رجّح ابنُ عطية (٢/٢٤٥) أن الآية وإن كانت قد نزلت أولًا في وفد نجران، إلا أنها تعم غيرهم أيضًا مِمَّن يشمله لفظ أهل الكتاب، مستندًا إلى سنّةِ النبي ﷺ، قال: «والذي يظهر لي: أنّ الآية نزلت في وفد نجران، لكن لفظ أهل الكتاب يعمهم وسواهم من النصارى واليهود، فدعا النبي ﷺ بعد ذلك يهود المدينة بالآية، وكذلك كتب بها إلى هرقل عظيم الروم، وكذلك ينبغي أن يدعى بها أهل الكتاب إلى يوم القيامة»
وجَّه ابنُ عطية (٣/٢٩٢-٢٩٣) قول السدي، فقال: «ويظهر من كلام السدي أن الإشارة بـ﴿ذَلِكَ﴾ إنما هي إلى الحبس من بعد الصلاة فقط، ثم يجيء قوله تعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ بإزاء ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ الآية... و﴿أوْ﴾ في هذه الآية على تأويل السدي بمنزلة قولك: تجيئني يا زيد أو تسخطني. كأنك تريد: وإلا أسخطتني، فكذلك معنى الآية: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها وإلا خافوا رَدَّ الأيمان»
ذكر ابنُ عطية (٤/١١) قول أبي العالية، ثم بَيَّن احتمالَ الآية معنًى آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن أنهم لم يصرفوا عقولهم في الآيات المنصوبة، ولا شكروا نِعَم الله، ولا قادَتْهم معجزات الأنبياء؛ لأنّ هذه الأمور عهد في رقاب العقلاء كالعهود ينبغي أن يُوفى بها، وأيضًا فمِن لدن آدم تَقَرَّر العهدُ الذي هو بمعنى الوصية، وبه فسَّر الحسنُ هذه الآية، فيجيء المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عهد وقبولَ وصاة. ذكره المهدوي»
ذكر ابنُ عطية (٥/٤٩١-٤٩٢) استدلال المتكلمين بهذه الآية على التعجيز، فقال: «وقوله: ﴿كونوا﴾ هو الذي يسميه المتكلمون: التعجيز، من أنواع لفظة»افعل«، وبهذه الآية مثّل بعضهم». ثم انتقد استدلالهم مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وفي هذا عندي نظر، وإنما التعجيز حيث يقضي بالأمر فعلُ ما لا يقدر عليه المخاطَب، كقوله تعالى: ﴿فادرءوا عن أنفسكم الموت﴾ [آل عمران:١٦٨] ونحوه، وأما هذه الآية فمعناها: كونوا بالتوهم والتقدير كذا وكذا، الذي فطركم كذلك هو يعيدكم»
أفادت الآثار أنّ الآيات الخمس الأولى من سورة العلق هي أول آيات القرآن نزولًا. وقد ذكر ذلك ابنُ عطية (٨/٦٥١)، وذكر قولين آخريين، فقال: «ورُوي من طريق جابر بن عبد الله أنّ أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾. وقال أبو مَيْسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل فاتحة الكتاب». ثم رجّح -مستندًا إلى السنة- القول الأول، فقال: «والقول الأول أصح، والترتيب في إخبار النبي ﷺ يقتضي ذلك»
اختُلِف في نزول قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنْصابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوه﴾ على أقوال: الأول: أنها نزلت بسببٍ كان من عمر بن الخطاب، وهو أنه ذكر مكروه عاقبة شربها لرسول الله ﷺ، وسأل اللهَ تحريمها. الثاني: أنها نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، وقصته مع الرجل الذي لاحاه على شرابٍ لهما. الثالث: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار. الرابع: بسبب الميسر حيث كان يؤدي إلى العداوة والبغضاء، لا بسبب السكر الذي يحدث لهم من شرب الخمر. ورجَّح ابن جرير (٨/٦٦٢-٦٦٣) جواز جميعها، وعدم القطع بقول منها للعموم، وعدم الدليل على تخصيص بعض دون بعض، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله تعالى قد سَمّى هذه الأشياء التي سَمّاها في هذه الآية رِجْسًا، وأمر باجتنابها، وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي مِن أجله نزلت هذه الآية، وجائزٌ أن يكون نزولها كان بسبب دعاء عمر رضي الله عنه في أمر الخمر، وجائزٌ أن يكون ذلك كان بسبب ما نال سعدًا من الأنصاريِّ عند انتشائهما من الشَّراب، وجائزٌ أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدهم عند ذهاب ماله بالقمار مِن عداوةٍ من يَسَرَه وبُغْضِه. وليس عندنا بأيِّ ذلك كان خبرٌ قاطعٌ للعُذْرِ». ثم بيَّن أن الجهل بسبب نزول هذه الآية غير مؤثرٍ في حكمها، فقال: «غير أنه أيُّ ذلك كان فقد لَزِمَ حُكْم الآية جميعَ أهل التكليف، وغيرُ ضائرهم الجهلُ بالسبب الذي له نزلت هذه الآية، فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان، فَرْضٌ على جميع من بَلَغَتْه الآية من التكليف اجتنابُ جميع ذلك، كما قال -تعالى ذكره-: ﴿فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾»
عن أبي الحسن -من طريق حفص بن ميسرة- أنّه قال في قول الله: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف﴾ الآية كلها، قال: [نزلت] ما بين المغرب والعشاء
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل﴾ الآية، قال: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء، وقَلَّما ذكر الله فضلًا ذكر به الأنبياء، وثوابًا أعطاهم؛ إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم
قال عبد الله بن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي أمية ورَهْطٍ من قريش، قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصَّفا ذهبًا، ووَسِّعْ لنا أرضَ مكة، وفَجِّر الأنهار خلالها تفجيرًا؛ نؤمنْ بك. فأنزل الله تعالى هذه الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّه كان يكره أن تُؤْتى المرأةُ في دُبُرِها، ويقول: إنما المُحْتَرَثُ مِن القُبُل الذي يكون مِنه النَّسْلُ والحَيْضُ. ويقول: إنّما أُنزِلَت هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، يقول: مِن أيِّ وجهٍ شِئتُم