قال مقاتل بن سليمان:... لَمّا كتبوا الكتاب يوم الحُدَيبية، وكان كَتَبَه عليُّ بن أبي طالب، فقال سُهيل بن عمرو وحُوَيْطِب بن عبد العُزّى: لا نعرف أنّك رسول الله، ولو عرفنا ذلك لقد ظلمناك إذًا حين نمنعك عن دخول بيته. فلمّا أنكروا أنّه رسول الله أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ إلى آخر السورة
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- قال: قالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقالت الصابئون: نحن نعبد الملائكة من دون الله. وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر من دون الله. وقال أهل الأوثان: نحن نعبد الأوثان من دون الله. فأوحى الله عز وجل إلى نبيِّه ليكذب قولهم: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾ السورة كلها
قال ابنُ عطية (٤/١٢٦): «هي مدنية كلها، كذا قال أكثر الناس. وقال مقاتل: هي مدنية غير آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية كلها. وهذه الآية نزلت في قصة وقعت بمكة، ويمكن أن تنزل الآية في ذلك بالمدينة، ولا خلاف في هذه السورة أنها نزلت في يوم بدر وأمر غنائمه». وقال ابنُ تيمية (٣/٢٤٧): «نزلت عقيب بدر بالاتفاق». كما نصَّ ابنُ كثير (٧/٥) على مدنيتها
ذكر ابنُ عطية (٥/١٦٨) قول سعيد بن جبير، وقتادة، ونقل عن قتادة قولًا حكاه عنه المهدوي: أنّ السورة مكية إلا قوله تعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ [٣١]، وقوله: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [٤٣]، ثم علَّق بقوله: «والظاهر عندي أنّ المدني فيها كثير، وكل ما نزل في شأن عامر بن الطفيل وإربد بن ربيعة فهو مدني»
قال ابنُ عطية (٧/١٢٨): «قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه مِن أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلًا كبيرًا، وقد بَيَّنَ الله تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير﴾ [الشورى:٢٢]، فالآية التي في هذه السورة خبر، والتي في (حم عسق) تفسير لها»
ذكر ابنُ عطية (٨/١٢٠) أن قوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ «اعتراضٌ بين الكلامَيْن»، ونقل عن بعض النحويين: أن «اللام متعلقة بما في المعنى من التقدير؛ لأن تقديره: ولله ما فِي السَّماواتِ وما في الأَرض يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء لِيَجْزِيَ». ثم علَّق عليه بقوله: «والنظر الأول أقلّ تكلُّفًا من هذا الإضمار». ونقل عن قوم: أن «اللام متعلقة في أول السورة: ﴿إنْ هُوَ إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم:٤]». ثم انتقده قائلًا: «وهذا بعيد»
قال ابنُ عطية (٨/١٢٠-١٢١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾: «واختلف الناس في الكبائر، ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أنها السَّبع الموبقات التي وردت في الأحاديث، وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء. وتحرير القول في الكبائر: أنها كل معصية يوجد فيها حدٌّ في الدنيا، أو تَوَعُّدٌ بنار في الآخرة، أو لعنة أو نحو هذا خاصٌّ بها. فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما حين قيل له: أسَبْعٌ هي؟ فقال: هي إلى السبعين أقربُ منها إلى السبع»
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ الآية، قال: كان هذا مِن قبل أن تنزل آيةُ الميراث، فكانت المرأةُ إذا تُوُفِّي عنها زوجُها كان لها السُّكْنى والنفقةُ حَوْلًا إن شاءت، فنسخ ذلك في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة، جعل لها الثمن إن كان له ولد، وإن لم يكن له ولد فلها الربع، وجعل عدتها أربعة أشهر وعشرًا، فقال: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]
عن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان- في الآية، قال: كان أهل الجاهلية فيهم بَغْيٌ وطاعة للشيطان، فكان الحيُّ منهم إذا كان فيهم عَدَد وعُدَّة، فقتَل لهم عبدًا عبدُ قومٍ آخرين، فقالوا: لن نقتل به إلا حُرًّا. تعزُّزًا وتفضُّلًا على غيرهم في أنفسهم، وإذا قُتلت لهم أنثى قتلتها امرأة، قالوا: لن نقتل بها إلا رجلًا. فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أنّ العبد بالعبد، والحر بالحر، والأنثى بالأنثى، وينهاهم عن البغي. ثم أنزل سورة المائدة فقال: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥] الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة- قال: ثمان آياتٍ نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأُمَّة مما طلعت عليه الشمس وغربت؛ أولاهن: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (٢٦)﴾، والثانية: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (٢٧)﴾، والثالثة: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨)﴾. ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء، وزاد فيه: ثم أقبل يُفَسِّرُها في آخر الآية: ﴿وكان الله﴾ للذين عملوا الذنوب ﴿غفورا رحيما﴾