سورة لقمان — الآية ٢٠

عن عبد الله بن عباس، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن قوله: ‹وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ظاهِرَةً وباطِنَةً› قال: «أما الظاهرة فالإسلام، وما سَوّى مِن خلْقك، وما أسبغ عليك مِن رزقه. وأما الباطنة فما سَتر مِن مساوئ عملك. يا ابن عباس، إنّ الله عز وجل يقول: ثلاث جعلتهن للمؤمن؛ صلاة المؤمنين عليه من بعده، وجعلت له ثلث ماله أُكَفِّر عنه مِن خطاياه، وسترت عليه مِن مساوئ عملِه فلم أفضحه بشيء منها، ولو أبديتها لنبذه أهلُه فمَن سواهم»

سورة الصافات — الآية ١٧٧

عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلَّينا عندها صلاة الغداة بغَلَس، فركب نبيُّ الله ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإنّ ركبتي لَتَمَسُّ فَخِذ نبيِّ الله ﷺ، ثم حسر الإزارَ عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ، فلما دخل القرية قال: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فساء صباح المنذرين﴾» قالها ثلاثًا

سورة الفجر — الآية ١٤

عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، إنّ المؤمن لدى الحقّ أسير. يا معاذ، إنّ المؤمن لا يَسكن رَوْعه ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إنّ المؤمن قيَّده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله عز وجل، فالقرآن دليله، والخوف محجّته، والشوق مطِيّته، والصلاة كهفه، والصوم جُنّته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربّه عز وجل مِن وراء ذلك كلّه بالمرصاد»

اختلف المفسرون في المراد بالفرقان؛ فذهب قوم إلى أنّه مصدر، والمراد: الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى. وذهب قومٌ إلى أنّه القرآن، والمراد: الفصل بين الحق والباطل في أحكام الشرائع. ورَجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏١٨٣-١٨٤) القولَ الأول الذي قاله ابنُ الزبير وابنُ إسحاق مُسْتَنِدًا إلى دلالة القرآن، والسياق؛ لتقدّم ذِكْرِ القرآن في قوله: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا﴾، ولا شكَّ أنّ ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرّة أخرى؛ إذ لا فائدة في تكريره، ولأنّ الله عَقَّب قولَه: ﴿وأنزل الفرقان﴾ بقوله: ﴿إن الذين كفروا بآيات الله﴾، وهذا وعيدٌ صريحٌ لِمَن جَحَدَ الفَصْلَ الذي أنزله الله فرقانًا بين الحق والباطل وعانده. وكذا رجَّح ابنُ كثير (٣‏/‏٦) هذا القول. ووجَّه ابنُ عطية (٢‏/‏١٥٤) تفسيرَ الفرقان بالقرآن لكونه يُفَرِّق بين الحق والباطل، ثُمَّ جَمَع بين القولين، فقال: «والفرقانُ يَعُمُّ هذا كلَّه». وذكر أنّ بعض المفسرين قال بأنّ الفرقان هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، وعلَّق عليه، بقوله: «فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب، ثم توعد تعالى الكفار عمومًا بالعذاب الشديد، وذلك يعم عذاب الدنيا بالسيف والغلبة، وعذاب الآخرة بالنار». ثم بيَّن أنّ الإشارة بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وذكر أنّ النقّاش قال بأنّه إلى اليهود؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني أخطب وغيرهم

سورة النساء — الآية ١١٤

عن معاذ بن جبل، قال: كُنّا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأصاب الناسَ ريحٌ، فتَقَطَّعوا، فضربت ببصري فإذا أنا أقرب الناس من رسول الله ﷺ، فقلت: لَأَغْتَنِمَنَّ خَلْوَتَه اليوم. فدنوت منه، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يقربني -أو قال: يدخلني- الجنة، ويباعدني من النار. قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على مَن يَسَّره الله عليه؛ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير». قلت: أجل، يا رسول الله. قال: «الصوم جُنَّة، والصدقة تُكَفِّر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل يبتغي به وجه الله». ثم قرأ الآية: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة:١٦]. ثم قال: «إن شئت أنبأتك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه». قلت: أجل، يا رسول الله. قال: «أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد، وإن شئت أنبأتك بأملك الناس من ذلك كله». قلت: ما هو، يا رسول الله؟ فأشار بإصبعه إلى فيه. فقلت: وإنا لَنُؤاخذ بكل ما نتكلم به. فقال: «ثَكِلتك أمُّك، يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟! وهل تتكلم إلا ما عليك أو لك؟!»

سورة المائدة — الآية ١٠٦

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويُشهِد رجلين من المسلمين على ماله وعليه، قال: هذا في الحضر، ﴿أو آخران من غيركم﴾ في السفر، ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾، ﴿إن ارتبتم﴾ قال ابن عباس: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهلُ الميت وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما. فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، ويحلفان بالله لا نشتري ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنّكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها

اختلف أهل التأويل في المرافق، هل هي من اليد الواجب غسلها، أم لا؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب. ورجَّحَ ابن جرير القولَ بعدم وجوب غسلهما؛ مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئًا منه تاركٌ لم تُجْزِه الصلاة مع تَرْكِه غَسْلَه. فأما المرفقان وما وراءهما فإنّ غسل ذلك من الندب الذي ندبَ إليه ﷺ أُمَّته بقوله: «أمتي الغرُّ المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته فليفعل». فلا تَفْسُد صلاةُ تاركِ غسلِهما وغسلِ ما وراءهما، لِما قد بينا قبلُ فيما مضى: من أن كل غاية حُدَّت بـ»إلى«فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحدّ، وخروجها منه. وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجُز لأحد القضاءَ بأنها داخلة فيه، إلا لِمَن لا يجوز خلافُه فيما بيَّن وحَكم، ولا حُكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا، ممن يجب التسليم بحكمه». وذَهَبَ ابن عطية (٣‏/‏١١٦) إلى دخولهما في القدر الذي يجب غسله، فقال: «وتحرير العبارة في هذا المعنى أن يُقال: إذا كان ما بعد»إلى«ليس مما قبلها، فالحد أول المذكور بعدها، وإذا كان ما بعدها من جملة ما قبلها فالاحتياط يعطي أنّ الحدَّ المذكورُ بعدها، ولذلك يترجح دخولُ المرفقين في الغسل»

أفادت الآثار اختلاف أهل التأويل في صفة المسح الذي أمر الله به بقوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾، على ثلاثة أقوال: الأول: امسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء إذا قمتم إلى الصلاة. وهذا قول ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسفيان، والشعبي، وغيرهم. والثاني: امسحوا بجميع رءوسكم، فإن لم يمسح بجميع رأسه بالماء لم تجزئه الصلاة بوضوئه ذلك. وهذا قول مالك. والثالث: لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. ورجَّحَ ابن جرير (٨‏/‏١٨٧-١٨٨ بتصرف) القولَ الأول مستندًا إلى اللغة، وظاهر الآية، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ الله -جل ثناؤه- أمر بالمسح برأسه القائمَ إلى صلاته، مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه، ولم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه. وإذ كان ذلك كذلك فما مسح به المتوضِّئُ من رأسه فاستحق بمسحه ذلك أن يقال: مسح برأسه، فقد أدّى ما فرض الله عليه من مسح ذلك؛ لدخوله فيما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلى صلاته. وما كان من ذلك مُجْمَعًا على أنه غير مُجْزِئه، فمسلَّم لِما جاءت به الحُجَّة نقلًا عن نبيها ﷺ، ولا حجة لأحد علينا في ذلك؛ إذ كان من قولنا: إنّ ما جاء في آي الكتاب عامًّا في معنًى، فالواجب الحكم به على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له، فإذا خُصَّ منه شيء كان ما خُصَّ منه خارجًا من ظاهره، وحكْمُ سائره على العموم»

سورة النساء — الآية ٢٩

عن عمرو بن العاصي، قال: لَمّا بعثني رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل احْتَلَمْتُ في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقتُ إنِ اغتسلتُ أن أهلك، فتيَمَّمتُ، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلمّا قدِمت على رسول الله ﷺ ذكرتُ ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟!». قلت: نعم، يا رسول الله، إنِّي احتلمتُ في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرتُ قول الله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾. فتيمَّمتُ، ثم صليتُ. فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا

سورة مريم — الآية ٥٤

عن كعب [الأحبار] -من طريق سمرة- قال: كان إسماعيل -نبي الله الذي سماه الله- صادقَ الوعد، وكان رجلًا فيه حِدَّة، يُجاهد أعداء الله، ويعطيه الله النصرَ عليهم والظَّفَر، وكان شديدَ الحرب على الكفار، لا يخاف في الله لومة لائم، صغيرَ الرأس، غليظَ العنق، طويلَ اليدين والرجلين، يضرب بيديه ركبتيه وهو قائم، صغيرَ العينين، طويلَ الأنف، عريضَ الكتف، طويلَ الأصابع، بارزَ الخَلْق، قويًّا، شديدًا، عنيفًا على الكفار، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكانت زكاتُه القربانَ إلى الله مِن أموالهم، وكان لا يَعِدُ أحدًا شيئًا إلا أنجزه، فسمّاه الله: صادق الوعد