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابنُ ابنٍ، فلم يكن جائزًا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم. فإنّ الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير منكر أن يكون قد ولد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟! وأما اعتلال مَن اعتل بأن الله أتبع قصة المفديِّ من ولد إبراهيم بقوله: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا﴾ ولو كان المفديّ هو إسحاق لم يبشر به بعد، وقد ولد وبلغ معه السعي. فإنّ البشارة بنبوة إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة مِن الله له على صبره لأمرِ ربه فيما امتحنه به مِن الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمَّن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتل بأن قرن الكبش كان معلقًا في الكعبة. فغير مستحيل أن يكون حُمِل مِن الشام إلى مكة، وقد روي عن جماعة من أهل العلم أنّ إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه». وتعقَّب ابنُ كثير (١٢/٥١-٥٢ بتصرف) ذلك، فقال: «إنما عوَّل ابنُ جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جدًّا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى»
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي صالح- قال: أقبلتْ سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم بن عبد منافٍ من مكة إلى المدينة المنورة، ورسول الله ﷺ يَتجهّز لفتْح مكة، فلمّا رآها رسول الله ﷺ قال: «ما لكِ، يا سارة؟ أُمسلمةٌ جئتِ؟» قالت: لا. قال: «أفمُهاجِرةٌ جئتِ؟» قالت: لا. قال: «فما حاجتكِ؟». قالت: كنتم الأصل والموالي والعشيرة، وقد ذهب موالِيَّ، وقد احتجتُ حاجة شديدةً، فَقدمتُ عليكم لتكسُوني، وتُنفقوا علَيّ، وتَحملوني. فقال النبي ﷺ: «فأين أنتِ من شباب أهل مكة» -وكانت امرأة مُغنّية نائحة-، فقالت: يا محمد، ما طلب أحدٌ منهم شيئًا منذ كانت وقعة بدر. قال: فحثّ عليها رسول الله ﷺ بني عبد المُطّلب وبني هاشم، فكَسَوها، وأَعطَوها نفقة، وحملوها، فلما أرادت الخروج إلى مكة أتاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة -رجل من أهل اليمن، حَليف للزّبير بن العوام-، فجعل لها جُعلًا على أن تُبلغ كتابه. إلى آخر الحديث[[أخرجه الهذيل بن حبيب -كما في مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٩-٣٠٠-، من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.]][[c=٦٥٦٤]]
عن عبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: أنّ الذين كانوا يكتبون التوراة إذا جاؤوا إليهم بإنسان يُحرّرونه اقْتَرَعوا عليه أيُّهم يأخذه فيُعَلِّمه، وكان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان بينهم، وكانت أخت مريم تحته، فلما أتوا بها قال لهم زكريا: أنّا أحَقُّكم بها؛ تحتي أختُها. فأبَوْا، فخرجوا إلى نهر الأردن، فأَلْقَوْا أقلامهم التي يكتبون بها أيُّهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرَتِ الأقلام، وقام قلمُ زكريا على قَرْنَيْهِ كأنه في طِينٍ؛ فأخذ الجارية
عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح-: أنّ الحارث بن سويد بن الصامت رجع عن الإسلام في عشرة رهط، فأَلحقوا بمكة، فندم الحارث بن سويد فرجع، حتى إذا كان قريبًا من المدينة أرسل إلى أخيه الجُلاس بن سويد: إنِّي ندمت على ما صنعت، فاسأل رسول الله: هل لي مِن توبة؟. فأتى الجُلاسُ النبيَّ فأخبره، فأنزل الله: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾. فأرسل الجُلاس إلى أخيه: إنّ الله قد عرَض عليك التوبة، فأقبل إلى المدينة، واعتذر إلى رسول الله. وتاب إلى الله، وقَبِل النبي منه
عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: لَمّا مرَّ رسول الله ﷺ بالحِجْر قال: «لا تسألوا الآيات، وقد سألها قومُ صالح، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفَجِّ، وتَصدر مِن هذا الفَجِّ، فعَتَوْا عن أمر ربهم، فعقروها، فكانت تشرب ماءَهم يومًا، ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحةٌ أهمد الله عز وجل مَن تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَم الله عز وجل». قيل: مَن هو، يا رسول الله؟ قال: «هو أبو رِغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء:١٢٣] نزلت في المؤمنين واليهود والنصارى... ، وأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿هذان خصمان﴾ يعني: كفار أهل الكتاب ﴿اختصموا﴾ يعني: ثلاثتهم: المسلمين واليهود والنصارى ﴿في ربهم﴾ أنهم أولياء الله، ثم أخبر بمستقر الكافر، فقال: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ يعني: جُعِلت لهم ثياب من نار، إلى آخر الآية، ثم أخبر سبحانه بمستقر المؤمنين، فقال: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إلى آخر الآية